خبر ⁄سياسي

استراتيجية جديدة لبرلمان الشباب تضع التقسيم الواقعي في صدارة المخاطر

أمستردام: ا سبتمبر 2026: راديو دبنقا

في توقيت تتزاحم فيه المبادرات السياسية بشأن السودان، وتتزايد المخاوف من تحول الانقسام العسكري إلى واقع سياسي ومؤسسي أكثر رسوخاً، طرح برلمان الشباب- السودان- الأحد، وثيقته الاستراتيجية الجديدة للفترة من سبتمبر 2026 إلى سبتمبر 2028، واضعاً المجموعات القاعدية والشبابية والنسوية في قلب رؤيته للخروج من الأزمة.

وجاء إطلاق الوثيقة بالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري في 30 أغسطس 2026، في وقفة قال البرلمان إنها تأتي للتذكير بالضحايا وأسرهم في ظل استمرار الانتهاكات المرتبطة بالحرب، بينما تدخل البلاد عامها الرابع من نزاع أعاد تشكيل الجغرافيا السياسية والاجتماعية وأفرز واقعاً أكثر تعقيداً على الأرض.

ولا تبدو الوثيقة، بحسب القائمين عليها، منفصلة عن التطورات السياسية الراهنة، وفي مقدمتها الدعوة التي يقودها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى حوار سوداني داخلي، بالتوازي مع استمرار مسارات إقليمية ودولية متعددة تحاول الوصول إلى وقف للحرب وتسوية سياسية.

توقيت مفصلي

يرى الأمين العام لبرلمان الشباب، منذر مصطفى، أن صدور الوثيقة جاء في توقيت وصفه بـ”المفصلي للغاية”، مع محاولة البرهان تثبيت مسار سياسي داخلي للحوار، بعيداً عن الآليات الدولية والإقليمية التي ظلت تعمل على تيسير العملية السياسية السودانية.

وقال مصطفى في تصريح لـ(دبنقا) إن المضي في هذا الاتجاه قد يدفع قوات الدعم السريع إلى اتخاذ خطوات سياسية موازية، في ظل وجود سلطتين ومشروعين سياسيين متنافسين، بما يهدد بإعادة إنتاج الانقسام بدلاً من الوصول إلى عملية موحدة لإنهاء الحرب.

ويخشى برلمان الشباب، وفق مصطفى، من أن يتم استيعاب مساري الرباعية والخماسية بصورة أو بأخرى داخل محاولات سياسية داخلية متوازية، بدلاً من أن يقودا إلى عملية واحدة تجمع الأطراف السودانية على مسار واضح لإنهاء الحرب.

وتضم الرباعية الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، بينما تضم الخماسية الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

من المواجهات المباشرة إلى الانقسام المؤسسي

وتنطلق الوثيقة من قراءة تعتبر أن الحرب تجاوزت مرحلة المواجهات العسكرية المباشرة إلى واقع أكثر تعقيداً، تتداخل فيه السيطرة العسكرية مع بناء مؤسسات وسلطات موازية، إلى جانب تغير طبيعة القتال نفسه.

وقال رئيس مجلس البرلمان للفترة 2024–2026، تاج السر أنور، إن الفترة الممتدة بين خريف 2025 وصيف 2026 شهدت تحولاً من المواجهات المباشرة إلى ما وصفه بـ”حرب استنزاف حضرية”، مع توسع استخدام المسيرات الهجومية وتغير أساليب العمليات العسكرية.

وفي السياق نفسه، أوضح رئيس لجنة التمثيل والانتخاب، مصطفى بوش، أن استمرار المواجهات أدى إلى ترسيخ انقسام جغرافي ومؤسسي بحكم الأمر الواقع بين سلطتين مركزيتين، إحداهما متمركزة في بورتسودان تحت سيطرة الجيش وحلفائه، والأخرى في نيالا وترتبط بقوات الدعم السريع ومجلس (تأسيس).

وترى الوثيقة أن أخطر ما قد تواجهه البلاد خلال العامين المقبلين هو تحول هذا الانقسام المؤقت، الذي فرضته الحرب، إلى واقع سياسي ومؤسسي أكثر ثباتاً يصعب تجاوزه مستقبلاً.

المصالح الخارجية وتعقيد الأزمة

ولا تفصل الوثيقة هذا الواقع الداخلي عن تأثير التدخلات الخارجية في مسار الحرب.

وقال المقرر ورئيس لجنة إزالة العقبات، الفاتح النور، إن خريطة التدخلات الخارجية في السودان تقوم على تقاطع مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية متضاربة، معتبراً أن هذه المصالح أسهمت في تعميق الاصطفافات الإقليمية وزيادة تعقيد النزاع.

وتشير الوثيقة إلى أن تداخل هذه المصالح مع استمرار الدعم الخارجي لأطراف النزاع جعل الوصول إلى مسار سياسي موحد أكثر صعوبة، وربط مصير التسوية السودانية بحسابات إقليمية ودولية متعددة.

تعدد الوساطات ومسارات متنافسة

وتولي الوثيقة مساحة واسعة لمسارات الوساطة الإقليمية والدولية، وتعتبر أن تعددها لم يتحول حتى الآن إلى مصدر قوة للعملية السياسية.

وقال رئيس لجنة الأنشطة والفعاليات، عمر شول، إن هندسة الوساطة المتعلقة بالسودان تعاني من “التشتت والتعارض الهيكلي” بين المبادرات المختلفة، الأمر الذي يضعف فرص الوصول إلى إطار موحد لإنهاء الحرب.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس لجنة التدريب والدراسات، عبد الله قريضة، أن مسار الرباعية يركز بدرجة أكبر على الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار والتفاوض المباشر مع الأطراف العسكرية.

أما المرشح لرئاسة لجنة العلاقات الخارجية، عبد الحليم آدم، فقال إن مسار الخماسية يمثل، بحسب رؤية البرلمان، إطاراً سياسياً أوسع للحل المدني الشامل.

وفي المقابل، انتقد مدير مكتب التمثيل السياسي، محمد البخيت، مبادرة الحوار التي طرحتها قيادة الجيش في بورتسودان، معتبراً أنها تمثل مساراً داخلياً لا يعالج جذور الأزمة ولا يضمن الوصول إلى عملية سياسية شاملة.

مخاوف من ترسيخ سلطتين

وتضع الوثيقة احتمال استمرار الانقسام الحالي ضمن أبرز المخاطر التي تواجه السودان خلال العامين المقبلين.

وتستعرض خمسة سيناريوهات محتملة لمسار البلاد خلال الـ24 شهراً المقبلة، وتضع سيناريو “التقسيم الواقعي المتصلب” في مقدمتها بنسبة 40%.

ويقوم هذا السيناريو، بحسب قراءة البرلمان، على استمرار سلطات الأمر الواقع في مناطق سيطرتها وتطور بنيتها السياسية والمؤسسية بصورة منفصلة، بما يجعل الانقسام أكثر صعوبة في المعالجة مستقبلاً.

ويربط البرلمان بين هذا الاحتمال وبين تعثر المبادرات السياسية واستمرار العمليات العسكرية وتعدد مراكز القرار وتنامي التدخلات الخارجية، إلى جانب احتمال تحول المبادرات الداخلية المتوازية إلى مظلات سياسية للسلطات القائمة على الأرض بدلاً من إنهاء الانقسام.

المجموعات القاعدية في مواجهة فراغ الدولة

وفي مقابل الصراع بين الأطراف العسكرية والسياسية، تضع الوثيقة وزناً كبيراً للدور الذي لعبته المجموعات القاعدية منذ اندلاع الحرب.

وقال الأمين العام لبرلمان الشباب، منذر مصطفى، لـ(دبنقا) إن غرف الطوارئ والمبادرات النسوية والمجموعات الشبابية وغيرها من الشبكات المحلية أدت دوراً وصفه بـ”البطولي” في الحفاظ على تماسك المجتمعات وتقديم الخدمات والإغاثة، خلال فترات تراجعت فيها مؤسسات الدولة والأطراف المتحاربة عن أداء مسؤولياتها تجاه المدنيين.

ويرى مصطفى أن دعم هذه المجموعات لم يعد قضية إنسانية فقط، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بمستقبل العملية السياسية ووحدة البلاد.

وتضع الوثيقة هذا الدور في سياق أزمة إنسانية واسعة، وتشير إلى أن 19.5 مليون شخص يواجهون انعدام أمن غذائي حاد، فيما يوجد أكثر من 135 ألف شخص في مرحلة الكارثة والمجاعة.

تمويل محدود ودعوات لمضاعفة الدعم

وقال مصطفى إن حجم التمويل المتاح حالياً للمجموعات القاعدية لا يتجاوز نحو 20% من حجم الاحتياجات الفعلية المرتبطة بالأزمة، معتبراً أن هذا المستوى من الدعم لا يتناسب مع حجم الدور الذي تقوم به تلك المجموعات.

وأكد أن مضاعفة الدعم لغرف الطوارئ والمبادرات النسوية والشبابية وغيرها من الشبكات المحلية تمثل ضرورة للحفاظ على وحدة السودان وتسريع استعادة الاستقرار.

ويرى أن تعزيز هذه المجموعات يمكن أن يساعد أيضاً في نقل مركز العمل السياسي من النخب والمؤسسات التقليدية إلى قاعدة مدنية أوسع وأكثر اتصالاً بالمجتمعات المتأثرة بالحرب.

نقل مركز العمل السياسي

ولا تقف رؤية برلمان الشباب عند دعم العمل الإنساني، بل تتجه إلى منح هذه المجموعات دوراً أكبر في صناعة القرار السياسي.

وأشار مصطفى إلى أن البرلمان يسعى خلال دورته المقبلة إلى توفير مساحة أوسع لتمثيل غرف الطوارئ والمجموعات النسوية والشبابية وغيرها من القوى القاعدية، وإيجاد مسار آمن وفعال لمشاركتها في العملية السياسية.

ويرى أن إعادة الاستقرار إلى السودان تتطلب “تحويل مركزية العمل السياسي إلى مركز مدني”، بحيث تصبح القوى التي حافظت على المجتمعات خلال الحرب جزءاً أساسياً من تحديد شكل السلام والانتقال المقبل.

وأضاف أن الوصول إلى نهاية فعلية للحرب وبداية انتقال سياسي جديد لن يكون ممكناً، في تقديره، من دون مضاعفة دعم المجموعات القاعدية ومنحها موقعاً حقيقياً في العملية السياسية.

وتستند هذه الرؤية إلى قناعة بأن القوى المدنية التقليدية وحدها لن تكون قادرة على إعادة بناء العملية السياسية إذا لم يتم إشراك الشبكات التي تشكلت داخل المجتمعات المحلية خلال سنوات الحرب.

دورة جديدة لبرلمان الشباب

وتكتسب الوثيقة بعداً داخلياً أيضاً، إذ تأتي مع اقتراب نهاية الدورة الانتخابية الأولى لبرلمان الشباب، التي بدأت في سبتمبر 2024 وتنتهي في سبتمبر 2026.

ويستعد البرلمان لدورة جديدة تمتد حتى سبتمبر 2028، ومن المتوقع أن تشهد تغييرات جوهرية في قياداته وهياكله.

وفي السياق ذاته، قال المرشح لمنصب نائب الأمين العام، معاوية محمد آدم، إن البرلمان يدخل دورته الثانية بما وصفه بأصول مؤسسية وشرعية ميدانية متراكمة، يرى أنها تمثل قاعدة للانطلاق في تنفيذ استراتيجيته الجديدة.

وتتضمن الخطة الجديدة تأسيس 18 برلماناً ولائياً، وإنشاء سجل رقمي آمن يستهدف خمسة آلاف عضو، مع تمثيل لا يقل عن 60% للنساء والنازحين، إلى جانب إنتاج 24 ورقة سياسات وتقارير رصد حقوقية.

كما يسعى البرلمان إلى تعزيز ما يسميه “الدبلوماسية المدنية”، بهدف ضمان تمثيل الشباب والمجموعات القاعدية في أي ترتيبات مستقبلية للسلام والانتقال الديمقراطي.

dabangasudan.org