
دعوة البرهان التي وحّدت المعارضة: كيف تحوّل “الحوار” إلى فخ ينقلب على صاحبه
خديجة الرفاعي
لم يكن عبد الفتاح البرهان يقصد، على الأرجح، حين أطلق دعوته الأخيرة للحوار، أن يمنح خصومه أعظم هدية سياسية قدّمها لهم منذ اندلاع الحرب. فالرجل الذي سعى، عبر سلسلة من الخطابات والمبادرات المتعاقبة، إلى تسويق نفسه كصمّام أمان للدولة وممثل شرعي لإرادة “الشعب” في مواجهة التمرد، وجد نفسه بدل ذلك أمام مشهد لم يحسب له حسابه: قوى مناهضة للحرب، متعددة المشارب والمواقع، تتحد في بيان واحد لرفض دعوته جملة وتفصيلاً، ووصفها بأنها “حوار تضليلي” لا يستهدف السلام بقدر ما يستهدف شرعنة الحكم العسكري القائم.
المفارقة هنا ليست في مضمون الرفض، فهذا متوقع من قوى راكمت عبر سنوات الحرب خبرة كافية بأساليب المناورة السياسية لمنظومة الحكم العسكري. المفارقة الحقيقية تكمن في الأثر غير المقصود الذي أحدثته الدعوة ذاتها: فبدل أن تُفرّق المعارضة أو تُدخلها في سجالات تكتيكية حول جدوى المشاركة من عدمها، كما جرت العادة في محطات سابقة، جاءت الدعوة لتُنتج توحيداً غير مسبوق في الموقف.
القوى المناهضة للحرب لم تكتفِ برفض الدعوة، بل بادرت إلى صياغة رؤية بديلة متكاملة: وثيقة موقف مشترك تطالب باستبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من أي مشاركة في مسار السلام أو الفترة الانتقالية، ودعوة صريحة لتوحيد المبادرات الدولية المتناثرة، الرباعية والخماسية والترويكا، في منبر تفاوضي واحد يقطع الطريق على تلاعب طرفي الحرب بتناقضات الوسطاء، إلى جانب طرح هيكلة جديدة لعملية السلام قائمة على ثلاثة مسارات متزامنة: إنساني، ووقف لإطلاق النار، وسياسي صريح يتصدى لجذور الأزمة السودانية لا لأعراضها فقط.
هذا التوحد، الذي بدا حتى وقت قريب بعيد المنال في ظل تشظي المشهد المعارض بين مكونات مدنية وعسكرية ومسارات إقليمية متنافسة، لم يكن نتاج جهد تنظيمي داخلي بقدر ما كان رد فعل قسري على استفزاز سياسي واضح المعالم. فالبرهان، بمحاولته احتكار خطاب “الحوار الوطني” وتقديم نفسه راعياً وحيداً له، كشف عن الغاية الحقيقية من وراء المبادرة: تثبيت شرعية الأمر الواقع العسكري لا معالجة جذور الانهيار السياسي والإنساني الذي تعيشه البلاد. وهذا الكشف بالذات هو ما دفع أطرافاً متباينة الحسابات إلى التقاء الرؤى، وهو ما يفتح الآن مساراً أكثر وضوحاً أمام التواصل الدولي مع المعارضة، بعدما كان هذا التواصل يصطدم تاريخياً بتشرذم الأصوات وتعدد المرجعيات.
في المقابل، لم يكن أقل المتضررين من هذا المشهد المؤتمر الوطني والتيار الإسلامي وحلفاؤهما الظاهرون والمستترون. فهؤلاء، الذين راهنوا طويلاً على البقاء في الظل يديرون الحرب من خلف واجهة “المؤسسة العسكرية”، وجدوا أنفسهم فجأة في قلب المعادلة، لا بفعل كشف استخباراتي أو تسريب سياسي، بل بفعل موقف موحّد صريح يضعهم صراحة خارج أي تصور لمستقبل التفاوض والانتقال. تقارب مواقفهم مع البرهان، الذي كان يُدار سابقاً بحذر وتكتم، بات الآن عبئاً سياسياً مكشوفاً يصعب التنصل منه، ويضعهم أمام عقبة مضاعفة: عقبة الشرعية الشعبية الغائبة أصلاً، وعقبة الإقصاء الصريح من أي هندسة مقبلة للمشهد السياسي.
ما يكشفه هذا التطور، في جوهره، هو حدود قدرة السلطة العسكرية على إدارة اللعبة السياسية حين تتخلى عن أدوات القسر لصالح أدوات الإقناع. فالبرهان الذي أجاد لسنوات توظيف منطق القوة والأمر الواقع، بدا في لحظة الحوار المفترضة عاجزاً عن قراءة المشهد السياسي بالقدر ذاته من الدهاء، فحوّل ما أراده مبادرة لتفتيت الخصوم إلى لحظة تأسيسية لتوحيدهم. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تُصرّ القوى المناهضة للحرب، في وثيقتها، على ربط أي حديث عن السلام بمعالجة جذور الأزمة لا بإعادة تدوير الأزمة نفسها بواجهة تفاوضية جديدة، إذ لا سلام حقيقياً في السودان بمعزل عن تفكيك البنية التي أنتجت الحرب، لا بإعادة إنتاجها بوجه أكثر قبولاً دولياً.
altaghyeer.info