الجنيه السوداني يحتضر.. ومخصصات المسؤولين تتعافى
الجنيه السوداني يحتضر.. ومخصصات المسؤولين تتعافى
أحمد عثمان جبريل
❝حين يموت الجنيه ببطء.. وتتعافى مخصصات من يديرون الدولة، يصبح السؤال أكبر من الاقتصاد.. يصبح سؤالاً عن معنى الدولة نفسها.❞
تقول الحكاية: في عام الرمادة، حين انحبس المطر، واسودّت الأرض، واشتد الجوع حتى صار الناس يقتاتون من الضرورة، لم يكن الخليفة الراشد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يرى تلك الأزمة خارج بيت الدولة..
كان يعرف أن المحنة لا تختبر وفرة المال، وإنما تختبر كيف يُنفق حين يقل.. فبعقلية الحاكم العادل والاقتصادي الملهم، استنفر موارد الأمصار، وفتح بيت المال، وحمل من الشدة ما حمل الناس.. لأن الدولة في زمن العسر لا تُقاس بما تمنحه لحكامها، ولكن بما تحفظه لمواطنيها.
وفي السودان اليوم.. يبدو السؤال أكثر قسوة: ماذا بقي من اقتصاد الدولة بعد أن أكلت الحرب الأخضر واليابس، وأكل انهيار الجنيه ما تبقى من قدرة المواطن على الاحتمال؟
(1)
منذ 25 أكتوبر 2021، تعاقب أربعة محافظين على بنك السودان المركزي.. أربعة وجوه على كرسي واحد، وأزمة واحدة لا تتغير.. تغير المحافظون، وتبدلت المنشورات، وتبدلت السياسات، لكن الجنيه ظل يهبط، والاقتصاد ظل يبحث عن مخرج.
ولذلك فإن آمنة ميرغني، مهما كان نصيبها من المسؤولية عن التخبط الذي إنبرت حملة لصحافيين (بلابسة) يُنسوبنها إلى إدارتها، فلن تكون آمنة آخر الحلقة.. قد تذهب ويأتي خامس، ثم سادس.. ويبقى المرض نفسه.. فحين يتكرر الفشل بتغير الأشخاص، تصبح المشكلة في طريقة الإدارة لا في أسماء المديرين وحدها.
(2)
اليوم تتكاثر أسئلة صحافيين، حول أداء البنك المركزي:” قرارات تتغير، ومنشورات تتراجع، وسياسات نقدية تبحث عن يقين وسط سوق لا يرحم”.. وفي الوقت ذاته تتصاعد أسئلة أخرى عن راتب المحافظ ومخصصاتها وامتيازاتها.. ولسنا هنا في مقام إدانة آمنة؛ لكننا في مقام تساؤل مشروع: كيف تُدار مؤسسة تمسك بعصب العملة والمصارف؟.. من يحاسبها حين يختل القرار؟ وكيف تُحدد مخصصات كبار القائمين عليها في بلد ينهار فيه دخل المواطن كل يوم؟ .. إن كانت الأرقام المتداولة صحيحة، فلتخرج الوثيقة التي تؤكد ذلك.. وإن لم تكن، فلتخرج الحقيقة.. ففي المال العام لا ينبغي أن تكون الشائعة أقوى من المعلومة الرسمية.
(3)
لكن البنك المركزي ليس وحده في قفص الاتهام.. فوزارة المالية نفسها ليست خارجه.. فاقتصاد الدولة منظومة واحدة؛ نقدٌ ومالٌ ومصارفٌ وإنتاجٌ وصادرٌ واستثمار.. كل ذلك يحتاج إلى عقل واحد وروح فريق واحدة.. ولا يمكن لمحافظ أن يحارب التضخم بمعزل عن المالية، ولا لوزير مالية أن يدير الإنفاق دون حساب أثره على العملة والسيولة.. ولا لاقتصاد أن يطلب التعافي، بينما الإنتاج والصادر يختنقان.
فحين تغيب الرؤية المشتركة، يصبح كل قرار حلاً مؤقتاً لمشكلة يصنع مشكلة أخرى.
(4)
ثم تقف الحرب في منتصف الطريق.. لا كعنوان سياسي، وإنما كآلة اقتصادية تلتهم كل شيء.. حرب لا يعرف لها سقف، نهاية تعني إنتاجاً أقل، وصادراً أضعف، وإيرادات أضيق، ونزوحاً أكبر، وإنفاقاً أثقل، وحاجةً متزايدة إلى الدولة.. لا يوجد اقتصاد معافى لحرب مفتوحة بلا أفق.. ولا يمكن أن تبقى الموازنة أسيرة سؤال:”كيف نمول الغد العسكري؟ بينما السؤال الأهم يختفي: “كيف نبني غداً يستطيع أن يعيش بعد الحرب؟.. فإذا لم تكن هناك خطة اقتصادية لحرب طويلة، فنحن لا ندير الاقتصاد.. نحن ندير الانهيار”.
(5)
والجنيه هو أول من يعلن الحقيقة.. لا يحتاج إلى بيان رسمي.. حين يفقد قيمته، يعرف المواطن أن راتبه فقد جزءاً من عمره، وأن مدخراته تنكمش، وأن سعر الدواء ارتفع، وأن الطعام صار معركة، وأن السوق أصبح أقسى من قدرته.
الحرب شردته من بيته، وانهيار العملة يطارده إلى ما تبقى من حياته.. ثم يهرول للبحث عن ماء نظيف فلا يجد، وعن كهرباء مستقرة فلا يجد، وعن مستشفى يأمن إليه فلا يجد، وعن مدرسة تحفظ أبناءه فلا يجد. حتى الخدمات التي يفترض أن تكون حقاً عاماً أصبحت حلماً يومياً.
(6)
وهنا تصبح قصة المخصصات أكثر إيلاماً من مجرد رقم.. المسؤول يحتاج إلى راتب، نعم.. لكن المواطن يحتاج إلى تفسير .. فإذا كانت الدولة قادرة على ترتيب رواتب وبدلات وامتيازات كبار مسؤوليها، فلماذا تعجز عن ترتيب حياة من يدفعون هذه الأموال؟ وإذا كان هناك إصلاح هيكلي في البنك المركزي، فلماذا لا يرى المواطن ثماره في عملته، وفي مصرفه، وفي قدرته على شراء حاجاته؟.. الإصلاح الذي يصل إلى مخصصات المسؤول قبل أن يصل إلى حياة المواطن يحتاج إلى إصلاح آخر.. إصلاح في مفهوم الأولويات نفسه.
(7)
ولذلك لن تكون إقالة آمنة ميرغني، إن حدثت، نهاية الأزمة.. كما أن بقاءها ليس دليلاً على نجاحها.. سيأتي محافظ خامس، وربما يحمل معه الوعود نفسها، وسيجلس أمام الجنيه المريض، ثم يكتشف أن الكرسي أكبر من شخصه وأن الأزمة أكبر من الكرسي.
ما يحتاجه السودان ليس محافظاً جديداً فقط، ولا وزيراً جديداً فقط.. بل عقلاً اقتصادياً جديداً يعرف أن البنك المركزي ووزارة المالية والإنتاج والصادر والمصارف أجزاء من جسد واحد، وأن الحرب لا يمكن أن تكون سياسة اقتصادية دائمة، وأن المال العام في زمن الانهيار يجب أن يكون أكثر انضباطاً وشفافية، لا أكثر سخاءً على القلة.
وهنا نعود لعام الرمادة، لنقول: كان الجوع يختبر الدولة.. وكان المسؤول يعرف أن عليه أن يشعر بثقل ما يشعر به الناس.. أما في السودان، فقد طال الرماد، واتسعت النار، وصار المواطن يختصر أحلامه في لقمة، وكوب ماء، ومصباح لا ينطفئ، ودواء لا يعجز عن ثمنه، ومدرسة لا تغلق أبوابها.
توقيع أفق الحرف
أفقٌ يترفق باتساعه ليقول.. إن المواطن السوداني لم يعد ينتظر رفاهيةً ولا قصوراً ولا حياةً فوق الممكن؛ لقد وصل إلى الحد الذي يكابد فيه لقمة عيشه، ويعيش على الكفاف، ويبحث عن ماء شربٍ نظيف، وكهرباء تستقر، وصحة حين يمرض، وتعليم لا تبتلعه الحرب.
في الطرف الآخر.. جنيه يحتضر، واقتصاد ينزف، وحرب لا يعرف لها أحد سقفاً، ودولة تتراجع خدماتها، وأسئلة عن مخصصات مسؤولين تبدو ــ في عيون المواطن ــ كأنها تنتمي إلى وطن آخر.
وحين يصبح المواطن هو آخر من يتعافى.. بينما تتعافى مخصصات من يفترض أنهم ينقذونه، فالمشكلة لم تعد في سعر الصرف وحده.
المشكلة أن الدولة نفسها تحتاج إلى من ينقذ معناها.
إنا لله ياخ.. الله غالب.
altaghyeer.info