العدالة الانتقالية «4-5»: السودان من الثورة إلى الحرب… عدالة مؤجلة
ميرغني الحبر/ المحامي
إذا كانت تجارب الدول التي خرجت من الحروب والأنظمة الاستبدادية تعلمنا أن العدالة الانتقالية لا تنجح بمجرد إنشاء لجنة أو إصدار قانون، فإن التجربة السودانية تقدم مثالًا أكثر تعقيدًا؛ فقد خرج السودان من ثورة شعبية واسعة رفعت شعار «حرية، سلام، وعدالة»، وكان من الطبيعي أن تصبح العدالة واحدة من أهم ركائز الانتقال السياسي.
لكن ذلك لم يحدث بالصورة التي كان ينتظرها السودانيون.
تعثر الانتقال، وتعددت مراكز القوة، واستمرت الانقسامات داخل مؤسسات الدولة، ثم وقع الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، وبعد أقل من عامين اندلعت الحرب في أبريل 2023.
وهكذا انتقل السودان من سؤال: كيف نحقق العدالة بعد الثورة؟
إلى سؤال أكثر تعقيدًا:
كيف نحقق العدالة بعد حرب ما زالت آثارها قائمة، بينما لم نعالج أصلًا إرث الانتهاكات السابقة؟
لم تكن ثورة ديسمبر مجرد احتجاج على الأوضاع الاقتصادية أو السياسية.
لقد كانت في جوهرها احتجاجًا على منظومة كاملة من الاستبداد، وغياب الحريات، والحروب، والتمييز، والإفلات من العقاب.
ولهذا لم يكن شعار «العدالة» شعارًا عابرًا.
كان يعني بالنسبة إلى أسر ضحايا الانتهاكات أن دماء أبناءهم لن تضيع، وأن الدولة الجديدة لن تكون امتدادًا للدولة القديمة، وأن الجرائم التي ارتكبت باسم السلطة لن تبقى بلا مساءلة.
وكانت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019 واحدة من أكثر القضايا التي اختبرت جدية الدولة الانتقالية في الوفاء بهذا الوعد.
لكن الانتقال السياسي نفسه كان شديد التعقيد.
فالدولة لم تنتقل بصورة كاملة من نظام قديم إلى نظام جديد، وإنما قامت مرحلة انتقالية تشاركت فيها قوى مدنية وعسكرية، مع استمرار مؤسسات وأجهزة وقوى كانت جزءًا من النظام السابق أو من منظومة الدولة العميقة.
وهنا ظهرت أولى معضلات العدالة الانتقالية:
كيف تحقق العدالة وأنت لم تحسم بعد طبيعة السلطة التي ستطبقها؟
لا يمكن اختزال أسباب التعثر في عامل واحد.
فقد كانت هناك أسباب سياسية ومؤسسية وقانونية، إضافة إلى الانقسام داخل القوى المدنية نفسها، واستمرار نفوذ القوى العسكرية والأمنية، وضعف مؤسسات العدالة، والاضطراب الذي صاحب المرحلة الانتقالية.
كما أن العدالة الانتقالية تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة نسبيًا، بينما كان السودان يعيش منذ اليوم الأول للانتقال صراعًا على السلطة وموازين القوة.
وهنا ينبغي أن نكون منصفين.
فليس صحيحًا أن السودان لم يفعل شيئًا في هذا المجال.
لقد جرت محاولات لإدراج العدالة الانتقالية ضمن عملية الانتقال، ووردت في الوثائق السياسية الانتقالية، كما أُنشئت مؤسسات وآليات ذات صلة، وأُثيرت ملفات الشهداء والانتهاكات، وبدأت نقاشات واسعة حول الإصلاح القانوني والمؤسسي.
لكن المشكلة الأساسية كانت أن العدالة الانتقالية لم تتحول إلى مشروع وطني متكامل له أولويات واضحة، ومؤسسات مستقلة، وجدول زمني، وموارد، وضمانات تنفيذ.
وبدلاً من ذلك ظلت ملفات كثيرة معلقة بين السياسة والقانون.
ثم جاءت الحرب
في 15 أبريل 2023 فغيرت طبيعة القضية بالكامل.
فلم يعد السودان يتعامل فقط مع إرث النظام السابق أو انتهاكات الثورة، وإنما دخل في حرب واسعة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، امتدت آثارها إلى أجزاء واسعة من البلاد، وارتبطت بها انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
أصبح لدينا قتل ونزوح وتهجير وتدمير للممتلكات والبنية التحتية، وعنف جنسي، وانتهاكات أخرى .
وهنا تضاعف حجم المهمة.
فالعدالة الانتقالية التي كان يفترض أن تعالج إرثًا متراكمًا من الانتهاكات أصبحت مطالبة أيضًا بالتعامل مع جرائم حرب وانتهاكات واسعة وقعت أثناء الحرب نفسها.
وهذا يفرض علينا أن نطرح سؤالًا مهمًا:
قد يبدو هذا منطقيًا من الناحية السياسية، لكنه يحمل خطرًا كبيرًا.
فكلما طال الزمن ضاعت الأدلة، واختفت الوثائق، وتغيرت ذاكرة الشهود، وربما غادر الضحايا مناطقهم أو مات بعضهم، وأصبح الوصول إلى أماكن الجرائم أكثر صعوبة.
ولهذا لا ينبغي أن يعني استمرار الحرب التوقف عن توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة وحماية الشهود.
لكن في الوقت نفسه، يجب ألا نخلط بين التوثيق والمحاسبة النهائية.
فالتوثيق يمكن أن يبدأ أثناء النزاع، أما المحاكمات الشاملة فتحتاج إلى ظروف ومؤسسات أكثر استقرارًا.
نعم.
ولا ينبغي أن تكون العدالة الانتقالية السودانية أسيرة الماضي فقط.
فإذا كان الهدف منها معالجة إرث الانتهاكات وبناء دولة جديدة، فمن الطبيعي أن تشمل الانتهاكات الجسيمة التي تقع أثناء الحرب الراهنة، مع احترام القواعد القانونية الخاصة بالمساءلة الجنائية.
وهنا تظهر قاعدة أساسية:
لا يجوز أن تكون العدالة الانتقالية انتقائية.
فإذا ارتكب أحد الأطراف جريمة، لا ينبغي أن يصبح انتماؤه السياسي أو العسكري سببًا للإعفاء منها.
وفي المقابل، لا ينبغي تحميل مؤسسة أو جماعة بأكملها مسؤولية أفعال أفراد منها.
المعيار هو المسؤولية الفردية عن الفعل.
وهذه نقطة بالغة الأهمية في السودان، حيث يمكن بسهولة أن تتحول العدالة إلى أداة للصراع السياسي أو إلى وسيلة لمعاقبة جماعات بأكملها.
هنا يجب التمييز بين مراحل مختلفة.
هناك أعمال يمكن القيام بها الآن، مثل:
توثيق الانتهاكات.
حفظ الأدلة والوثائق.
تسجيل شهادات الضحايا والشهود بصورة مهنية.
تحديد أماكن المقابر والانتهاكات.
حماية الأدلة الرقمية.
دعم الضحايا.
البحث عن المفقودين.
إعداد قواعد بيانات مستقلة وموثوقة.
وهناك أعمال أخرى تحتاج إلى مرحلة لاحقة، مثل المحاكمات واسعة النطاق، وبرامج التعويض الشاملة، والإصلاح المؤسسي الكبير، وإعادة بناء الأجهزة العدلية والأمنية.
وهذا يعني أن العدالة الانتقالية ليست حدثًا يقع في يوم واحد بعد انتهاء الحرب.
إنها مسار يبدأ أثناء الأزمة ويستمر لسنوات بعدها.
لكن السودان سيواجه سؤالًا بالغ الحساسية:
ماذا نفعل إذا كان تحقيق العدالة الكاملة في اللحظة الأولى قد يهدد اتفاق السلام؟
هذا السؤال ليس نظريًا.
فقد واجهته دول كثيرة خرجت من الحروب.
لكن الخطأ هو تحويله إلى خيار ثنائي:
إما السلام وإما العدالة.
التجارب التي ناقشناها في المقال السابق تعلمنا أن بالإمكان تصميم ترتيبات تجمع بينهما، بشرط أن يكون هناك اتفاق واضح على حدود العفو، وطبيعة الجرائم التي لا يجوز التسامح فيها، والجرائم التي يمكن أن تدخل في ترتيبات المصالحة أو العقوبات البديلة.
وهنا يجب أن نكون أكثر حذرًا في السودان.
فليس كل فعل ارتكب أثناء الحرب في درجة واحدة.
هناك فرق بين المشاركة في القتال، وبين ارتكاب جريمة ضد المدنيين.
وهناك فرق بين الجريمة الفردية، والجريمة المنظمة.
وهناك فرق بين من نفذ أمرًا إجراميًا، ومن أصدر الأمر، ومن خطط للجريمة، ومن وفر لها الحماية.
ومن ثم فإن العدالة الانتقالية تحتاج إلى تصنيف دقيق للانتهاكات والمسؤوليات، لا إلى أحكام جماعية.
هذا السؤال ربما يكون أكثر الأسئلة تعقيدًا.
فالضحايا ليسوا فقط من قتلوا.
هناك أسر المفقودين، والنازحون، واللاجئون، ومن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، والناجون من التعذيب، وضحايا العنف الجنسي، والأطفال الذين فقدوا أسرهم أو تعليمهم، والمجتمعات التي دمرت قراها ومصادر رزقها.
وهناك كذلك ضحايا الانتهاكات التي سبقت الحرب الحالية.
ومن هنا فإن جبر الضرر في السودان سيكون تحديًا هائلًا.
لن تكون الدولة قادرة ببساطة على دفع تعويضات مالية لكل متضرر.
ولهذا يجب التفكير في مفهوم أوسع للضرر وجبر الضرر، يشمل:
رد الحقوق، والتعويض حيث يكون ممكنًا، وإعادة الممتلكات، والتأهيل، والخدمات، وإعادة الإعمار، والاعتراف الرسمي، وحفظ الذاكرة، وضمان عدم التكرار.
بل إن إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب يمكن أن تكون في ذاتها جزءًا من العدالة، إذا تمت بطريقة عادلة ولم تتحول إلى إعادة إنتاج للتهميش.
هذه نقطة لا ينبغي أن يغفلها أي نموذج سوداني.
فجزء كبير من تاريخ الصراعات السودانية ارتبط بالشعور بالتهميش وعدم المساواة في توزيع السلطة والثروة والتنمية.
ولذلك فإن العدالة الانتقالية التي تقتصر على محاكمة بعض الأفراد قد تعالج جزءًا من المشكلة، لكنها لن تعالج بالضرورة جذور الصراع.
فالعدالة في السودان ليست عدالة جنائية فقط.
إنها أيضًا عدالة سياسية ومؤسسية واجتماعية، بمعنى بناء دولة يشعر فيها المواطن في دارفور أو كردفان أو الشرق أو النيل الأزرق أو الشمال أو الوسط بأن الدولة دولته، وأن حقوقه لا تعتمد على موقعه الجغرافي أو انتمائه الاجتماعي.
ومن هنا ترتبط العدالة الانتقالية بمشروع أوسع هو إعادة بناء الدولة السودانية.
قد تكون هناك حاجة إلى هيئة وطنية مستقلة للحقيقة، لكن السؤال ليس مجرد: هل ننشئ لجنة؟
السؤال الحقيقي هو:
ما صلاحياتها؟ ومن يختار أعضاءها؟ وهل تستطيع الوصول إلى الوثائق؟ وهل تستطيع استدعاء الشهود؟ وكيف تحميهم؟ وهل تتمتع باستقلال حقيقي؟
لذلك يجب أن يكون تصميم أي لجنة سودانية للحقيقة نتيجة حوار وطني واسع، لا قرارًا إداريًا يصدر من سلطة انتقالية.
قد يحتاج السودان، بالنظر إلى حجم الانتهاكات وتعقيدها، إلى دوائر أو محاكم متخصصة للنظر في الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص العدالة الانتقالية.
لكن إنشاء محكمة جديدة لا يعالج وحده ضعف القضاء.
فالمطلوب في الأصل هو بناء قضاء مستقل وقادر، وتوفير الحماية للقضاة والنيابة والشهود، وضمان حق الدفاع، وإبعاد العدالة عن التأثير السياسي.
كحوقد تكون هناك حاجة إلى الاستفادة من الخبرات الدولية، لكن
الأصل أن تكون العدالة في السودان سودانية في مؤسساتها، دولية في معاييرها.
فالعدالة الانتقالية هي مشروع لمساءلة الأفراد والمؤسسات بحسب المسؤولية القانونية عن الأفعال والانتهاكات.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تمنع الحساسيات السياسية من مساءلة أي شخص تثبت مسؤوليته.
فالدولة التي تبدأ العدالة باستثناء الأقوياء تكون قد أعادت إنتاج المشكلة التي تحاول علاجها.
السودان يحتاج إلى تصور مختلف للعدالة الانتقالية.
تصور يبدأ من حقيقة أن لدينا ماضياً طويلاً من الانتهاكات، وحاضرًا مثقلًا بجرائم الحرب، ومستقبلًا يحتاج إلى مؤسسات تمنع تكرارها.
ولهذا لا ينبغي أن تكون العدالة الانتقالية مجرد فصل في اتفاق سلام، ولا لجنة مؤقتة، ولا برنامجًا حكوميًا محدودًا.
بل ينبغي أن تكون مشروعًا وطنيًا طويل الأمد.
مشروعًا يبدأ بتوثيق الحقيقة، ويستمع إلى الضحايا، ويحاسب المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، ويجبر الضرر، ويصلح المؤسسات، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويضع ضمانات تمنع تكرار المأساة.
لكن قبل أن نصل إلى هذه المرحلة، علينا أن نجيب عن سؤال أصعب:
هل يريدون عدالة انتقائية تنتصر لطرف على آخر؟
أم عدالة وطنية تشمل الجميع؟
هل يريدون أن تكون الأولوية للعقوبة؟
أم للحقيقة؟
أم للمصالحة؟
أم يمكن الجمع بينها وفق ترتيب وأولويات واضحة؟
وهنا نصل إلى جوهر القضية.
فالعدالة الانتقالية ليست مجرد اختيار آليات قانونية، وإنما هي في النهاية اختيار لطبيعة الدولة التي نريد بناءها.
إذا أردنا دولة تقوم على الانتقام، فستنتج عدالة انتقامية.
وإذا أردنا دولة تقوم على النسيان، فسنكرر أخطاء الماضي.
أما إذا أردنا دولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة والمساواة، فعلينا أن نبني عدالة تعترف بالماضي دون أن تصبح أسيرة له، وتنصف الضحايا دون أن تنتج ضحايا جددًا، وتحاسب المسؤولين دون أن تحول المحاسبة إلى انتقام جماعي.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام السودان.
ربما تكون الخطوة الأولى هي الاعتراف بأن العدالة الانتقالية ليست مهمة الحكومة وحدها.
إنها مسؤولية المجتمع كله.
القانونيون، والضحايا، وأسر المفقودين، ومنظمات المجتمع المدني، والنساء والشباب، والإدارات الأهلية، والأكاديميون، والإعلام، والقوى السياسية، والمؤسسات الدينية والمجتمعية، بل وحتى المؤسسات العسكرية والأمنية نفسها، جميعهم جزء من النقاش حول المستقبل.
فالعدالة التي تُفرض من أعلى قد تحقق بعض النتائج القانونية، لكنها لن تبني بالضرورة المصالحة التي يحتاجها المجتمع.
أما العدالة التي يشارك السودانيون في صياغة مبادئها، ويشعر الضحايا بأنها تعبر عنهم، وتلتزم بها مؤسسات الدولة، فقد تصبح إحدى أهم أدوات إعادة بناء الوطن.
لقد دخل السودان الحرب وهو يحمل جراحًا قديمة لم تلتئم ، فتجددت،
وينبغي أن يخرج منها بمشروع يعالج جذور العنف والإفلات من العقاب والتهميش السياسي والمؤسسي.
وهنا لا تصبح العدالة الانتقالية مجرد طريقة لمعالجة اخطاء الماضي، وإنما تصبح جزءًا من مشروع بناء السودان الجديد.
وفي المقال الأخير من هذه السلسلة سنحاول الانتقال من التشخيص إلى الاقتراح:
كيف يمكن أن نصمم نموذجًا سودانيًا للعدالة الانتقالية؟
ما المؤسسات التي يحتاجها؟
ما الجرائم التي ينبغي أن تكون لها الأولوية؟
كيف نوفق بين العدالة والسلام؟
كيف نتعامل مع العفو والمصالحة؟
كيف نجبر ضرر ملايين السودانيين؟
وكيف نضمن ألا تتحول العدالة إلى أداة انتقام سياسي؟
فالسؤال في النهايb