سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

هرمز... بين إعلان واشنطن فتح الممرات وواقع الملاحة المتعثرة

هرمز... بين إعلان واشنطن فتح الممرات وواقع الملاحة المتعثرة

على الرغم من إعلان الولايات المتحدة أن ممرات الشحن الدولية في مضيق هرمز أصبحت مفتوحة، لا تزال حركة الملاحة بعيدة عن مستوياتها المعتادة، في مؤشر على أن إعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي لا تتعلق فقط بإزالة الألغام وتأمين الممرات، وإنما أيضاً بإزالة المخاطر السياسية والأمنية التي تدفع شركات الشحن إلى تجنب العبور فيه.

وفي هذا لصدد، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن مضيق هرمز بات مفتوحاً أمام حركة الملاحة، معتبراً أن قدرة إيران على تهديد السفن في الممر البحري الاستراتيجي أصبحت «ضئيلة للغاية»، في وقت ترى فيه إدارة ترمب أن واشنطن نجحت خلال الشهرين الماضيين في تغيير ميزان القوى في المضيق، بما قد يمنحها ورقة ضغط أقوى في أي مفاوضات مستقبلية مع طهران.

وقال ترمب، في مقابلة هاتفية مع موقع «أكسيوس»، نشرت يوم الجمعة، إن المضيق «مفتوح»، مضيفاً أن الرد الإيراني أصبح محدوداً للغاية لأن طهران لا تريد التعرض لضربات أميركية جديدة. وأضاف: «إنهم لا يريدون منا أن نعود لضربهم»، في إشارة إلى العمليات العسكرية الأميركية السابقة ضد إيران.

وبحسب «أكسيوس»، يعتقد مسؤولون أميركيون أن ميزان القوى في مضيق هرمز تغير بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير (شباط)، بعدما كان إغلاق الممر أو تهديد حركة الملاحة عبره إحدى أبرز أوراق الضغط الإيرانية. وقال مسؤول أميركي للموقع: «لقد قلبنا المعادلة»، مضيفاً أن تنامي السيطرة الأميركية على المضيق يمكن أن يساعد إدارة ترمب في الحصول على «اتفاق أفضل» مع إيران إذا استؤنفت المفاوضات.

ويأتي هذا التقييم في وقت يحاول فيه وسطاء إقليميون إعادة تحريك المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، فيما أصبح مستقبل الملاحة في هرمز أحد الملفات الرئيسية في أي تفاوض محتمل.

واشنطن: أعدنا فتح المضيق

ترمب في قاعدة أندروز الجوية في 27 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

في بداية الحرب، كان النفط يمر عبر مضيق هرمز من دون انقطاع تقريباً، بينما كان خام برنت يتداول عند نحو 72 دولاراً للبرميل. لكن الهجمات على السفن والمخاوف من الألغام البحرية أدت لاحقاً إلى اضطراب حركة الملاحة، ودفع ذلك أسعار خام برنت إلى مستويات وصلت إلى 126 دولاراً، وفق «أكسيوس».

وبعد تعثر مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية التي أبرمت في يونيو (حزيران)، بدأت القوات الأميركية، وفق تقرير «أكسيوس»، العمل على إعادة فتح المضيق بصورة أحادية الجانب. وشملت العمليات مرافقة السفن عبر القناة الجنوبية، وتوفير غطاء جوي لها، والتصدي لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ كروز إيرانية.

كما نفذت الولايات المتحدة حملة قصف استمرت أسبوعين، قالت واشنطن إنها أسهمت في تقليص قدرة «الحرس الثوري» الإيراني على استهداف السفن. ومع تزايد المخاطر المرتبطة بالألغام، انتقلت المهمة إلى عملية واسعة لتطهير الممرات البحرية. وشاركت في عملية إزالة الألغام وحدات من البحرية الأميركية، بينها غواصون وقوات «نافي سيلز»، إلى جانب طائرات مسيرة تعمل فوق سطح البحر وتحته، فضلاً عن متعاقدين مدنيين.

وأعلن قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، براد كوبر، أن القوات الأميركية حققت «إنجازاً كبيراً»، مؤكداً أن ممرات العبور المعترف بها دولياً أصبحت خالية من الألغام البحرية التي تقول واشنطن إن «الحرس الثوري» زرعها قبل أشهر. وأكد كوبر على منصة «إكس» إزالة الألغام البحرية من ممرات الشحن الدولية، موضحاً أن العملية استغرقت أشهراً ونفذها غواصون من سلاح البحرية مع قوات العمليات الخاصة المعروفة.

لكن وكالة «بلومبرغ» نقلت عن بعض حلفاء واشنطن تشكيكهم في الرواية الأميركية... وقالوا وفق تقديراتهم: «فعلاً أزالت (سنتكوم) بعض الألغام»، لكنهم يعتقدون أن ما بين 80 و150 لغماً لا تزال في المضيق.

وقال براد كوبر أيضاً إنه بالإضافة إلى إزالة الألغام، فقد ساعدت «سنتكوم» خلال الأشهر الماضية نحو 1500 سفينة تجارية على عبور المضيق من خلال توفير حماية لها، وأن تلك السفن كانت تحمل 750 مليون برميل من النفط المتجه إلى أسواق الطاقة العالمية. وتابع أن آلاف العسكريين الأميركيين على متن أكثر من 20 سفينة حربية، إلى جانب مئات الطائرات، يشاركون في تنفيذ مهمة الحصار.

200 جسم يشتبه في كونها ألغاماً

تمثال لعسكريين إيرانيين فيما تظهر سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب 26 أغسطس (رويترز)

وبحسب مسؤولين أميركيين تحدثوا إلى «أكسيوس»، تعاملت القوات مع أكثر من 200 جسم يشتبه في كونها ألغاماً داخل الممر الرئيسي. لكن عملية الفحص أظهرت أن 11 جسماً فقط كانت ألغاماً فعلية، فيما كان عدد محدود منها قد نُشر بطريقة صحيحة.

وترى الإدارة الأميركية أن إعادة تأمين الممر البحري لا تتعلق فقط باستئناف حركة التجارة والطاقة، وإنما يمكن أن تمنح واشنطن موقعاً تفاوضياً أقوى في مواجهة إيران.

فالمضيق كان أحد أبرز أوراق القوة التي استخدمتها طهران منذ بداية الحرب، في وقت يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية المنقولة بحراً من النفط والغاز الطبيعي المسال. وبينما تؤكد واشنطن أن المضيق أصبح مفتوحاً، لا تزال حركة الملاحة الفعلية أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، بسبب استمرار المخاوف الأمنية وإحجام بعض شركات الشحن عن المخاطرة بالعبور.

وأظهرت بيانات أولية لحركة الشحن صدرت الجمعة، أن سبع سفن تحمل سلعاً أولية عبرت مضيق هرمز، الخميس، مقارنة بـ17 سفينة في اليوم السابق، وأقل من المتوسط المتحرك للعشرة أيام السابقة البالغ 15 سفينة. وبحسب بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن، دخلت ثلاث سفن إلى المضيق وخرجت أربع.

لكن هذه الأرقام قابلة للتغير؛ إذ يمكن لبعض السفن إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها في أثناء الرحلة، ما يجعل رصد الحركة الفعلية أكثر صعوبة.

وفي المقابل، عبرت 17 سفينة سلع مضيق باب المندب الحيوي في اليوم نفسه، بينها ست سفن دخلت المضيق و11 سفينة خرجت منه.

وتكشف المقارنة حجم الاختلاف في النشاط الملاحي بين الممرين، في وقت تسعى فيه شركات النقل إلى إعادة ترتيب مساراتها وفقاً للمخاطر الأمنية المتغيرة.

ورغم تأكيد واشنطن أن مضيق هرمز مفتوح، فإن شركات الشحن لا تتعامل معه بوصفه آمناً بالقدر الكافي للعودة إلى نشاطها الطبيعي.

وتشير تقديرات خدمات تتبع السفن إلى أن النشاط عبر المضيق لا يزال يتراوح بين نحو 5 و15 في المائة من المستويات المعتادة قبل الحرب.

ويرتبط هذا التراجع بالتهديدات الإيرانية باستهداف السفن التي تعبر من دون تصريح، إضافة إلى المخاطر الناجمة عن الأعمال العسكرية والألغام البحرية. وهكذا، فإن الإعلان السياسي عن «فتح» الممر لا يعني بالضرورة عودة الحركة التجارية إلى مستويات ما قبل الحرب.

70 حادثة ومقتل 19 بحاراً

ولا تقتصر المخاطر على التهديدات الكلامية. فقد أفادت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة بوقوع 70 حادثة في مضيق هرمز منذ بداية الحرب، أسفرت عن مقتل 19 من البحارة.

وتساعد هذه الحصيلة في تفسير إحجام شركات الشحن عن إعادة عملياتها إلى مستويات ما قبل الحرب، حتى في ظل إعلان القوات الأميركية إزالة الألغام وتأمين ممرات العبور.

فبالنسبة إلى شركات النقل والتأمين، لا يكفي أن يكون الممر مفتوحاً من الناحية العسكرية؛ بل يجب أن تكون مخاطر العبور مقبولة تجارياً وأمنياً.

هرمز... ورقة ضغط إيرانية

قبل الحرب، كان المضيق يشهد مرور نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

ولهذا السبب، منح تهديد إيران بإغلاقه أو استهداف السفن التي تعبره دون موافقتها، طهران ورقة ضغط مؤثرة في أي مفاوضات مع واشنطن.

وأدى انخفاض حركة الملاحة في أعقاب اندلاع الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط، قبل أن تبدأ الأسواق وشركات الشحن والمنتجون في التكيف مع الواقع الجديد.

وفي الوقت نفسه، تريد الولايات المتحدة أن يظل المضيق ممراً مائياً دولياً مفتوحاً، وهو موقف يضع الملف في صلب المواجهة السياسية بين الطرفين.

اتفاق إيراني - عُماني قيد الإعداد

عراقجي يجري مباحثات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

وفي محاولة لمعالجة أزمة الملاحة، قالت إيران إنها اتفقت مع سلطنة عُمان على ممر ملاحي يمتد عبر المضيق، يقع جزء منه في المياه العُمانية والجزء الآخر في المياه الإيرانية.

وقال محسن رضائي، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن السفن ستستخدم مساراً محدداً في وسط المضيق إذا استجابت الولايات المتحدة للشروط التي تعدها طهران.

وكان «الحرس الثوري» قد أعلن أن إيران وعُمان اتفقتا من حيث المبدأ على إدارة حركة المرور في المضيق وتقاسم العائدات.

لكن مصدراً إيرانياً كبيراً أوضح لاحقاً أن تفاصيل الاتفاق لا تزال قيد البحث.

ويشير ذلك إلى أن أي ترتيبات جديدة للمضيق لم تصل بعد إلى مرحلة التنفيذ الكامل، وأن الجانب السياسي سيظل حاسماً في تحديد شكل الحركة البحرية مستقبلاً.

صادرات الخليج تتعافى

وعلى الرغم من استمرار اضطراب الملاحة، بدأت صادرات الطاقة الخليجية تتعافى من أدنى مستوياتها التي سجلتها في بداية الحرب.

وقدرت «غولدمان ساكس»، الخميس، أن صادرات الخليج النفطية تراوحت في الفترة الأخيرة بين 15 و16 مليون برميل يومياً.

ويقل هذا المستوى بنحو 7 إلى 8 ملايين برميل يومياً عن مستويات ما قبل الحرب، لكنه يزيد في المقابل بنحو 5 إلى 6 ملايين برميل يومياً على أدنى مستوى سجل في مارس (آذار). وقالت المؤسسة المالية إن تقديراتها توصلت إليها باستخدام طريقتين مستقلتين.

وتشير هذه الأرقام إلى أن تدفقات الطاقة لم تتوقف، رغم أن جزءاً كبيراً منها أصبح يعتمد على ترتيبات ومسارات أكثر تعقيداً.

وأشارت «غولدمان ساكس» إلى أن ارتفاع عمليات العبور غير المعلنة التي تقوم بها شركات الشحن المتخصصة، إلى جانب عمليات نقل النفط من ناقلة إلى أخرى، يظهر أن المنتجين وشركات الشحن يتكيفون مع الصراع في الشرق الأوسط.

كما تشير هذه العمليات إلى محاولة القطاع الالتفاف على بعض القيود الأمنية واللوجستية، والمحافظة على تدفق أكبر قدر ممكن من الطاقة إلى الأسواق.

ويعني ذلك أن إغلاق المضيق أو تقييد الحركة فيه لم يؤدِ إلى توقف تجارة الطاقة، وإنما أجبرها على اتخاذ طرق أكثر تعقيداً وكلفة ومخاطرة.

الخليج يستثمر في طرق بديلة

وفي موازاة محاولة إعادة فتح هرمز، بدأت دول الخليج المصدرة للطاقة تقليل اعتمادها المفرط على المضيق من خلال استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية.

وتشمل هذه الاستثمارات خطوط أنابيب جديدة وموانئ بديلة ومنشآت تسمح بتصدير الطاقة والسلع من دون المرور بالكامل عبر المضيق.

كما يجري تحويل جزء من مسارات التجارة إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر، وإلى الموانئ الواقعة على الساحل الشرقي لدولة الإمارات.

لكن الطاقة الاستيعابية لهذه البدائل لا تزال أقل من قدرة مضيق هرمز، ما يعني أن هذه الاستثمارات تخفف من الاعتماد على المضيق لكنها لا تستطيع إلغاء أهميته الاستراتيجية.

aawsat.com