
✒️كتب: عثمان سر الختم الشايقي
تحركت الإمارات في أعقاب اندلاع الثورة السودانية عام ٢٠١٩ بالتوازي مع المملكة العربية السعودية، سعياً لصياغة إطار توافقي يحفظ مؤسسات الدولة ويحول دون الانزلاق نحو صراع مفتوح. قام هذا التصور على مبدأين (تمكين انتقال مدني ديمقراطي، والحفاظ على القوات المسلحة السودانية كمؤسسة قادرة على ضبط الاستقرار وإنفاذ القانون، مع تقليص تدريجي لدور القوة العسكرية في إدارة الشأن العام).
لم يمتد هذا النهج التوافقي طويلاً، فقد استعجلت أبوظبي قراءة موازين القوى الداخلية، ورأت في قوات الدعم السريع الطرف الأقدر على فرض واقع سريع يخدم مصالحها، فانتقلت من موقع الراعي للتوافق إلى داعم فعلي لأحد أطرافه، متجاوزة بذلك التفاهمات الإقليمية والدولية القائمة.
خالفت النتائج الميدانية هذا الرهان، حيث صمد الجيش السوداني، وتمكّن من كسر العزلة السياسية المفروضة عليه، بل واستعاد زمام المبادرة ودفع قوات الدعم السريع بعيداً عن مناطق استراتيجية، وعلى رأسها الممرات المائية.
وجدت الإمارات نفسها، أمام التزامات تتجاوز حساباتها الأولية دعم اقتصادات عدد من الدول المجاورة للسودان، وتمويل شبكات من المرتزقة والمدربين الأجانب وغرف العمليات. مليشيات تحمل سيكولوجية مرعبة تقتات على التدمير وسفك الدماء والغيلة في القتل والإغتصاب لا تقبل النظام وتكره الإنضباط.
وهنا يكمن جوهر الإشكال، في الفجوة بين الصورة التي بنتها الإمارات لنفسها كقوة ناعمة عبر عقود، وبين الانتهاكات الموثقة المرتبطة بقوات الدعم السريع في الميدان. هذا التماهي – سواء كان مقصوداً أو مفروضاً بحكم الظرف – كلّف أبوظبي رصيداً من مصداقيتها الإقليمية والدولية، وأربك مشروعها الأوسع للتموضع في أفريقيا.
مما جعل الإمارات أمام ثلاثة مسارات، اما فرض تسوية سياسية بشخصيات تضمن ولائهم التام وتحفظ حداً أدنى من نفوذها ومصالحها.
أو الاستمرار في دعم طرف عسكري ثبت إجرامه على مرأى من المجتمع الدولي، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية متصاعدة. أو الانسحاب التدريجي، وما يترتب عليه من خسارة نفوذ راكمته عبر سنوات.
لعل الرقصة الأخيرة هي عودة الإمارات للحل الذي انتهجته بعد سقوط البشير لاستقطاب السعودية مجدداً معها في حل توافقي لأن غضب الدولة الكبيرة المجاورة لها بما تملكه من حضور سياسي واقتصادي وألة إعلامية ضخمة؛ سيعقد كل مساعي الإمارات، في الوقت الذي تقف مصر وتركيا وباكستان وقطر كذلك بشكل قوي إلى جانب الجيش السوداني.
Bajnews.net