سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

رهيد البردي.. مستشفى مغلق ووفيات نساء حوامل في طريق الإحالة

رهيد البردي: 24 اغسطس 2026: راديو دبنقا

تقرير: عبد المنعم مادبو

لم تكن رحلة ثلاث نساء من محلية رهيد البردي بجنوب دارفور إلى مدينة نيالا مجرد رحلة علاج عادية، بل تحولت إلى سباق مع الزمن انتهى بالوفاة، بعد تعرضهن لعُسر في الولادة واضطرار أسرهن إلى نقلهن الى نيالا، في ظل توقف الخدمات الطبية بمستشفى المحلية، الذي خرج عن العمل بصورة شبه كاملة لأكثر من أسبوعين عقب مغادرة طبيبه الوحيد.
وبحسب إفادة ممثل مجلس إدارة المستشفى، فإن النساء الثلاث توفين أثناء رحلة الإحالة إلى نيالا، في ظروف ارتبطت بصعوبة التعامل مع حالات الولادة المتعسرة داخل المحلية وغياب الخدمات الطبية المتخصصة بعد توقف المستشفى، إضافة إلى وعورة الطرق وطول المسافة خلال موسم الخريف.
هذه الوفيات تكشف جانباً من الأزمة الصحية التي يعيشها سكان رهيد البردي، حيث أصبح المرضى الذين يحتاجون إلى تدخل طبي عاجل مضطرين إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدينة نيالا، في وقت يعاني فيه المستشفى الحكومي الرئيسي بالمحلية من نقص حاد في الكوادر والأدوية والمستهلكات والمعدات لدرجة انه توقف بالكامل عن العمل.
ويواجه سكان المحلية أزمة صحية متفاقمة مع خروج المستشفى عن تقديم الخدمات العلاجية الأساسية، بالتزامن مع موسم الخريف وانتشار الأمراض الموسمية وصعوبة حركة المرضى وعربات الإسعاف على الطرق.
ففي الوقت الذي تناشد فيه غرفة الاستجابة الإنسانية بمحلية رهيد البردي المنظمات والجهات الحكومية والمانحين التدخل العاجل، أطلق المجتمع المحلي مبادرة لجمع التبرعات وتأسيس صندوق لدعم المستشفى، في محاولة لإعادة تشغيله وتوفير بيئة جاذبة للكوادر الطبية.

وفيات بسبب عُسر الولادة

قال عبد العزيز إبراهيم آدم بروش، ممثل مجلس إدارة مستشفى رهيد البردي، إن مستشفى المحلية خرج عن العمل تماماً منذ أكثر من أسبوعين بسبب مغادرة الطبيب الوحيد الذي كان يعمل فيه. وأوضح أن مغادرة الطبيب أدت إلى توقف الخدمات العلاجية بالمستشفى، بينما بات المرضى الذين يقصدون المرفق يجدون أنفسهم أمام رحلة للبحث عن بدائل محدودة داخل المحلية أو اللجوء إلى الإحالة خارجها.
وقال بروش لراديو دبنقا إن توقف المستشفى انعكس بصورة خطيرة على الحالات التي تحتاج إلى تدخل طبي عاجل، وفي مقدمتها النساء اللاتي يواجهن مضاعفات أثناء الولادة، مشيراً إلى وفاة أكثر من ثلاث نساء من محلية رهيد البردي خلال الفترة الماضية بعد تعرضهن لعُسر الولادة وتحويلهن إلى مدينة نيالا.

رحلة لا تحتمل التأخير

وبحسب إفادة ممثل مجلس إدارة المستشفى، فإن إحدى الحالات كانت لامرأة جرى تحويلها من مركز جماع بمدينة رهيد البردي بعد تعرضها لعُسر في الولادة، لكنها توفيت قبل الوصول إلى نيالا.
أما الحالتان الأخريان، فتم تحويلهما بواسطة قابلات من أحياء المدينة بعد تعرضهما أيضاً لمضاعفات مرتبطة بالولادة، لكنهما توفيتا خلال الطريق.
وتسلط هذه الحالات الضوء على خطورة غياب خدمات النساء والتوليد والطوارئ في المحلية، إذ إن حالات الولادة المتعسرة تحتاج في كثير من الأحيان إلى تدخل طبي سريع، وقد تتطلب عمليات قيصرية أو خدمات نقل دم ورعاية طارئة لا تتوفر حالياً داخل رهيد البردي.
وتزداد المخاطر خلال موسم الخريف، مع وعورة الطرق وصعوبة التنقل، ما يجعل رحلة الإحالة إلى نيالا طويلة وشاقة، خصوصاً بالنسبة للنساء في حالات الولادة الطارئة.
وتشير هذه الوفيات إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بوصول المرضى إلى المستشفى، وإنما بقدرة النظام الصحي المحلي على توفير التدخل المناسب في الوقت المناسب، قبل أن يصبح نقل المريض لمسافات طويلة الخيار الوحيد المتاح.

نقص في الأدوية وكامل المعدات

وأضاف بروش أن المستشفى يفتقر إلى الكادر الطبي اللازم لتشغيل أقسامه، إلى جانب النقص في الأدوية والمستهلكات والمعدات. وأوضح أن المرضى باتوا يعتمدون، في بعض الحالات، على المساعدين الطبيين أو الخدمات المحدودة المتاحة خارج المستشفى، بينما يتم تحويل الحالات الأكثر تعقيداً إلى نيالا. وأكد أن استمرار الوضع الحالي يضع سكان المحلية أمام مخاطر كبيرة، خصوصاً النساء والأطفال ومرضى الطوارئ والحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل.

فيما أكد المدير التنفيذي لمحلية رهيد البردي احمد محمد الفحل إن السلطات المحلية تبذل جهوداً متواصلة لإيجاد طبيب مؤهل وإعادة تشغيل المستشفى، وقال إن مغادرة الطبيب جاءت في ظل أزمة أوسع تعاني منها المؤسسات الصحية في الولاية، تشمل نقصاً حاداً في الأطباء وتوقف أو ضعف المرتبات، إلى جانب استقطاب المنظمات العاملة في المجال الإنساني للكوادر الطبية بعقود ورواتب أعلى وظروف عمل أفضل.

وذكر الفحل لراديو دبنقا أن المستشفى يمثل مرفقاً صحياً رئيسياً في غرب ولاية جنوب دارفور، ويغطي احتياجات سكان محلية رهيد البردي ووحداتها الإدارية، إلى جانب استقبال مرضى من محليات ومناطق مجاورة، من بينها كبم وأم دافوق والمناطق القريبة من الحدود.
وأضاف أن المستشفى ظل يؤدي دوراً مهماً في تقديم الخدمات الجراحية، بما في ذلك العمليات القيصرية والعمليات الجراحية الصغرى، فضلاً عن استقبال المصابين والجرحى خلال الأحداث والاشتباكات التي شهدتها بعض المناطق المجاورة.

مساعي لإنقاذ المستشفى

لمواجهة هذا الوضع قال المدير التنفيذي للمحلية احمد محمد الفحل إن منظمة أطباء بلا حدود سبق أن قدمت دعماً للمستشفى شمل صيانة غرفة العمليات، وتوفير نظام للطاقة الشمسية وتحسين خدمات المياه والكهرباء، لكنه أوضح أن تدخلات المنظمات غالباً ما تكون مرتبطة بحالات الطوارئ ولفترات محددة لا تتعدي الثلاثة اشهر على اقصى تقدير.

وذكر الفحل لراديو دبنقا أن اجتماعاً مجتمعياً عقد في رهيد البردي ناقش إمكانية مساهمة سكان المدينة في دعم المستشفى وتحسين بيئة العمل وتوفير احتياجات الطبيب، بهدف جعل المحلية أكثر جاذبية للكوادر الطبية، في حين ما زالت جهود حكومة المحلية مستمرة مع وزارة الصحة والسلطات الولائية والمنظمات العاملة في المجال الصحي للعثور على طبيب وإعادة الخدمات إلى المستشفى في أسرع وقت ممكن.

وقال إن استمرار توقف المستشفى يمثل تحدياً كبيراً، بالنظر إلى الرقعة الجغرافية الواسعة التي يخدمها وحاجة السكان، بمن فيهم المرضى القادمون من المناطق والمحليات المجاورة، إلى خدماته الطبية والجراحية.

في الاثناء أطلقت غرفة الاستجابة الإنسانية بالمحلية مناشدة عاجلة لجميع الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة وأبناء المنطقة، للتدخل من أجل دعم المستشفى.

وقالت الغرفة ــ عقب اجتماع مع مجلس إدارة المستشفى لمناقشة التحديات والاحتياجات العاجلة ــ إن المرفق يعاني نقصاً حاداً في الكوادر الطبية والصحية، إلى جانب نقص الأدوية والمستهلكات والمعدات والأجهزة الضرورية. وطالبت بتوفير كوادر طبية وصحية في مختلف التخصصات، وتأمين الأدوية والمستهلكات الطبية الأساسية، إلى جانب الأجهزة والمعدات اللازمة لتشغيل الأقسام، خصوصاً الطوارئ والعمليات والنساء والولادة والأطفال والمعمل.

عرض راتب خمسة ملايين جنيه للعثور على طبيب

أثناء وجوده بمدينة نيالا أجرى المدير التنفيذي للمحلية عدة محاولات لايجاد طبيب للمستشفى واوضح انه ألتقى بالمسئولين بوزارة الصحة في الولاية، وبحث معهم إمكانية توفير طبيب للمستشفى، إلا أن الوزارة أبلغته بمعاناتها من نقص حاد في الكوادر الطبية.

وقال إن المحلية عرضت راتباً شهرياً قدره 5 ملايين جنيه للطبيب الذي يوافق على العمل في مستشفى رهيد البردي، كما جرى التواصل مع عدد من الأطباء، بمن فيهم أبناء المنطقة العاملون في مدينة نيالا، لكن معظمهم اعتذروا بسبب ارتباطاتهم المهنية أو الشخصية. وأضاف أن بعض الأطباء أبدوا استعداداً للعمل في المحلية مستقبلاً، إلا أنه لم يتم حتى الآن التوصل إلى اتفاق مع طبيب يمكنه الانتقال بصورة عاجلة.

وأكد أن المحلية لا تبحث عن أي طبيب فحسب، وإنما عن طبيب يمتلك الخبرة والتدريب اللازمين للتعامل مع طبيعة الخدمات التي يقدمها المستشفى، خصوصاً العمليات القيصرية والجراحية الطارئة، نظراً لكونه يستقبل حالات من مناطق ريفية واسعة.

تحرك مجتمعي لإنقاذ المرفق

بمحازاة التحرك الحكومي لم يقف المجتمع المحلي متفرجا على الأزمة التي تعنيه بصورة أساسية، فقد أطلق مبادرة لتأسيس صندوق دعم المستشفى، بهدف استقطاب الدعم الشعبي والرسمي والمساهمة في توفير بيئة عمل تساعد على استقطاب الكوادر الصحية والاحتفاظ بها.

وبموجب أمر صادر عن المدير التنفيذي للمحلية اطلع عليه راديو دبنقا، تم تشكيل لجنة مالية تضم ممثلين للمجتمع المحلي والإدارة الأهلية والمؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية والغرفة التجارية والإعلام واللجان الشعبية.

على ان تتولى اللجنة التنسيق مع رؤساء الأحياء والمؤسسات الحكومية والإدارة الأهلية وأعيان والخيرين لاستقطاب التبرعات، إلى جانب التنسيق مع مجلس إدارة المستشفى لتهيئة بيئة العمل للعاملين. وضمن خطة التمويل الشعبي، قرر المجتمع المحلي تحصيل مبلغ (1,000) جنيه شهرياً من كل منزل داخل أحياء مدينة رهيد البردي. ويعكس هذا التحرك محاولة للاستفادة من الموارد المجتمعية في ظل ضعف التمويل المتاح للخدمات الصحية، بالتوازي مع البحث عن دعم حكومي ومنظمات إنسانية وأبناء المنطقة في الداخل والخارج.

وفي أحدث التحركات، يقول الاستاذ أحمد عوض، مقرر اللجنة المجتمعية لدعم المستشفى، إن جهوداً متسارعة تبذل لإعادة الخدمات بصورة تدريجية. وأوضح أنه جرى، عقب اجتماع مع المدير التنفيذي للمحلية، تكليف المساعد الطبي موسى علي التجاني مديراً طبياً للمستشفى بصورة مؤقتة إلى حين وصول طبيب من الولاية. كما تقرر أن يباشر فني المعمل محمد نور عمله، رغم استمرار النقص في بعض الاحتياجات الأساسية، وعلى رأسها المحاليل الطبية.

وأضاف عوض لراديو دبنقا أن أدوية طوارئ مرسلة من الولاية كانت في طريقها إلى المحلية، في خطوة قد تسهم في استئناف بعض الخدمات العاجلة. وفي الوقت نفسه، قال ممثل مجلس إدارة المستشفى عبد العزيز بروش إن المدير التنفيذي للمحلية موجوداً الآن في مدينة نيالا للبحث عن طبيب يمكن استقدامه إلى رهيد البردي.

أزمة تتجاوز غياب الطبيب

تكشف أزمة مستشفى رهيد البردي عن مشكلة اكبر من مغادرة الطبيب الوحيد، تتعلق بضعف قدرة المرافق الصحية الطرفية على استقطاب الكوادر الطبية والاحتفاظ بها، ونقص التمويل والمعدات والأدوية والحوافز. وقد تساعد المبادرات الشعبية في توفير بعض الاحتياجات العاجلة، لكنها لا تبدو كافية وحدها لضمان استدامة الخدمة الصحية، خصوصاً في مرفق يخدم سكان المحلية ومحليات الجوار. في حين تجعل وفيات النساء الثلاث أثناء رحلة الإحالة، بعد تعرضهن لعُسر الولادة، الأزمة أكثر إلحاحاً؛ فكل تأخير في التعامل مع حالة ولادة متعسرة قد يحول المسافة بين رهيد البردي ونيالا من رحلة علاج إلى رحلة لا تصل فيها المريضة إلى وجهتها.

dabangasudan.org