
لم يعد قصف إسرائيل مطار أبو الظهور في شمال سوريا مجرد رسالة إلى دمشق أو محاولة لمنع تمركز تركي. فتبرير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وربطه بـ"الدرس المركزي من أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول"، يضع الضربة ضمن نقاش بشأن تحول مفهوم الأمن الإسرائيلي من ردع الخصم وانتظار الإنذار إلى منعه من بناء قدرة قد تتحول إلى تهديد قبل اكتمالها.
قامت العقيدة الإسرائيلية على الردع والإنذار والحسم، ثم أضيف الدفاع. لكن في فبراير/شباط 2023، اقترح مؤسس منظومة السايبر الوطنية إفيتار متانيا والعميد احتياط مناحيم باخراخ -في دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي (INSS)- إضافة "المنع الإستراتيجي" بوصفه "الرجل الخامسة": إزالة تهديد إستراتيجي قبل اكتماله فيجبر الخصم على إعادة بناء قدرته.
لم يصنع 7 أكتوبر/تشرين الأول الفكرة، لكنه نقلها من اقتراح نظري إلى قلب التفكير الأمني، ووثيقة معهد دراسات الأمن القومي لعامي 2025-2026 أضافت المنع إلى الركائز التقليدية، ودعت إلى سياسة مبادرة لإحباط كل تهديد ناشئ، لكنها تظل مقترحا بحثيا لا عقيدة حكومية ملزمة. وفي مركز دادو العسكري، ناقش العقيد احتياط رون تيرا -في 10 ديسمبر/كانون الأول 2025- إن كان المنع يجب أن يصبح عقيدة ثابتة، محذرا من أن تكلفته تفرض إبقاء الحرب الوقائية قرارا سياسيا لكل حالة.
كانت إيران الحقل الأوضح لهذا المنطق. فسنوات "المعركة بين الحروب" استهدفت إبطاء التموضع الإيراني ونقل السلاح النوعي، ثم انتقل المنع إلى ضرب القدرات الإيرانية نفسها. وبعد الهجمات على إيران، أعاد مركز دادو التابع لشعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي طرح السؤال: هل ينبغي إضافة "المنع" إلى الأركان التقليدية بعدما أظهرت الحرب أن انتظار التهديد حتى ينضج يرفع تكلفة مواجهته؟
إعلانوكتب المقدم إيتاي حيمينيس والنقيب احتياط غال بيرل -في مقدمة العدد 45 من مجلة "بين هقطافيم" (بين القطبين) التي يصدرها مركز دادو في 24 أغسطس/آب 2025- أن العملية ضد إيران أعادت تعريف "عقيدة بيغن"، وطرحت سؤال إضافة المنع إلى الردع والإنذار والحسم والدفاع. وبذلك انتقلت المسألة من تكتيك لضرب منشآت إلى نقاش بشأن موقع القوة الوقائية في مفهوم الأمن.
لكن المفارقة هي أن أبو الظهور يوسع المنطق خطوة أخرى، فإسرائيل لم تقل إن تركيا كانت تستعد لمهاجمتها، ونقلت قناة "كان 11" عبر مراسلها إيتاي بلومنتال أن إسرائيل أبلغت واشنطن بأن أنقرة تستعد لنشر رادار ثم دفاعات جوية يشغلها أتراك.
وفي القناة 13، قال ضابط رفيع إن الخشية هي أن تمس هذه المنظومات "حرية العمل" تمهيدا لهجوم ثالث محتمل على إيران.
نقل إيتامار آيخنر -في صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 22 أغسطس/آب- عن كاتس أن الجيش أوصى مرارا بالقصف بسبب "نيات تركيا" التي قد تهدد إسرائيل، وأن دمشق حُذرت قبل الموافقة. وبعد فشل الرسالة الدبلوماسية، استهدفت الغارات المدارج لمنع وصول المعدات والقوات جوا. وقال كاتس "سنتحرك ضد أي تهديد. هذا هو الدرس الأهم من أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول".
ويكتسب التعبير أهميته لأن الخطر لم يكن وشيكا. فالمصادر الإسرائيلية قالت إن موعد نشر الأنظمة التركية لم يكن محددا. هنا يقترب أبو الظهور من التعريف النظري للمنع أكثر من "الضربة الاستباقية": لا مهاجمة قوة تستعد للهجوم، بل تدمير قدرة يمكن أن تقيد إسرائيل مستقبلا.
ويضيف المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هاريل -في 23 أغسطس/آب- أن مبرر كاتس هو "استباق الأحداث والعمل عسكريا لإحباط التهديدات مسبقا"، لكنه يرى أن الحكومة تستخدم تعدد الجبهات لصناعة أجندة "حالة طوارئ أمنية مستمرة". وهنا يصبح الفصل بين التحول العقائدي والحساب الانتخابي جزءا من اختبار القرار.
مع ذلك، لا تزال المؤسسة الإسرائيلية حذرة من تحويل تركيا إلى إيران ثانية. وشدد تقرير "يديعوت أحرونوت" -في 20 أغسطس/آب- على أن أنقرة ما زالت "دولة منافسة وليست دولة معادية"، وإن كان هذا "نطاقا دقيقا يمكن أن يتغير في لحظة".
وذكر الباحث البارز في مركز دايان بجامعة تل أبيب ميخائيل ميلشتاين أن خطاب ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول يميل إلى تحويل تقديرات عليا إلى "حقائق" وتحديد أعداء جدد، محذرا من أن تصوير "محور سني" بقيادة تركيا أمر محسوم.
وتزداد أهمية التحذير مع اقتراب الانتخابات. وقد رصد المعلق والمحقق في "يديعوت أحرونوت" رونين بيرغمان -في 14 أغسطس/آب- موجة من "سيناريوهات الرعب" والتقارير الأمنية المجهولة، بعضها ثبت أنه زائف، وربط انتشارها بإمكانية خدمة صورة نتنياهو بوصفه الزعيم الذي لا يمكن تغييره في زمن التهديد.
الانقسام ظهر أيضا داخل المؤسسة الأمنية. وكشف المراسل العسكري للقناة 12 نير دفوري -في 22 أغسطس/آب- أن الجيش دفع إلى قصف أبو الظهور، لكنه أراد إبقاء العملية "تحت الرادار"، خشية أن تحول تصريحات نتنياهو وكاتس العملية إلى تصعيد غير ضروري، مع تقدير بأن إسرائيل قد تضطر إلى التحرك مجددا ضد محاولات تركية أخرى في سوريا.
أما الباحث في معهد دراسات الأمن القومي والمتخصص في العلاقات الإسرائيلية التركية رامي دانيال، فرأى في القناة 12 أن إسرائيل تجاوزت "مساحة الإنكار" التي كانت تساعد على ضبط التصعيد. وبرأيه، قد يكون كبح التموضع التركي ضروريا، لكن تضخيم الضربة سياسيا يرفع التكلفة، بينما أوجدت أنقرة لنفسها مساحة إنكار بتأكيد أن الهجوم استهدف سوريا لا تركيا.
إعلانمن الواضح أن الخطر المباشر يبقى في سوريا، حيث يعمل الجيشان في مجال متقارب. وحذر المبعوث الأمريكي توم براك من "خطر حقيقي" لتصعيد سريع إلى صراع مباشر، لذلك بدأت واشنطن إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
أما شرق المتوسط فيحمل مستوى ثانيا، فالسفن التركية تظهر في مناطق جديدة، والأسطولان يراقب كلاهما الآخر، مع حوادث اقتراب واستعراض قوة لم تتحول إلى اشتباكات.
ويلفت المعلق العسكري في "يديعوت أحرونوت" يوسي يهوشوع -في 21 أغسطس/آب- إلى أن تركيا تملك 14 غواصة و17 فرقاطة، مقابل 6 غواصات إسرائيلية وأسطول بحري أصغر، لكنه يضع ذلك داخل أزمة أوسع: الجيش الإسرائيلي مستنزف أمام إيران وحزب الله وحماس وسوريا واليمن، وهو ما يجعل إضافة جبهة تركية عبئا على بناء القوة.
قبرص هي السيناريو الأبعد، ورغم ذلك نقلت "معاريف" -في 22 أغسطس/آب- عن موقع يوناني سيناريوهات لضرب أهداف تركية في شمال قبرص إذا تصاعد الصراع، غير أنها أكدت عدم وجود دليل رسمي على قرار أو خطة إسرائيلية معتمدة. لذا لا يجوز تقديم قبرص بوصفها ساحة حرب مقبلة، بل بأنها مؤشر على اتساع خريطة المخاوف، خصوصا مع تعميق إسرائيل تعاونها العسكري مع اليونان وقبرص.
الهجوم الذي استهدف مطار أبو الظهور لا يعني أن إسرائيل هاجمت تركيا كما هاجمت إيران، لكنه يكشف تمدد "المنع الإستراتيجي" من ضرب عدو قائم إلى تعطيل قدرة منافس محتمل قبل اكتمالها تماما.
وسوريا هي ساحة الاحتكاك الأخطر، بينما يبقى شرق المتوسط قابلا للتصعيد، وقبرص سيناريو أقل ترجيحا، في ظل كوابح أمريكية وحاجة الطرفين إلى تجنب الحرب.
والاختبار الحقيقي للعقيدة الجديدة لدى الإسرائيليين هو: هل إستراتيجية المنع هذه ستقلل الحروب، أم أنها تحوّل كل قدرة ناشئة وكل منافس إقليمي إلى مبرر لحرب جديدة؟
aljazeera.net