
بقلم: احمد النوش
ما يزال بعض الموهومين يُرددون كل يوم الذريعة المستهلكة ذاتها: (نحن من بنينا الإمارات، ونحن من علّمنا السعوديين، ونحن من أسّسنا الجيش القطري، وكان العرب يتوافدون للتعليم في جامعاتنا!).
وهذا لعمري ادعاء يُثير الخجل قبل أن يُثير العجب!
الحقيقة البسيطة القاطعة تقول: لو افترضنا جدلاً أنك ساهمت في "إعمار" بلد غيرك، وعجزت عن إعمار بلدك أنت.. فهذه خيبة ثقيلة تُوجب التواري، لا إنجازاً يُتفاخر به في المحافل.
لقد استلمت دولة كاملة البنية وشديدة التنظيم من المستعمر البريطاني، وطوال سبعين عاماً لم تحافظ حتى على ما وُضع بين يديك، فبأي حق تأتي اليوم لتمنّ به على خلق الله؟!
أما الحقيقة التي يُحاول البعض اللف والدوران حولها: فإن السوداني حين كان يخرج للعمل في الخليج، كان يعمل داخل *"منظومة مؤسسية صارمة"* أرسى قواعدها أهل تلك الدول، وكان مجرد موظف أو مدير تنفيذي يمتثل للوائح والخطط الموضوعة أمامه ويُنفذها بالحرف.
كمال حمزة—الذي قال له الشيخ زايد رحمه الله: (أريد أبوظبي أن تماثل الخرطوم)—لم يكن بمقدوره أن يُنجز في الخرطوم رُبع ما أنجزه في الإمارات! والسبب بسيط: الخرطوم التي شُغف بها زايد كانت من إنجاز الإنجليز لا إنجازنا، والإنجليز أنفسهم هم من زكّوا الكوادر السودانية لدى قادة الخليج كأكفاء للإدارة، ولولا تلك تزكية المستعمر لما سُلطت علينا هذه الأضواء.
ثم دعونا نتحدث بلغة المنطق السليم:
كيف يُقال إن "السودان" هو من بنى الإمارات؟!
هل خرج السودانيون هناك متطوعين بلا أجر؟!
وهل الرموز التي نُعاير بها الخليج اليوم—ككمال حمزة وأحمد عوض الكريم وغيرهم—عادت إلى الوطن حين انتهت مهمتها؟! أم أنهم تمسكوا بالإقامة هناك، وحصلوا على جنسيات تلك الدول واستقروا فيها؟!
لكي نثبت منطقياً أن السودان "بنى دولة أخرى"، كان ينبغي لـ *الحكومة السودانية، أو الشركات والمستثمرين السودانيين* أن يقودوا ويمولوا بناء الطرق والجسور والبنية التحتية من أموالهم وقروضهم.. كما فعلت الولايات المتحدة في أوروبا عبر "مشروع مارشال"، وكما تفعل الشركات الصينية اليوم في إفريقيا. ومع ذلك، هل سمعتم يوماً أمريكياً أو صينياً يتبجح قائلاً: *(لولانا لظللتم تعيشون في الخيام)*؟!
أنت كـ "فرد" كنت شريكاً في تلك النهضة باعتبارك *"أجيراً"* تتقاضى لقاء عرقك وفكرك أجراً مجزياً لتأمين عيشك. وأي مغترب من جيل آبائنا ما كان ليتمكن من بناء منزل أو ستر أسرته في السودان لولا اغترابه في الخليج أساساً!
ضعوا الكرة على الأرض، واستفيقوا من أوهامكم، وكفوا عن تجسيد المأساة أمام العالم!