علي عسيلات.. رحيل النوارس
حسب الرسول العوض إبراهيم
في الخامس والعشرين من أغسطس 2026 نعى الناعي رحيل واحد من أقوى رجالات الحركة الوطنية وأنبل أبناء المجتمع السوداني وأعظم حراس المبادئ والقيم انه علي الحاج محمد ديه، المعروف (علي عسيلات).
ما أصعب أن تكتب عن رجل كانت الكلمات أقل من قامته وما أقسى أن ترثي إنساناً كان في حياته ملاذاً للناس وصوتاً للحق وجسراً يصل المختلفين، وذاكرة تحفظ تاريخ أهله ووطنه.
(علي عسيلات) اسم أطلقه عليه رفاقه في الحزب الشيوعي السوداني نسبة إلى مسقط راسه ومنطقته العسيلات ثم تحول الاسم مع الأيام إلى علامة يعرفها الناس ويعتزون بها. فأينما ذكرت العسيلات قفز اسم علي عسيلات إلى الذاكرة وأينما دار حديث عن النضال والوطن والمواقف كان الرجل حاضراً بسيرته ومواقفه.
تدرج علي عسيلات في صفوف الحزب الشيوعي وهو النقابي العمالي حتى أصبح عضواً في اللجنة المركزية، لكنه لم يكن مجرد رجل تنظيم أو صاحب موقع سياسي، كان صاحب قضية ومناضلاً آمن بأن الوطن أكبر من الأحزاب وأن المبادئ لا تتجزأ وأن الحرية لا تقبل المساومة.
كان فارساً بكل ما تحمل الكلمة من معنى. قاوم الاستبداد بكل أشكاله، ولم يهادن الديكتاتوريات منذ عهد الفريق عبود مروراً بكل الأنظمة الشمولية التي تعاقبت على السودان وحتى انقلاب البرهان الأخير. ودخل معتقلات الأنظمة الاستبدادية وتنقل بين سجونها ومعتقلاتها من شرق البلاد إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها وقد تحدث عن جسارته كل من رافقه في الزنازين ولم يكن السجن بالنسبة له إلا محطة أخرى في طريق طويل من النضال.
لم يكن المرض ولا الحوادث ولا تقدم العمر قادراً على إطفاء جذوة الرجل. وحتى بعد أن بُترت رجله ظل واقفاً على قدميه من الناحية التي لا تبتر أبداً موقفه ومبدؤه وإيمانه بالسودان.
وحين قال بعد بتر ساقه (والله لو فضل لي إصبع واحد سأظل في خدمة السودان والأهل) لم تكن تلك مجرد كلمات عابرة وإنما كانت تختصر سيرة رجل عاش حياته كلها وفياً لما آمن به.
كان علي عسيلات ينثر الوعي أينما حل، في الطريق وفي المجالس وفي القروبات وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي. كان حاضر البديهة زرب اللسان حلو المنطق قوي الحجة، واسع الصدر يعرف كيف يختلف دون أن يخاصم، وكيف يناقش دون أن يجرح وكيف ينتصر للفكرة دون أن ينتقص من صاحبها.
أما في الجانب الاجتماعي فقد كان الرمانة التي تمسك بخيوط المجتمع تجمع ولا تفرق، وتطفئ نيران الخلاف قبل أن تستفحل. كان ينبذ العنصرية والجهوية، وينظر إلى الأمور ببصيرة لا بردود الأفعال. وكان يستوعب طيش الآخرين وانفعالاتهم وأهواءهم، ولا يسمح للخلاف أن يتحول إلى قطيعة أو خصومة دائمة.
وسط أهله في العسيلات ورفاعة الكبرى كان حافظاً للتاريخ معتزاً بالموروث، مدافعاً عن الحق راداً للظلم لا يقبل الضيم، لكنه في الوقت نفسه لم يكن أسير القبيلة أو محيطها الضيق كان يرى في الانتماء جسراً لخدمة الناس لا سوراً لعزلهم عن الآخرين.
وكان كريماً إلى حد يصعب معه وصف كرمه. جباراً للخواطر لا يخشى الفقر ولا يحسب حساب العطاء حين يرى إنساناً في حاجة.
ولعل قصة دخوله العمل التجاري بعد أن فصلته سلطة الإنقاذ من عمله تكشف جانباً عميقاً من شخصيته. فقد دخل التجارة مع أحد شركائه، لكنه لم يلبث أن بدأ يخسر بسبب عطائه غير المحسوب لكل طالب حاجة. فقال له شريكه يوماً : يا راجل إنت ما عندك أولاد؟ فرد عليه علي بما يشبه الاعتراف الساخر بطبيعته ، إنت ما عارف إني لا أصلح للتجارة؟ ولو ما الشقاوة الدخلني التجارة شنو؟
كان المال عنده وسيلة والإنسان غاية.
وفي كل أشكال الخلاف كان حادي ركب الحل والعقد. كم من فتنة أطفأ لهيبها وكم من خصومة سعى لإنهائها وكم من دية قام في دفعها وكم من خاطر جبره، وكم من مظلوم وقف إلى جانبه.
كان يستطيع أن يكون شديداً في الحق، لكنه لم يكن قاسياً على الناس. وكان يملك ذاكرة تحفظ الإساءة لكنه كان يختار أن يسامح. قسا عليه كثيرون من أهله ومعارفه واختلف معه من اختلف، لكنه لم يحمل في قلبه حقداً على أحد.
وكان يتأسى بقول الشاعر:
إن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن هم هدموا مجدي بنيت لهم مجداً
يا عم علي عسيلات، أيها الرجل الذي ترك وراءه أكثر من سيرة ، ترك أثراً.
رحلت ولكنك لم ترحل من ذاكرة الذين عرفوك. رحلت جسداً وبقيت مواقفك شاهدة عليك. وبقيت المجالس التي كنت تملؤها بالحكمة ، والخصومات التي كنت تطفئها، والمحتاجون الذين كنت تسندهم، والأصدقاء الذين وجدوا فيك أخاً والرفاق الذين عرفوا فيك صلابة الموقف ونبل الإنسان.
أيها الراحل الكبير ما أصعب أن نكتب عنك بصيغة الماضي وأنت الذي ظللت حتى أيامك الأخيرة حاضراً في قضايا الناس والوطن.
رحيل النوارس مؤلم لأن النوارس لا ترحل وحدها إنها تأخذ معها شيئاً من أفق المكان.
يا عم علي ماذا نقول في رثائك، والكلمات نفسها تبدو صغيرة أمام قامة رجل مثلك؟
بأي دموع نبكيك؟ وبأي حزن نحتوي فراقك؟ وكيف نعبر عن فقد رجل كان حاضراً في حياة الناس أكثر مما كان حاضراً في حياته الخاصة؟
نقول فقط إن الرجال لا يموتون حين تتوقف أنفاسهم يموتون حين تُنسى مواقفهم وأنت تركت من المواقف ما يكفي لأن تبقى حياً في ذاكرة الوطن وأهلك ورفاقك.
ولكأننا نقول في رحيلك :
رحلتَ وباقي في الدروبِ خطاكَ
وباقي من الآثارِ ما أبقـاكَ
رحلتَ ولكن في القلوبِ مواقفٌ
تشهدُ بأن المجدَ كانَ رداكَ
كنتَ الكريمَ إذا النفوسُ تضايقتْ
وكنتَ للضعفاءِ خيرَ عصاكَ
وكنتَ إن اشتد الخصامُ مصلحاً
تطفئُ لهيبَ الشرِّ في مسعاكَ
ما كنتَ يوماً للخصومةِ حاقداً
بل كان عفوكَ دائماً نجواكَ
إن غاب جسمُك عن عيونِ أحبّةٍ
فذكاؤكَ، الموقفُ النبيلُ، بقاكَ
نم قرير العين يا عم علي فقد عشت حياتك واقفاً في صف ما آمنت به، وخدمت أهلك ووطنك بما استطعت وخرجت من الدنيا فقيراً إلى الله، غنياً بسيرة لا تُشترى بالمال.
نسأل الله أن يجعل كل موقف وقفته من أجل الحق في ميزان حسناتك وكل خاطر جبرته صدقة لك وكل إنسان أعنته نوراً في قبرك، وكل كلمة حق قلتها شاهدة لك لا عليك.
اللهم نور قبره وآنس وحشته ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد وأكرم نزله وأحسن مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
اللهم اجزه عن أهله ووطنه ورفاقه خير الجزاء وارفع درجته في المهديين واجعل الفردوس الأعلى مقامه ومستقره، واجمعنا به في جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
علي عسيلات ،،، رحلت النورس وبقي جناحها يحلق في سماء الذاكرة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
altaghyeer.info