
كشف تحقيق لموقع آي بيبر البريطاني أن الدور الاستخباراتي للسفارة الروسية في لندن مستمر رغم استدعاء السفير، وسط تراجع العلاقات بين موسكو وبريطانيا إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.
ويقول التقرير إن السفارة الروسية في لندن تواصل أداء دور يتجاوز بكثير مهمتها الدبلوماسية الرسمية، بحسب شهادات خبراء ومسؤولين سابقين في أجهزة الاستخبارات.
ويأتي التحقيق في أعقاب استدعاء موسكو سفيرها لدى المملكة المتحدة أندريه كيلين دون تعيين خلف له حتى الآن، مما قد يبدو مؤشرا على مزيد من التدهور في العلاقات الثنائية، إلا أن خبراء -تحدث إليهم الموقع- أكدوا أن غياب السفير لا يعني توقف النشاط الروسي في بريطانيا، "ولا سيما النشاط الاستخباراتي".
وقدم تحقيق الموقع السفارة الروسية في لندن باعتبارها مؤسسة ذات وجهين:
ويقول السفير البريطاني السابق لدى أوكرانيا، لي تيرنر، إن السفارة "مركز تجسس" أصلا، مؤكدا أن السفير ليس بالضرورة المسؤول المباشر عن إدارة العمليات الاستخباراتية، بل يتولى "رئيس المحطة"، وهو ضابط الاستخبارات الأرفع في الدولة المضيفة، الإشراف على النشاط السري.
وهذا النموذج ليس حكرا على روسيا -حسب التحقيق- إذ تدير أجهزة استخبارات دول كبرى، ومنها بريطانيا والولايات المتحدة، شبكات مماثلة داخل سفاراتها حول العالم، ولذلك غالبا ما تكون السفارات محورا في عمليات طرد متبادلة لضباط الاستخبارات الذين يعملون تحت غطاء دبلوماسي.
وتستند أهمية السفارة الروسية في لندن -بحسب التحقيق- إلى تاريخ طويل من العمليات السرية المرتبطة بموسكو، فقد كانت العاصمة البريطانية مسرحا لعدد من أبرز العمليات التي نسبت إلى أجهزة الاستخبارات الروسية والسوفياتية، من مقتل المعارض البلغاري جورجي ماركوف بمظلة مسمومة عام 1978، إلى اغتيال ألكسندر ليتفينينكو بالبولونيوم عام 2006، ثم محاولة تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال بغاز نوفيتشوك في سالزبري عام 2018.
إعلانويشير الموقع إلى أن التحقيقات الرسمية في بعض هذه القضايا كشفت صلات أو أنشطة مرتبطة بالسفارة الروسية، رغم أن منفذي العمليات الميدانيين كانوا يصلون أحيانا إلى بريطانيا مباشرة من روسيا ثم يغادرونها بسرعة.
لكن الضغط البريطاني على الشبكات الروسية أدى -بحسب التحقيق- إلى تغيير أساليب موسكو، إذ طردت بريطانيا عشرات الدبلوماسيين الروس على خلفية الاشتباه في عملهم لصالح أجهزة الاستخبارات، وكان آخر مثال بارز في عام 2024 عندما طُرد الملحق العسكري الروسي بعد تحديده كضابط غير معلن في الاستخبارات العسكرية.
وبعد عمليات الطرد المتكررة، تعتقد أجهزة الأمن البريطانية أن روسيا أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على جماعات إجرامية وأفراد يعملون كوكلاء لتنفيذ عمليات تجسس وتخريب داخل البلاد، وبذلك انتقلت المواجهة جزئيا من نموذج "الجاسوس بغطاء دبلوماسي" إلى نموذج أكثر تعقيدا يعتمد على أطراف محلية يمكن لموسكو إنكار صلتها المباشرة بها.
ويصف الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، شون ويسويزر، السفارة الروسية في لندن بأنها أشبه "بأذن عملاقة"، نظرا لقدرتها على اعتراض الإشارات وجمع المعلومات الإلكترونية والبيانات السيبرانية.
العلاقات البريطانية الروسية أصبحت شديدة التوتر بسبب الحرب في أوكرانيا، وعمليات التجسس والهجمات السرية والاتهامات المتبادلة أضعفت إلى حد كبير الثقة بين الطرفين
وبحسب هذا التصور، فإن السفارة لا تقتصر أهميتها على وجود ضباط استخبارات داخلها، بل تمتلك أيضا موقعا وقدرات تقنية تسمح بجمع كميات كبيرة من المعلومات من البيئة المحيطة.
ويرى الخبراء أن غياب السفير لن يؤثر بصورة جوهرية في هذه القدرات، لأن النشاط الاستخباراتي يمكن أن يستمر تحت إشراف مسؤولي الأجهزة الأمنية، بعيدا عن الدور السياسي والعلني للسفير.
ومع ذلك، تحرص الصحيفة على عدم تفسير استدعاء كيلين باعتباره إعلانًا روسيًّا عن قطيعة دبلوماسية مع بريطانيا، لأن استدعاء السفير لم يترافق حتى الآن مع خطوة مماثلة من موسكو تجاه السفير البريطاني، كما أن روسيا أكدت أنها لا تعتزم خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع لندن.
ويرى الدبلوماسي البريطاني السابق لي تيرنر أن الأمر لن يصبح مؤشرا قويا على رغبة موسكو في خفض مستوى العلاقات إلا إذا استمر منصب السفير شاغرا لفترة طويلة، مشيرا إلى أن وجود فجوة زمنية بين سفير وآخر حدث من قبل.
وتكشف التطورات، في نهاية المطاف، عن واقع أكثر تعقيدا من مجرد شغور منصب سفير، فالعلاقات البريطانية الروسية أصبحت شديدة التوتر بسبب الحرب في أوكرانيا، وعمليات التجسس والهجمات السرية والاتهامات المتبادلة أضعفت إلى حد كبير الثقة بين الطرفين.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه الدبلوماسية التقليدية، تستمر أنشطة ما يعرف "بالحرب الرمادية" التي تشمل التجسس والهجمات السيبرانية والتخريب واستخدام وكلاء وعمليات سرية تصعب نسبتها بصورة مباشرة إلى الدولة التي تقف خلفها.
إعلانوتبقى السفارة الروسية في لندن -وفق قراءة "آي بيبر"- إحدى النقاط الرئيسية في هذه المواجهة غير المعلنة، وقد يتغير السفير، وقد تتراجع الاتصالات السياسية، وقد تطول فترة غياب الممثل الدبلوماسي الأعلى، لكن البنية الاستخباراتية التي تشكلت عبر عقود لا تختفي بالضرورة.
وخلص التحقيق إلى أنه في الوقت الذي تبقى فيه أبواب السفارة مفتوحة رسميا للدبلوماسية، فإن ما يجري خلفها -وفق الخبراء الذين استند إليهم الموقع- يمثل جزءا من مواجهة سرية أوسع تدور بين روسيا وبريطانيا في قلب أوروبا.
aljazeera.net