الإسلام السياسي ورأس المال الهارب
السودان بعد ثلاثة عقود من التمكين وتفكك الدولة
قراءة خديجة صفوت في مرآة السودان المنهار
إعداد: عمر سيد أحمد
إذا أُعيدت قراءة كتاب الدكتورة خديجة صفوت، “الإسلام السياسي ورأس المال الهارب: السودان نموذجاً” ، من موقع السودان بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدوره، فإن أهميته لا تكمن في أنه تنبأ تفصيلاً بما سيحدث، بل في أنه التقط مبكراً بنية سياسية واقتصادية يمكن أن تقود إلى إضعاف رأس المال الوطني، وتحويل الدولة إلى أداة لإعادة توزيع الموارد لمصلحة فئة مسيطرة، وتسييس المؤسسة العسكرية، وإضعاف المجتمع المدني والطبقة الوسطى، بالتوازي مع صعود رأس المال الريعي والتجاري على حساب القطاعات الإنتاجية.
ومنذ انقلاب 30 يونيو 1989، لم تكن تجربة الإسلام السياسي في السودان مجرد تجربة حكم أخفقت في إدارة الاقتصاد، بل مشروعاً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد. وقد ارتبطت هذه التجربة بانفصال جنوب السودان عام 2011، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتراجع مؤسسات الدولة، ثم انقلاب أكتوبر 2021، قبل اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.[1]
وتستند هذه القراءة إلى التمييز بين مستويين: ما طرحته خديجة صفوت بوصفه إطاراً تفسيرياً لعلاقة الإسلام السياسي برأس المال والدولة، وما كشفت عنه الوقائع اللاحقة في السودان من نتائج سياسية واقتصادية وأمنية.
ربطت خديجة صفوت بين صعود رأس المال العابر للحدود وتراجع قدرة الدولة الوطنية على الرقابة والتنظيم. فكلما أصبح رأس المال أكثر قدرة على الحركة بين الدول، ازداد نفوذه على السياسات العامة، ولا سيما في الدول الضعيفة أو المنهكة اقتصادياً.
لكن التجربة السودانية أضافت بُعداً أكثر تعقيداً إلى هذه الفكرة. فلم يعد الأمر متعلقاً بهروب رأس المال من الدولة فحسب، بل بقيام جماعة سياسية بالسيطرة على الدولة، ثم استخدام مؤسساتها لإعادة توزيع الموارد والفرص لمصلحة شبكة سياسية واقتصادية محددة.
جاء نظام الإنقاذ إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، ثم بدأ إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والسوق معاً. وبذلك أصبح الوصول إلى الثروة مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بالوصول إلى السلطة، كما أصبح النفوذ السياسي عاملاً حاسماً في الحصول على التمويل المصرفي، والتراخيص التجارية، والعقود الحكومية، والأراضي، والإعفاءات الجمركية والضريبية، وفرص الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية.[2]
وتصف دراسات أكاديمية وسياسية هذا النمط بأنه اقتصاد سياسي قائم على المحسوبية والريع وتداخل المصالح الحزبية والعسكرية والتجارية.[3]
كان «التمكين» من أهم آليات نظام الإنقاذ. ولم يقتصر على تعيين كوادر الحركة الإسلامية في مؤسسات الدولة، بل شمل الخدمة المدنية، والقطاع المصرفي، والشركات العامة، وأجهزة الأمن، والإعلام، والجامعات، والنقابات، والقوات المسلحة.
وتشير أبحاث تناولت تفكيك الدولة العميقة في السودان إلى أن النظام أقال أعداداً كبيرة من الموظفين والعسكريين، وأعاد توزيع الوظائف والامتيازات وفقاً للولاء السياسي.[4]
اقتصادياً، أدى التمكين إلى نقل مركز الثقل من المنافسة الإنتاجية إلى المنافسة على القرب من الدولة. وأصبح السؤال الأساسي في قطاعات واسعة من الاقتصاد هو: من يملك العلاقة السياسية التي تتيح له الوصول إلى التمويل أو الاستيراد أو العقود؟
وعندما يتحول النفوذ السياسي إلى وسيلة أساسية لتكوين الثروة، لا يعود الفساد مجرد مخالفات فردية، بل يتحول إلى آلية لإنتاج طبقة اقتصادية جديدة مرتبطة بالنظام.
ينبغي التمييز بين المصرفية الإسلامية بوصفها نموذجاً مالياً، وبين استخدامها داخل بيئة سياسية مغلقة. فالمشكلة لم تكن في أدوات مثل المرابحة أو المشاركة أو المضاربة في حد ذاتها، بل في خضوع المؤسسات المالية والائتمانية لشبكات الولاء والنفوذ.
وأظهرت دراسات عن صعود الإسلام السياسي في السودان أن الحركة الإسلامية تمكنت، قبل انقلاب 1989، من بناء قاعدة تجارية ومالية مهمة عبر شبكات التمويل غير الرسمي والمصارف الإسلامية.[5] وبعد السيطرة على الدولة، تداخلت هذه القاعدة الاقتصادية مع السلطة السياسية والأمنية.
تمثلت المفارقة في أن النظام رفع شعارات العدالة والزكاة ومحاربة الربا، لكنه ركز التمويل والامتيازات في أيدي فئات مرتبطة بالسلطة، الأمر الذي أدى إلى تراجع القطاعات الإنتاجية وتوسع النشاط التجاري والوسيط والمضاربي. وهكذا تحولت «أسلمة الاقتصاد» في أجزاء مهمة من التجربة إلى أسلمة للخطاب والأدوات، لا إلى بناء اقتصاد إنتاجي عادل ومستقل.
تمثلت إحدى مفارقات النظام في الجمع بين خطاب سياسي معادٍ للغرب وللرأسمالية العالمية، وسياسات اقتصادية اتسمت بخصائص قريبة من برامج التحرير والخصخصة وتوسيع السوق.
وشملت هذه السياسات بيع بعض المؤسسات العامة، وتحرير التجارة، وتقليص الدعم، وتوسيع القطاعين التجاري والمالي، وإضعاف الدور الإنتاجي للدولة، والاعتماد على تصدير الموارد الخام، وتشجيع الاستثمارات المرتبطة بالشبكات السياسية.
وتشير الأدبيات المتعلقة بالاقتصاد السوداني إلى أن الشركات المرتبطة بالنظام استفادت من الخصخصة والإعفاءات والامتيازات، بينما تعرضت الشركات غير المرتبطة بالنظام لضغوط تنافسية ومؤسسية.[6]
ولم يتشكل اقتصاد إنتاجي إسلامي بديل قادر على إحداث تحول زراعي وصناعي واسع، بل أُعيد تشكيل الرأسمالية السودانية في صورة أكثر ارتباطاً بالسلطة. وهكذا انتقل الاقتصاد من المنافسة في السوق إلى المنافسة على القرب من الدولة.
مثل النفط فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني عبر الاستثمار في الزراعة والصناعة والبنية التحتية والتعليم والصحة. وقد ارتفع إنتاج السودان النفطي خلال العقد السابق لانفصال جنوب السودان، فبلغ نحو نصف مليون برميل يومياً تقريباً في عام 2008.[7]
لكن العائدات النفطية لم تُستخدم بما يكفي لتنويع الاقتصاد أو بناء قاعدة إنتاجية قادرة على مواجهة الصدمات. وقد أشار البنك الدولي إلى أن النفط كان يمثل نحو نصف إيرادات الحكومة السودانية ونحو 95% من الصادرات قبل انفصال جنوب السودان.[8]
وبعد الانفصال عام 2011، فقد السودان نحو ثلاثة أرباع إنتاجه النفطي ونحو نصف إيراداته المالية، وتعرض الاقتصاد لعجز مالي، وتدهور في الميزان التجاري، وانخفاض حاد في قيمة العملة.[9]
وتشير تحليلات الاقتصاد السياسي للسودان إلى أن عائدات النفط أسهمت في توسيع شبكات الولاء وتمويل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، بدلاً من تحويلها بصورة كافية إلى استثمارات مستدامة في القطاعات الإنتاجية.[10]
وكشف هذا الانهيار هشاشة النموذج الاقتصادي القائم على الريع. فحين تعتمد الدولة على مورد واحد، وتتراجع مساءلة المؤسسات، تتحول عائدات المورد إلى وسيلة لتأجيل الإصلاح بدلاً من أن تكون أساساً للتنويع الاقتصادي.
من أبرز جوانب تحليل خديجة صفوت اهتمامها بعلاقة المؤسسة العسكرية بالاقتصاد. فالجيش ليس بالضرورة مؤسسة محايدة خارج الصراع الطبقي والسياسي، بل يمكن أن يصبح فاعلاً اقتصادياً يمتلك مصالح وشركات وموارد مستقلة.
وفي السودان، أدت عقود من التسييس والتمكين إلى تحويل المؤسسة العسكرية والأمنية إلى أحد مراكز القوة الأساسية في الدولة. وتشير أبحاث حول الاقتصاد العسكري إلى أن المؤسسة العسكرية السودانية توسعت من الصناعات الدفاعية إلى قطاعات مدنية وتجارية متعددة.[11]
وبذلك لم يعد السؤال مقتصراً على من يقود الجيش، بل أصبح متعلقاً أيضاً بحجم الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية، ومدى خضوعها للموازنة العامة، وطبيعة علاقاتها بالقطاع الخاص، ومستوى الرقابة البرلمانية والقضائية عليها، وقدرتها على التأثير في السياسة والاقتصاد معاً.
وأصبح إصلاح الجيش، لذلك، قضية اقتصادية ودستورية، وليس مجرد قضية أمنية.
اعتمد نظام الإنقاذ على تعدد مراكز القوة المسلحة. فإلى جانب القوات المسلحة، ظهرت أو توسعت أجهزة أمنية وميليشيات وقوات موازية، من بينها الدفاع الشعبي والجنجويد، ثم قوات الدعم السريع.
واستخدم النظام هذه التشكيلات لإدارة الحروب، وموازنة مراكز القوة، وحماية السلطة. لكن تعدد الجيوش أضعف احتكار الدولة للسلاح، وجعل كل قوة تمتلك قيادة مستقلة، ومصادر تمويل خاصة، وشبكات ولاء، وعلاقات خارجية، ومصالح اقتصادية، وطموحات سياسية.
ويرى أليكس دي وال أن السودان تطور إلى «ساحة أمنية» تضم منظمات مسلحة متعددة ذات قيادات ومصادر تمويل شبه مستقلة، وهو ما جعل بناء دولة مؤسسية أمراً بالغ الصعوبة.[12]
وبعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019، سقط الرئيس، لكن البنية العسكرية والاقتصادية التي تشكلت خلال عقود ظلت قائمة. ولذلك كان الصراع الحقيقي متعلقاً بمن يملك السلاح والموارد والقدرة على تعطيل الانتقال المدني.
عندما أطاح المكوّن العسكري بالشراكة المدنية في أكتوبر 2021، لم يكن الأمر مجرد خلاف إجرائي حول المرحلة الانتقالية، بل ارتبط أيضاً بمقاومة مراكز القوة العسكرية والأمنية لمحاولات إخضاع شركاتها ومواردها لرقابة وزارة المالية والمؤسسات المدنية.[13]
وظل التحالف بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع هشاً، لأن الطرفين امتلكا السلاح والموارد والعلاقات الخارجية والطموحات السياسية. وفي غياب سلطة مدنية قادرة على توحيد المؤسسة العسكرية، تحول التنافس إلى حرب مفتوحة في أبريل 2023.
وبعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، لم يعد الصراع يدور حول مستقبل المرحلة الانتقالية فحسب، بل حول محاولة إعادة إنتاج النظام القديم بصورة كاملة. فقد أجهض الانقلاب الشراكة المدنية ـ العسكرية، وأعاد السلطة الفعلية إلى قيادة عسكرية حافظت على بنية الدولة العميقة ومصالحها، وأغلق الطريق أمام التحول الديمقراطي وتفكيك شبكات الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن.
ولم يكن سقوط عمر البشير يعني سقوط النظام الذي أقامه؛ فقد بقيت مؤسسات التمكين، وشبكات المصالح، والاقتصاد العسكري، والقوى الأمنية، والكوادر التنظيمية، قادرة على التأثير في مسار المرحلة الانتقالية. وقد اختُطفت ثورة ديسمبر بواسطة قيادة عسكرية مؤدلجة حافظت على جوهر النظام القديم، وقدمت تنازلات شكلية للرأي العام من دون تفكيك شبكاته السياسية والاقتصادية والأمنية.
وعندما تعذر استعادة السلطة عبر التسويات السياسية أو السيطرة المباشرة على المرحلة الانتقالية، اتجهت قوى الإسلام السياسي وشبكات النظام السابق إلى تعطيل المسار المدني، والاستفادة من الفوضى، وتغذية الصراع داخل بنية القوى المسلحة، تمهيداً لإسقاط الانتقال والعودة إلى الحكم. وهكذا أصبح العنف والحرب خياراً سياسياً لاستعادة السلطة بعد أن أسقطت ثورة ديسمبر رأس النظام.
وفي هذا السياق، لم تكن حرب أبريل 2023 خلافاً مفاجئاً بين قائدين عسكريين، ولا نتيجة تنافس شخصي منفصل عن تاريخ السودان السياسي. فقد نشبت داخل بنية صنعها نظام الإسلام السياسي نفسه: دولة عسكرة السياسة، وإنشاء قوى مسلحة موازية، وإضعاف المؤسسات المدنية، وإخراج قطاعات واسعة من الاقتصاد من الرقابة العامة، وترك موارد الحرب والأمن خارج الموازنة والشفافية.
لقد أسهم النظام السابق في بناء واقع عسكري متعدد المراكز، استخدم فيه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والميليشيات والقوى الموازية لإدارة الصراع وحماية السلطة. وحين سقط البشير، بقي هذا الواقع قائماً، بل انتقل إلى المرحلة الانتقالية بوصفه مركز الثقل الحقيقي في الدولة. وفي ظل غياب سلطة مدنية قادرة على إعادة تنظيم القطاع الأمني والعسكري، تحولت التناقضات المتراكمة بين القوى المسلحة إلى صراع مفتوح على الدولة ومواردها ومستقبلها.
لذلك فإن المسؤولية عن الحرب لا تنحصر في لحظة إطلاق النار، ولا في التنافس المباشر بين القيادات العسكرية، بل تمتد إلى المشروع الذي عسْكر الدولة، وأنشأ القوى الموازية، وأضعف مؤسسات المجتمع المدني، وأخرج المؤسسة العسكرية من الرقابة الديمقراطية، ثم رفض قبول نتائج الثورة.
لا يمكن تفسير الحرب السودانية بعامل واحد. فهي مواجهة مباشرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ويتحمل الطرفان مسؤولية قراراتهما وأفعالهما والانتهاكات المنسوبة إليهما.
لكن الحرب ارتبطت أيضاً ببنية تاريخية نشأت خلال عهد الإنقاذ، وشملت تسييس القوات المسلحة، وإنشاء قوى مسلحة موازية، واستقلال قطاعات عسكرية وأمنية عن الموازنة العامة، والاعتماد على الميليشيات في إدارة الحروب الطرفية، وتحويل الموارد الطبيعية إلى مصادر لتمويل القوة، وإضعاف مؤسسات المجتمع المدني والرقابة العامة.
وقد وثقت الأمم المتحدة انتهاكات واسعة ارتكبها طرفا الحرب بحق المدنيين والبنية التحتية، وأكدت أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مسؤولتان عن هجمات واسعة وانتهاكات خطيرة.[14]
وعليه، لا يصح إعفاء أي طرف من مسؤوليته عن الانتهاكات، كما لا يصح اختزال الحرب كلها في مؤامرة سياسية واحدة. غير أن فهم جذورها يتطلب تحليل العلاقة بين السلطة والسلاح والموارد.
بعد فقدان معظم الإيرادات النفطية، أصبح الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في السودان. وكان يمكن لهذا القطاع أن يمول التنمية إذا أُخضع للرقابة والشفافية، لكن ضعف الدولة وتعد&