إسلامويو السودان حاربوا المعرفة فسقطوا دينيًا وأخلاقيًا!
خالد أبوأحمد
حكم الإسلامويون السودان أكثر من ثلاثين عامًا، باسم المشروع الحضاري، وإنهم يعرفون الطريق الصحيح، لكن من يقول إنه يعرف كل شيء، يصبح خائفًا من كل من يكشف خطأه ومفارقته للحقيقة، فالباحث الذي يبحث بحرية قد يصل إلى نتيجة تخالفه، والرقم الصادق قد يفضح فشله، والصحفي الذي يسأل قد يحرجه، والجامعة التي تعلّم الطالب كيف يفكر قد تُخرِّج له من يناقشه، ولهذا لم يكن أمامهم إلا أن يعطّلوا هذا كله، لا لأنهم أغبياء، بل لأن بقاءهم كان يتوقف على ذلك وقد فعلوها، ودفع السودان الثمن خرابًا لم يتوقف إلى اليوم.
ولن أقول إنهم لم يبنوا مؤسسات، فهذا كلام يسقط عند أول مثال لقد بنوا جامعات، وأنشأوا مراكز دراسات، وأصدروا مجلات، وعقدوا مؤتمرات، وملأوا السوق بالمطبوعات، لكن العِبرة ليست بعدد المباني ولا بكمية الأوراق، وإنما بالوظيفة فالمؤسسة المعرفية الحقيقية لها مقياس واحد: هل تستطيع أن تُخرِّج من يخالفها؟ والجامعة التي لا يخرج منها من ينتقد الحزب الذي أنشأها ليست جامعة، بل مكان لتدريب الأتباع، والمركز البحثي الذي لا يصدر عنه رقم واحد يُحرج السُلطة ليس مركز بحث، بل مكتب علاقات عامة، ولهذا خرجت من تلك المؤسسات كوادر لا مُفكرون، وخُطباء لا دُعاة، وأوراق كثيرة لا يصلح منها اليوم شيء لأن يُقرأ.
والسؤال الذي أطرحه بسيط ومباشر: أين مُفكروهم؟ وأين الكُتب التي يعود إليها الناس؟ لا أقصد كتابًا يُذكر لأنه قديم، بل مرجعًا يبحث عنه طالب أو باحث اليوم لأنه يحتاجه فعلًا، وأين نتاج مراكز الدراسات التي أنفقت عليها الدولة من مال الناس؟ أكثر من ثلاثون عامًا من الحُكم الكامل، بالمال والإعلام والمطابع والجامعات فكانت النتيجة هباءا منثورا.
أدعو القارئ إلى امتحان بسيط قبل أن يواصل توقف لحظة، واسأل نفسك: هل تستطيع أن تذكر اسم مركز دراسات واحد أنشأوه في ثلاثين عامًا الماضية؟ أو دراسة واحدة صدرت عنه وغيّرت قرارًا أو فتحت نقاشًا؟ أو كتابًا واحدًا خرج من مطابعهم تعود إليه اليوم لأنك تحتاجه؟.
لا تلُم ذاكرتك إن لم تجد، فالذاكرة لا تنسى ما ينفعها، أنت تذكر جامعة الخرطوم وأساتذتها، وتذكر كتبًا أُلفت قبل أن يولد أكثرهم، وتذكر رجلًا مات قبل قرن اسمه عبد الرحمن الكواكبي، الذاكرة تعمل، لكنها لا تحفظ الفراغ.
وقارن هذا بمن لم يملك شيئًا من السلطة، المفكر مالك بن نبي لم تكن معه دولة ولا حزب ولا ميزانية، ومات عام 1973 محدود الحال ومع ذلك ما تزال كتبه تُقرأ وتُدرَّس وتُترجم بعد أكثر من خمسين عامًا، وعبد الرحمن الكواكبي مات عام 1902 مطاردًا فقيرًا في المنفى، ولم يملك سلطة ولا صحيفة رسمية، ومع ذلك ما زال كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) يُقرأ بعد أكثر من مئة عام، ويجد فيه كل جيل عربي وصفًا لحاله، رجل بلا سلطة بقي كتابه حيًا قرنًا كاملًا، وحركة أمسكت بدولة كاملة ولم تترك كتابًا واحدًا يُقرأ اليوم لقيمته وهذه المفارقة وحدها تكفي.
والكواكبي لم يكتب عنا من بعيد، بل وصف ما جرى عندنا قبل أن يقع بمئة عام فقد شرح أن المستبد لا يحارب العِلم كله، وإنما يفرّق بذكاء: يخاف العلوم التي تنبّه الناس إلى حقوقهم وتاريخهم وشؤون بلدهم، ويشجع العلوم الشكلية التي تشغل العقل ولا توقظه، لأن الشعب الجاهل أسهل قيادة، والعالم بحقه لا يُساق.
وهذا بالضبط ما فعله الإسلامويون في بلادنا: لم يغلقوا الجامعات بل ملأوا بها البلاد، ولم يمنعوا الطباعة بل أغرقوا السوق بالمطبوع، لكنهم عطّلوا شيئًا واحدًا هو أخطر ما في العقل البشري: السؤال.
فالسؤال هو أول ما يفعله الإنسان في هذه الدنيا، انظر إلى الطفل حين يبدأ الكلام، فأول ما ينطق به: لماذا؟ وكيف؟ ومن أين؟ وهو لا يفعل ذلك عبثًا، بل لأن العقل لا يتعلم إلا بهذه الطريقة، فالمعلومة التي تُلقى عليك تُنسى بعد أيام، أما المعلومة التي جاءتك جوابًا عن سؤال سألته أنت فتبقى، لأنك بحثت عنها بنفسك، ولهذا لم يقم علم واحد في تاريخ البشر إلا وأوله سؤال: لماذا سقطت التفاحة؟
فالتفاح كان يسقط منذ أن وُجدت الأرض، ورآه ملايين البشر قبل نيوتن ولم يتوقف عنده أحد، لأنهم اعتبروه أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى تفسير، أما هو فسأل: لماذا يسقط إلى أسفل ولا يصعد إلى أعلى؟ ومن هذا السؤال الصغير خرج قانون الجاذبية الذي فسّر حركة الكواكب والمدّ والجزر، وقامت عليه بعد قرون حسابات إطلاق الأقمار الصناعية والصواريخ. سؤال واحد عن ثمرة ساقطة غيّر فهم البشرية للكون كله.
والسؤال ليس أداة تعلّم فقط، بل هو أداة حماية فمن تعوّد أن يسأل لا يُخدع بسهولة، لأنه يسأل عن الدليل قبل أن يصدّق، ويسأل عن المصدر قبل أن ينقل، ويسأل عن النتيجة قبل أن يمشي وراء أحد، أما من تربّى على أن يتلقى ولا يسأل، فهو مستعد لأن يصدّق أي شيء، وأن يكره أي أحد، إن قيل له ذلك ممن يثق فيه. وهنا بالضبط تكمن خطورة السؤال على كل من يريد أن يُطاع بلا مناقشة.
ثم إن السؤال هو أصل المساءلة، وهما كلمتان من جذر واحد وليس ذلك مصادفة فالشعب الذي يسأل: أين ذهب المال؟ ومن قرر هذا؟ وعلى أي أساس؟ هو شعب لا يستطيع أحد أن يسرقه طويلًا، ولهذا فإن الحاكم الذي يخاف من المساءلة يبدأ من بعيد، فلا يمنع السؤال عن ماله ابتداءً، بل يجفف منابع السؤال كلها: في المدرسة، وفي الجامعة، وفي الصحيفة، وفي المسجد، حتى ينشأ جيل لا يعرف أصلًا أن من حقه أن يسأل. وحين يصل إلى هذه المرحلة يستريح تمامًا، لأنه لم يعد يواجه شعبًا، بل جمهورًا يصفّق.
وأخطر ما في الأمر أن الدين نفسه قام على السؤال، فالقرآن مملوء بالأسئلة: أفلا يتدبرون، أفلا تعقلون، أفلا ينظرون، وكان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في كل شأن، وقامت مذاهب الفقه كلها على أسئلة وأجوبة واختلاف، فمن جفّف السؤال باسم الدين، فقد خالف الدين في أول أصوله، وأبقى منه المظهر وأضاع منه المنهج.
قال الكواكبي كلامًا آخر يخصّهم أكثر: إن الحاكم الظالم يظل ضعيفًا حتى يجد من يعطيه غطاءً دينيًا، فيتحول من إنسان يُسأل عن أفعاله إلى شخص لا يجرؤ أحد على سؤاله، وهذا ما جرى حرفًا بحرف في تجربة عمر حسن احمد البشير، والآن الفريق عبدالفتاح البرهان، لأ أحد يسألهم عن قرارات اتخذوها ولا أموال نهبوها، ولا منطقة قتلوا أهلها، وهم مسلمون يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويرفعون قبضة أيادهم بالتكبير والتهليل.
ومن هنا نصل إلى ما في العنوان، أما السقوط الأخلاقي فليس عقابًا نزل عليهم من السماء، وإنما هو النتيجة الطبيعية لتعطيل المعرفة فمن يمنع النقد يفقد القدرة على رؤية نفسه، ومن لا يرى نفسه لا يستطيع تصحيح خطئه، فتحول الفساد عندهم من انحراف فردي إلى طريقة عمل، ولو بقيت صحافة تسأل، أو أرقام صادقة تُنشر، أو جامعة تراجع، لكان الخطأ يُكتشف مبكرًا ويُصحَّح، لكنهم كسروا المرآة أولًا، ثم استغربوا أنهم لم يعودوا يرون وجوههم.
وأما السقوط الديني فأعمق فالدين الذي جاءوا باسمه يقوم على محاسبة النفس، وعلى أن طلب العلم فريضة، وعلى أن الرأي يُردّ بالحجة، فلما حاربوا أدوات العلم ناقضوا ما قالوا إنهم يدافعون عنه، وصار الدين في أيديهم غطاءً لا مرجعًا، وأصدق دليل على ذلك أن من كان يُحسب فقيهًا تحوّل إلى شتّام يرمي مخالفيه بالتخوين والتكفير بل الاساءات الشخصية والتشبيه بالحيوانات، وهذا في نظري ليس سوء خُلق فردي فقط، بل دليل على غياب المعرفة من أساسها، فالفقيه الذي تربى في مدرسة تعرف الحجة يردّ بالحجة لأنه يملكها، أما من نشأ في تنظيم يعرف الولاء ولا يعرف الدليل، فلا يجد أمام الاختلاف إلا الشتيمة، لأنه لم يتعلم يومًا كيف يناقش رأيًا.
فلا عجب يا عزيزي القارئ إن رأيت الشتائم والألفاظ البذيئة تنهال على كل من ينتقدهم في مقال أو منشور، فالردّ يأتي دائمًا على صاحب الرأي لا على الرأي نفسه، وتجدهم يتهمونك بالعمالة لهذه الدولة أو تلك ولا تجد بينهم من يناقش فكرة واحدة مما كتبت.
قبل عام بالضبط نشرت مقالا انتشر انتشارا واسعا تجاوز الميديا السودانية إلى العالم الرحب وكان بعنوان (تأملات في مهنة -الاغتصاب- ووظيفة -المغتصب- التي ابتدعها حُكم الإسلامويون)، كانت كل مداخلات الاسلامويون تشائم وبذاءات واتهامات للكاتب بالعمالة للخارج، وهذا في ذاته اعتراف لا يحتاج إلى دليل آخر، لأن من يملك الحجة يقدّمها، ومن لا يملكها يرفع صوته، والشتيمة في النهاية ليست قوة، بل هي آخر ما يلجأ إليه من أفلس فكريًا.
وأترك ملاحظة أخيرة تستحق التأمل، ماذا بقي في وجدان الناس من 36 عامًا؟ لم تبقَ نظرية ولا مدرسة ولا منهج، بل بقيت القسمة: مركز وهامش، وقبيلة وجهة، وأهل ثقة وأهل خبرة، وأنا لا أقول إن انتشار الكراهية وحده دليل على غياب الفكر، فقد توجد أفكار كاملة قامت على العنصرية ولها من ينظّر لها. لكني أقول إن الفكر الذي لا يستطيع أن يكبح صاحبه ليس فكرًا بل زينة، والحصيلة التي أمامنا اليوم هي الشهادة الأخيرة: منظومة حكمت عقودا من الزمان فلم تترك للناس معرفة تنفعهم، ولا خُلقًا يحتذونه، ولا حتى ذكرى طيبة يترحمون عليها.
مساء الأحد 23 أغسطس 2026م
altaghyeer.info