خبر ⁄سياسي

إسرائيل تغير أسلوبها في جنوب لبنان... تدمير استباقي قبل التوغل البري

إسرائيل تغير أسلوبها في جنوب لبنان... تدمير استباقي قبل التوغل البري

يوسّع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان نطاق استخدام النيران قبل تحرك قواته البرية، مستهدفاً مواقع ومنشآت يقول إنها قد تشكل خطراً على جنوده، في أسلوب أوردت وسائل إعلام إسرائيلية أنه يهدف إلى تقليل المخاطر التي تواجه قواته خلال تحركاتها.

ويثير اتساع هذا الأسلوب تساؤلات حول ما إذا كان الجنوب دخل مرحلة يمكن توصيفها عسكرياً بـ«التطهير بالنيران» للمناطق المرتبطة بحركة القوات الإسرائيلية. غير أن قراءات عسكرية لـ«الشرق الأوسط» تميّز بين تغيير أسلوب العمل الميداني وتبدل قواعد «فتح النار»، وترى أن ما يجري أقرب إلى استهداف ناري انتقائي وموضعي يسبق الحركة البرية، مع التحذير من أن اتساعه قد يفتح المجال أمام استهداف منشآت ومبانٍ استناداً إلى مجرد الاشتباه بوجود خطر.

وكانت صحيفة «معاريف» قد أفادت الأسبوع الماضي بأن «القيادة الشمالية قررت تغيير أسلوب تعاملها مع ما تصفه بتهديدات «حزب الله»، والحد من المخاطر التي تتعرض لها القوات المناورة، بعد حوادث أصيب فيها جنود جراء انفجارات داخل مبانٍ أو اشتباكات مباشرة وكمائن».

دخان ونيران يتصاعدان جراء تفجير القوات الإسرائيلية منازل في بلدة زوطر الشرقية جنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ب)

تطهير ناري انتقائي وموضعي

قال القائد السابق لقطاع جنوب الليطاني، العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الجميل، لـ«الشرق الأوسط»: «إن ما أوردته صحيفة (معاريف) يُشير، من منظور عسكري، إلى تحوّل في أسلوب العمل الميداني للقوات الإسرائيلية، من مواجهة الخطر عند ظهوره، إلى محاولة تحييده مسبقاً قبل تحرك القوات البرية».

ورأى أنه وفقاً لهذه المقاربة، «لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على الاشتباك المباشر، بل باتت تلجأ إلى تأمين محاور الحركة ومناطق الانتشار بالنيران، وذلك استناداً إلى أعمال المراقبة المباشرة أو التقديرات الاستخباراتية والميدانية للمواقع التي قد تشكل خطراً عليها، ولا سيما في المناطق التي لا تحتلها فعلياً وإنما تفرض عليها سيطرة نارية، كمنطقة المنصوري وبيوت السياد في القطاع الغربي، أو في محيط مرتفعات حداتا وبيت ياحون التي تطلق عليها تسمية مرتفعات «سيلفستر»، لا سيما بلدات صربين وعيتا الجبل وبرعشيت، في القطاع الأوسط أو في البلدات المحيطة بمرتفعات علي الطاهر شمال الليطاني فضلاً عن معالجة أي تهديد مُحتمل ضمن المنطقة العازلة التي تسيطر عليها ميدانياً، أو ربما في المناطق التجريبية لاحقاً».

وأشار الجميل إلى أن هذا الأسلوب لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مرحلة التطهير الشامل بالنيران بمفهومه العسكري التقليدي «أي بالاستخدام الكثيف والمنظّم للنيران على مساحة جغرافية واسعة أو قطاع كامل»، بل يبدو أقرب إلى «تطهير ناري انتقائي وموضعي يرتبط بحركة القوات الإسرائيلية ومتطلباتها العملانية». وأضاف: «كذلك يعكس هذا الأسلوب اعتماداً متزايداً على المدفعية والمدرعات والقوة الجوية، بهدف الحد من الاحتكاك البري المباشر وتقليص الخسائر المحتملة في صفوفها».

ولفت الجميل إلى أن «الأخطر في هذا النمط الجديد هو أنه قد يتحول التمهيد الناري الاستباقي إلى جزء ثابت من آلية تحرك القوات الإسرائيلية وانتشارها في جنوب لبنان، بما قد يفتح المجال أمام توسيع دائرة الاستهداف وتدمير المنشآت والمباني عند مجرد الاشتباه بوجود خطر، أو استخدامها كذريعة لتنفيذ عمليات تدمير مقصودة تحت عنوان الضرورات الأمنية والعسكرية».

دبابة إسرائيلية تتحرك في منطقة وادي السلوقي كما بدت من بلدة شقرا جنوب لبنان الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

لا تغيير في قواعد الاشتباك

في المقابل، يفصل العميد المتقاعد سعيد قزح بين تغيير طريقة العمل الميداني وبين تبدل قواعد فتح النار نفسها، ويربط الأسلوب الجديد بمحاولة تقليل تعرض القوات البشرية للخطر. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري في جنوب لبنان «لا يشكل تحولاً في قواعد الاشتباك بقدر ما يعكس تغييراً في طريقة تعامل الجيش الإسرائيلي مع المواقع والأماكن التي يشتبه بوجود خطر فيها، بهدف الحد من الخسائر البشرية في صفوفه».

وأوضح أن «الجيش الإسرائيلي كان، في مرحلة سابقة، يرسل دوريات أو عناصر لاستطلاع مواقع والتحقق منها ميدانياً، لكن بعد حوادث تعرضت فيها قواته لخسائر، بينها حادثة مجدل زون وانفجار منشأة مفخخة بعسكريين، يبدو أن توجهاً جديداً اعتمد يقوم على تجنب إرسال قوة بشرية مباشرة إلى المكان المشبوه، والتعامل معه بالنار أو بوسائل استطلاع غير مأهولة».

وأضاف: «قد يشمل ذلك استخدام روبوتات متحركة تدخل إلى المنازل أو المواقع المشتبه بها لتفتيشها، وبالتالي فإن التغيير الأساسي هو في أسلوب التعامل الميداني، بما يوفر حماية أكبر للجنود ويقلل احتمال وقوع إصابات بينهم».

وأشار قزح إلى أن «القوات الموجودة في منطقة عمليات أو ساحة حرب تتعامل بطبيعتها مع أي مؤشر خطر على أنه تهديد محتمل، حتى قبل التأكد من كونه خطراً حقيقياً؛ ولذلك يكون رد الفعل سريعاً تجاه مصدر الاشتباه، وقد يتدرج حسب طبيعة الخطر وحجمه وبعده عن مواقع القوات».

وقال إن «رد الفعل قد يبدأ باستخدام النيران المباشرة، ثم يتصاعد عند الحاجة إلى وسائل إسناد أكبر، وصولاً إلى المدفعية أو الطائرات والمسيّرات، وفق تقدير القوة الموجودة في الميدان وحجم التهديد الذي تواجهه».

ولفت إلى أن «هذه الإجراءات تندرج ضمن ردود الفعل التي يتدرب عليها العسكريون في ساحات القتال وضمن قواعد فتح النار المعتمدة؛ حيث يتيح الشعور بوجود خطر أو الاشتباه بتهديد محتمل للقوة التعامل سريعاً مع مصدره».

وأضاف أن «الأمر يصبح أكثر تشدداً خلال ساعات الليل؛ لأن هامش التحقق البصري يكون أضيق، وبالتالي تتعامل القوات بحذر أكبر مع أي حركة أو هدف يشتبه بأنه قد يضم عناصر مسلحة أو يشكل خطراً عليها».

تصعيد ميداني متواصل

وواصل الجيش الإسرائيلي اعتداءاته على بلدات وقرى جنوب لبنان، وسط قصف مدفعي وتحركات برية وعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة.

ومنذ ساعات فجر الأحد، استهدف القصف وادي السلوقي من جهتي تولين ومجدل سلم، كما طال بلدة كفر رمان وأطراف المنصوري وبيوت السياد ومحيط النهر عند أطراف زوطر الشرقية وبلدة زوطر الغربية.

وظهراً، استهدف القصف المنصوري وأطراف حداثا وبيت ياحون، بالتزامن مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة، فيما نفذت طوافة «أباتشي» تمشيطاً برشاشاتها الثقيلة باتجاه أطراف زوطر الشرقية. كذلك تقدمت قوة إسرائيلية برفقة جرافة «D9» باتجاه مجرى النهر لجهة زوطر الغربية.

دخان يتصاعد جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان الأسبوع الماضي كما بدا من منطقة مرجعيون (أ.ف.ب)

ولاحقاً، نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً كبيراً في بلدة حولا، فيما توغلت قوة عند أطراف ميس الجبل بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف منزلاً وتمشيط بالأسلحة الرشاشة. كما ألقت مسيّرة قنبلة صوتية عند مدخل بلدة صربين في قضاء بنت جبيل.

وفي القطاع الغربي، استهدفت المدفعية الإسرائيلية بلدة المنصوري، فيما ألقى الجيش الإسرائيلي قنابل مضيئة على حرش عيتا الجبل بهدف إشعال الحرائق، واستهدف الحرش وبيت ياحون بعدد من القذائف الثقيلة.

وفي القطاع الأوسط، واصل الجيش الإسرائيلي إضرام النار في ممتلكات الأهالي في بلدة حداثا، حيث أتت النيران على مساحات واسعة من حقول الزيتون، وفق «الوكالة الوطنية للإعلام».

aawsat.com