
يريد الجمهوريون خوض انتخابات التجديد النصفي على وقع الأسعار والوظائف والضرائب. لكن دونالد ترمب يمنحهم، في الأسابيع الحاسمة قبل نوفمبر/تشرين الثاني، عناوين من نوع آخر.
ففي قراءة لصحيفة وول ستريت جورنال، دخل ترمب ما وصفه مسؤول في إدارته بـ"طور ترسيخ الإرث"، فالرئيس -في ظل تراجع شعبيته- يبدو منشغلا بالطريقة التي سيذكره بها التاريخ، بينما يخشى جمهوريون أن يتحول هذا الانشغال بإرثه الشخصي إلى عبء على حزب يخوض معركة صعبة للاحتفاظ بالكونغرس.
على مر أشهر، حاول مستشارو ترمب إقناعه بالتركيز على قضايا الاقتصاد، بوصفه الملف الأكثر إلحاحا لدى الناخبين. لكنه، وفق الصحيفة، يعود مرارا إلى مشاريعه الخاصة ومعاركه الرمزية وهجماته على خصومه.
ويسعى الرئيس إلى ترك آثار مادية يصعب على خليفته محوها: قاعة رقص جديدة، وقوس نصر مقترح، وممر لصور الرؤساء، فضلا عن عملات وتذكارات وإصدارات محدودة من جوازات سفر تحمل اسمه أو صورته.
وحتى التفاصيل الصغيرة تندرج ضمن هذا التفكير، فقد استعرض هذا الشهر مهبطا جديدا للطائرات في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، وقال للصحفيين إن الحجر الذي اختاره له سيبقى "مليون عام".
وبينما يفكر ترمب في ما سيبقى منه بعد عقود، ينشغل حزبه بموعد أقرب كثيرا: نوفمبر/تشرين الثاني.
ويفاقم القلق الجمهوري أن لجنة العمل السياسي الكبرى المرتبطة بترمب جمعت أكثر من 400 مليون دولار، من دون أن تبدأ حتى الآن إنفاقا واسعا لدعم مرشحي الحزب في انتخابات التجديد النصفي. وحين خصصت أخيرا مبلغا كبيرا لإحدى المعارك الانتخابية، ذهب إلى جولة إعادة بين مرشحين جمهوريين في ولاية شبه محسومة، مما أثار استياء داخل الحزب.
وفي تقرير لها بهذا الشأن، كتبت مجلة بوليتيكو أن البيت الأبيض أوفد عددا من أعضاء الإدارة إلى الولايات للترويج لسجل ترمب وحشد أنصاره قبل الانتخابات، لكن هذه الجولات كثيرا ما اصطدمت بقضايا تختلف عن تلك التي أرادت الإدارة الحديث عنها.
إعلانفقد ذهب وزير الطاقة إلى نيوهامبشير للحديث عن الغاز الطبيعي، ليجد نفسه أمام أسئلة عن وصول سعر البنزين إلى 4 دولارات. كما زارت وزيرة الزراعة، بروك رولينز، ولاية آيوا لحشد تأييد المزارعين، لكنها اضطرت إلى الدفاع عن قرار ترمب استيراد لحوم أجنبية بأسعار منخفضة، وسط غضب مربي الماشية المحليين.
وحسب المجلة، تندرج هذه الجولات ضمن مساعي الإدارة لإبراز ما تعدّه إنجازات لترمب قبل انتخابات التجديد النصفي، من التخفيضات الضريبية إلى تشديد أمن الحدود وتراجع معدلات الجريمة. لكن زيارات الوزراء تكشف مشكلة أساسية: الناخبون لا يلتزمون بالموضوع الذي جاء المسؤول للحديث عنه، بل يسألونه عما يضغط على حياتهم اليومية، من أسعار الوقود واللحوم إلى الهجرة ومراكز البيانات.
وفي آيوا، حذر مسؤول جمهوري من أن قضية استيراد اللحوم قد تستمر في ملاحقة الحزب وتتحول إلى ورقة انتخابية يستغلها الديمقراطيون.
وتظهر مشكلات مشابهة في ملفات أخرى، إذ تشير المجلة إلى أن إدارة حماية البيئة تسهّل إنشاء مراكز البيانات في وقت تتصاعد فيه الاعتراضات المحلية عليها، في حين يواجه مسؤولو الأمن الداخلي انتقادات من الجناح الأكثر تشددا في حركة "ماغا"، الذي يرى أن عمليات الترحيل لا تجري بالسرعة الكافية.
وتنقل بوليتيكو عن الإستراتيجي الجمهوري ماثيو بارتليت، الذي عمل في إدارة ترمب الأولى، أن إرسال الوزراء إلى الولايات قد يأتي بنتيجة عكسية؛ فبدل طمأنة الناخبين، قد يفتح الباب أمام أسئلة محرجة ويكشف مواطن ضعف الإدارة، بل ويزيد الخلافات داخل المعسكر الجمهوري نفسه.
وحتى الاقتصاد، الذي يريد الجمهوريون أن يكون محور حملتهم، لا يقدم لهم الأخبار التي يحتاجون إليها.
فبحسب استطلاع لمركز "بيو"، تتصدر القضايا الاقتصادية أولويات الناخبين في ما يريدون سماعه من مرشحي الكونغرس، إذ أشار 29% إلى الاقتصاد عموما، و15% إلى كلفة المعيشة والقدرة على تحمل النفقات.
ثم جاءت بيانات سوق العمل لتضيف ضغطا جديدا.
فقد كشفت واشنطن بوست عن أن القطاع الخاص أضاف، بين أبريل/نيسان 2025 ومارس/آذار 2026، نحو 178 ألف وظيفة أقل مما كشفته التقديرات الأولية، مع أداء أضعف في قطاعات التجزئة وتجارة الجملة والتصنيع، في وقت بدأت فيه آثار رسوم ترمب الجمركية وسياساته الاقتصادية تتجلى في أجزاء من الاقتصاد.
وبعد احتساب وظائف القطاع العام، انخفض إجمالي الوظائف بـ79 ألف وظيفة مقارنة بالتقديرات السابقة. ورغم أن هذه المراجعة أقل حدة من مراجعات شهدتها فترات سابقة، فإنها تؤكد أن سوق العمل لم يكن بالقوة التي أوحت بها الأرقام الأولية.
وهذه نتيجة غير مريحة لإدارة تواجه أصلا استياء من الأسعار وكلفة المعيشة قبل الانتخابات.
كما تؤكد الصحيفة أن الأرقام تمس مباشرة أحد أبرز وعود ترمب الاقتصادية بإعادة تنشيط الوظائف الصناعية. فقد كشفت المراجعات التي أوردتها واشنطن بوست أن قطاع التصنيع خسر 67 ألف وظيفة إضافية مقارنة بالتقديرات السابقة، في حين كان عدد وظائف تجارة التجزئة أقل بـ154 ألف وظيفة.
ومع ذلك، يريد ترمب أن يبقى في قلب المعركة الانتخابية. وخلال مقابلة مع فوكس نيوز، طلب من أنصاره أن "يتخيلوا" أنه شخصيا على ورقة الاقتراع.
إعلانلكن بعض الجمهوريين يخشون هذا السيناريو تحديدا: أن تتحول انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني إلى استفتاء على ترمب نفسه، بدل أن يخوض مرشحو الحزب سباقاتهم على أساس القضايا المحلية وظروف دوائرهم.
فالحرب في إيران تلقي بثقلها على الاقتصاد والسياسة الخارجية، في حين تتراجع شعبية الرئيس. وحسب وول ستريت جورنال، بات الجمهوريون أمام خطر خسارة مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضا، مع احتمال عودة ملف عزل ترمب إلى الواجهة إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس.
وفي ذلك الصدد، نقلت الصحيفة عن تاكر كارلسون -حليف ترمب السابق الذي انقلب عليه بسبب حرب إيران- قوله إن الرئيس اختار إرثه بالفعل بـ3 "إنجازات": شن الحرب على إيران، وإسقاط الإمبراطورية الأمريكية، وتدمير الاقتصاد الأمريكي، بحسب كارلسون.
aljazeera.net