سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

خنق إيران يصطدم بالصين.. معضلة ترمب الجديدة

خنق إيران يصطدم بالصين.. معضلة ترمب الجديدة

بعد نحو 6 أشهر من الحرب، تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وكأنها تعيد ترتيب أوراقها في مواجهة إيران، منتقلة من القصف والضغط العسكري إلى سلاح العقوبات الاقتصادية، في محاولة قد تكون الأخيرة لإجبار طهران على الاستسلام أو إحداث تغيير سياسي من داخلها.

لكن ما تسميه واشنطن "يوم الإنزال الاقتصادي" ضد إيران -في استلهام لعملية "إنزال نورماندي" العسكرية الشهيرة في الحرب العالمية الثانية عام 1944- لا يشبه ببساطة جولة جديدة من العقوبات، فهو محاولة لخنق شرايين الاقتصاد الإيراني في وقت أصبحت فيه تلك الشرايين مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بقوى كبرى مثل الصين والهند وتركيا، مما يضع واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد تتمثل في كيفية عزل إيران من دون أن تفتح جبهة اقتصادية جديدة مع بكين، أو تدفع الاقتصاد العالمي إلى أزمة أوسع؟

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

فالخيار الأمريكي الجديد يأتي بعد تعثر الرهان العسكري في تحقيق أهدافه الأساسية، وفق تحليل الكاتب ديفيد إي. سانغر في صحيفة نيويورك تايمز.

ومن جانبها، تكشف التقارير والمقالات التي نشرتها وسائل إعلام أخرى -مثل وكالة بلومبيرغ الأمريكية وصحيفتي التايمز والغارديان البريطانيتين- أن نجاح إستراتيجية الخنق الاقتصادي يتوقف قبل أي شيء آخر، على سؤال واحد هو: هل تستطيع الولايات المتحدة إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الذي تمر عبره معظم صادرات النفط الإيرانية إلى الصين من دون أن تضطر إلى مواجهة بكين نفسها؟

من الحسم العسكري إلى الخنق الاقتصادي

يصف ديفيد سانغر، في تحليله بصحيفة نيويورك تايمز، التحول الأمريكي بأنه محاولة جديدة لتلمس طريق للخروج من مغامرة عسكرية لم تحقق أهدافها.

فبدلا من المسار التقليدي الذي يبدأ بالدبلوماسية، ثم ينتقل إلى العقوبات، ويجعل العمل العسكري الخيار الأخير، قفز ترمب -حسب الكاتب- من جولة دبلوماسية قصيرة إلى الضربات العسكرية، أملا في دفع إيران إلى التخلي عن مخزونها النووي أو ربما إسقاط النظام.

إعلان

غير أن الحرب -وفق الرواية التي ينقلها سانغر في تحليله- لم تحقق أيا من الهدفين بصورة حاسمة، فقد قتل 18 أمريكيا وسقط مئات وربما آلاف القتلى الإيرانيين، بينما قدّرت تحليلات مستقلة كلفة العمليات العسكرية بأكثر من 100 مليار دولار، وهي تقديرات تفوق الأرقام التي تقدمها وزارة الحرب (البنتاغون).

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية ما وصفته إدارة ترمب بـ"عملية المنبوذ الاقتصادي" التي وصفها البيت الأبيض بأنها تهدف إلى "قطع كل شريان اقتصادي متبقٍّ يغذي الجمهورية الإسلامية".

ووفق سانغر، تشمل الخطة ملاحقة مجموعة واسعة من القنوات المالية التي يمكن أن تصل عبرها الأموال إلى طهران، من المعاملات الرقمية المتخفية، إلى عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، وصولا إلى حركة الذهب حول العالم.

وكان وزير الخزانة سكوت بيسنت أكثر وضوحا في وصف الغاية، إذ قال إن العملية تهدف إلى "انهيار كل خيار متبقٍّ أمام إيران"، بينما تحدث عن "هجوم اقتصادي" واسع على الروابط المالية الإيرانية.

على أن هذا الأمر يبرز التناقض الصارخ الذي أشار إليه ديفيد سانغر -في تحليله بصحيفة نيويورك تايمز وتقرير بلومبيرغ- إذ تراجعت إدارة ترمب عن الوعود الصريحة التي قطعتها قبل أشهر حول إسقاط النظام عبر دعوة الشعب الإيراني للانتفاض، بعدما أقر الرئيس الأمريكي بنفسه بأن الشارع الإيراني يفتقر للتنظيم والسلاح لترجمة هذا الرهان.

واستبدل بيسينت هذا الرهان بدعوة الجنود العاديين في الجيش الإيراني للتخلي عن قادتهم، متسائلا عن جدوى الذهاب للخراب ومذكرا إياهم بسقوط جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، عندما امتنع الجنود عن إطلاق النار على مواطنيهم، وهو الحدث التاريخي الذي أنهى انقسام المدينة ومهد الطريق لإعادة توحيد ألمانيا ونهاية الحرب الباردة.

بيد أن ديفيد سانغر وصف هذه المقارنة -في تحليله- بأنها غير دقيقة، نظرا لاختلاف الظروف الجيوسياسية والعسكرية الفاصلة بين الحالتين.

لكنّ السؤال الذي يطرحه الكاتب يبدو أكثر أهمية من الإعلان نفسه: لماذا لم تستخدم واشنطن هذه الأدوات الاقتصادية قبل اللجوء إلى الحرب؟ وإذا كانت العقوبات قادرة الآن على إحكام الخناق، فلماذا تحملت الولايات المتحدة كلفة العمل العسكري وخسائر الأرواح والذخائر والمال.

إقدام واشنطن على إدراج الشركات الصينية على القوائم السوداء في الوقت الراهن ينذر بإحداث شرخ في العلاقات الأمريكية الصينية قبل أسابيع قليلة من اللقاء المرتقب بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ

بواسطة وكالة بلومبيرغ

الصين.. الحلقة التي لا تستطيع واشنطن تجاهلها

تتفق التحليلات الشاملة، التي قدمتها وكالة بلومبيرغ وصحيفتا غارديان ونيويورك تايمز، على أن أي محاولة أمريكية لخنق الاقتصاد الإيراني ستبقى مجرد إعلان رمزي ما لم تجبر الصين على وقف مشترياتها الضخمة من النفط الخام، فالصين هي الشريان الأساسي الذي تستند عليه طهران لتفادي الانهيار المالي الكامل.

ويشير سانغر في هذا الصدد إلى أن الصين اشترت أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية في عام 2025، بينما تورد وكالة بلومبيرغ للأنباء تقديرا أعلى يصل إلى نحو 90%.

إعلان

وفي الحالتين، يتضح أنه من الصعوبة بمكان -حسب الوكالة- خنق الاقتصاد الإيراني دون استهداف الشركات الصينية.

وكان ترمب قد صرّح في وقت سابق بأن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات ثانوية على أي دولة أو شركة تشتري النفط الإيراني، إلا أنه لم ينفّذ تلك التهديدات قط.

وهذه هي المفارقة الأساسية في إستراتيجية ترمب الجديدة، فالعقوبات الأمريكية تستهدف إيران، لكن تطبيقها الكامل قد يقتضي معاقبة شركات وبنوك صينية تواصل شراء النفط الإيراني أو تسهيل وصول الأموال إلى طهران.

وتمثل هذه الخطوة تحولا من التهديد بتصعيد عسكري إضافي نحو تركيز متجدد على الضغط الاقتصادي، وفقا لبلومبيرغ التي تضيف أن أي حملة تستثني الصين من المستبعد أن يكون لها تأثير ملموس على إيران.

غير أن التركيز على الشركات الصينية قد يثير ردودا انتقامية، "وهو ما قد يجلب مزيدا من الألم للاقتصاد العالمي"، ويرجع ذلك جزئيا -حسب رأي الوكالة- إلى أن إدراج الشركات الصينية على القوائم السوداء ينطوي على مخاطرة فتح مواجهة اقتصادية جديدة مع بكين.

كما أن إقدام واشنطن على هذه الخطوة في الوقت الراهن من شأنه أن يحدث شرخا في العلاقات الأمريكية الصينية قبل أسابيع قليلة من اللقاء المرتقب بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ في سبتمبر/أيلول المقبل.

النفط الإيراني.. شريان يتقلص لكنه لم ينقطع

وعند سؤاله مباشرة، يوم الاثنين، عن فرض تدابير اقتصادية جديدة على الصين، صرّح بيسينت قائلا إنه "لا أحد فوق متناول العقوبات الأمريكية"، لكنه فضل ممارسة "الدبلوماسية الهادئة"، رافضا تسمية شركات أو مؤسسات بعينها.

وتعتبر بلومبيرغ أن هذا التجاهل العلني للصين قد يكون مفهوما من الناحية التكتيكية قبل القمة المرتقبة بين ترمب وشي، لكنه يحمل مخاطر إستراتيجية.

وفي تقريرها، أفادت غارديان بأن البيانات الصادرة عن شركة كبلر لتتبع حركة السفن أظهرت أن تدفقات النفط الإيراني نحو الصين بلغت نحو مليون ونصف مليون برميل يوميا في شهري فبراير/شباط ومارس/آذار، قبل أن تنخفض بالتزامن مع تجديد الحصار البحري الأمريكي للسيادة والموانئ، لتصل إلى نحو 785 ألف برميل في يونيو/حزيران، ثم ارتفعت قليلا في يوليو/تموز، لتستقر في منتصف أغسطس/آب عند حدود 534 ألف برميل يوميا.

وتوضح غارديان أن عملية الشراء لا تتم عبر الشركات الحكومية الصينية الكبرى التي تتجنب التعامل مع إيران خشية عقوبات واشنطن، بل عبر المصافي المستقلة المعروفة باسم "مصافي الإبريق".

هذه المصافي -تقول غارديان- تعتمد على شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة للغاية وتتلاعب بوثائق شحن النفط لتبدو وكأنها شحنات قادمة من ماليزيا أو إندونيسيا، بينما تسوى المعاملات باليوان الصيني وعبر شبكات صرافة معقدة لا تمر إطلاقا بنظام الدولار الأمريكي.

وهنا تتجلى معضلة واشنطن الإستراتيجية، فقد نقلت نيويورك تايمز عن بيتر هاريل، الباحث في كلية القانون بجامعة جورجتاون، أن ترمب كان أمام خيارين: إما الضغط بشدة على الصين بسبب تجارتها مع إيران، أو فرض حصار بحري على ناقلات النفط الإيرانية.

واختارت الإدارة الأمريكية الخيار الثاني لأنه -حسب هاريل- كان "أسهل سياسيا" من مواجهة الشركات الصينية الكبرى.

وبدوره، أشار كرايغ سينغلتون الباحث بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات -في تقرير بلومبيرغ- إلى أن وزير الخزانة بيسينت "تهرّب إلى حد كبير من الأسئلة المتعلقة بالصين".

وأضاف الوزير قائلا إن ذلك "قد يكون منطقيا من الناحية التكتيكية قبيل قمة الشهر المقبل (بين ترمب وشي)، لكنه ينطوي من الناحية الإستراتيجية على خطر ترسيخ قناعة بكين بأن واشنطن مترددة في فرض تكاليف حقيقية على الكيانات الصينية الكبرى".

وعلى الجانب الآخر، كان رد الفعل الصيني حازما ومباشرا، حيث صرّح المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان -وفق ما أوردته بلومبيرغ وغارديان- بأن سياسات الضغط والعقوبات الأحادية لن تسهم في حل المشكلات، بل ستؤدي إلى تصعيد لا يخدم مصلحة أي طرف.

إعلان

وحذّر مايكل سوبوليك، الباحث في معهد هدسون لوكالة بلومبيرغ، من أن إقدام واشنطن على استهداف البنوك الصينية الكبرى سيعتبر في بكين خرقا صريحا للهدنة التجارية، مما قد يدفع الصين للرد بأسلحة اقتصادية مؤلمة للغاية، مثل فرض قيود على تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات العسكرية والتكنولوجية الأمريكية أو تقييد الصادرات الدوائية الحيوية.

قليباف حذر من خطورة العقوبات على معيشة السكان قبل أن يتراجع ويؤكد أن أمريكا عاجزة عن فرض شروطها (الفرنسية)

تداعيات الحصار على أمريكا وإيران

لم تتوقف تداعيات خيار الحصار الاقتصادي الجديد عند حدود التوتر الأمريكي الصيني، بل امتدت لتوجد حالة من الإرباك والضغط الداخلي لدى الإدارة الأمريكية وفي أروقة طهران والأسواق العالمية.

فعلى الصعيد الاقتصادي والمالي الإيراني، أشارت صحيفة تايمز البريطانية إلى أن الإعلان الأمريكي أدى إلى تهاوي سعر صرف الريال الإيراني في السوق الموازية، ليصل إلى نحو 2.02 مليون ريال مقابل الدولار، مقارنة بنحو 1.28 مليون في بداية الحرب في فبراير/شباط..

ومع هذا التراجع الحاد، قلل وزير الاقتصاد الإيراني سيد علي مدني زاده من خطورة الإجراءات الأمريكية، حيث نقلت عنه تايمز القول إن حكومته أعدت خطة استباقية لمواجهة الأحداث تمتد لعامين، مؤكدا أن الشركاء الدوليين وفي مقدمتهم الصين وروسيا يرفضون الإملاءات والإجراءات الأمريكية.

غير أن المعركة الموازية داخل طهران أخذت بُعدا سياسيا محتدما، ونقلت تايمز تصريحات لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يحذر فيها من خطورة الجوع والضغوط المعيشية بقوله إن البلاد مهما بلغت قوتها العسكرية لن تتمكن من الصمود إذا جاع شعبها.

هذه التصريحات القوية جلبت عليه هجوما حادا من التيار المتشدد في إيران الذي اتهمه بإطلاق "رسائل ضعف" للخصوم، مما اضطر قاليباف لنشر توضيح لاحق يؤكد فيه أن أمريكا عاجزة عن فرض شروطها، وأن الشركاء التجاريين لطهران أكدوا عدم اكتفائهم بتهديدات بيسينت.

 سياسة الخنق الاقتصادي لن تزيد المشهد الدولي إلا تعقيدا واستقطابا، ليبقى السؤال قائما وهو: هل يملك الدولار الأمريكي القدرة على حسم المعارك التي عجزت عن حسمها حاملات الطائرات والقاذفات الإستراتيجية؟

وفي المقابل، يشهد الداخل الأمريكي انقساما شعبيا وسياسيا يتجاذب إدارة ترمب، فقد كشف استطلاع حديث أجرته مؤسسة إيبسوس لصالح وكالة رويترز ونشرته تايمز، عن هبوط نسبة المؤيدين للعمليات العسكرية ضد إيران إلى أدنى مستوياتها لتصل إلى 31% فقط، مقارنة بانخفاض من 34% في وقت سابق من أغسطس/آب و37% في مارس/آذار.

وشمل هذا التراجع أنصار الحزب الجمهوري أنفسهم، حيث انخفضت نسبة التأييد بينهم إلى 69%، بينما تهاوت نسبة الرضا العام عن أداء الرئيس ترمب إلى 33% فقط، وهو أدنى مستوى مسجل له في فترتيه الرئاسيتين الأولى والثانية، وفق ما أوردته تايمز.

وفي هذا السياق الشامل، قدم ولي نصر -الأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز والأكاديمي والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية- خلاصة مكثفة للموقف في تصريح لبلومبيرغ، أكد فيه أن توسيع نطاق العقوبات الثانوية ليشمل الشركات والأطراف الخارجية التي تتعامل مع طهران لن يقتصر على الصين، بل سيمتد ليربك اقتصاد دول متعددة، مثل الهند وتركيا ودول الخليج.

وأوضح نصر أن واشنطن بهذه الخطوات إنما تقوم في الأساس "بنقل الحرب وتوسيع نطاقها من منطقة الخليج لتتحول إلى مواجهة بينها وبين أطراف وقوى عالمية متعددة على مستوى العالم".

والخلاصة التي يستنتجها المرء من هذه القراءات الإستراتيجية الأمريكية الجديدة عالقة بين الخوف من الفشل في إخضاع طهر&