حوار البرهان.. تموضع أم شرعنة
حوار البرهان.. تموضع أم شرعنة؟
أحمد عثمان جبريل
❝حين تمتلك السلطة القوة.. يصبح السؤال الأخطر: هل تبحث عن طريقٍ إلى الدولة، أم عن طريقٍ يجعل بقاءها داخل الدولة يبدو شرعياً؟❞
تقول الحكاية التي روتها كتب التاريخ: إن أوكتافيان، بعد أن حسم الحرب الأهلية في روما، صار صاحب القوة الأكبر.. لكن روما لم تكن مستعدة لكلمة (ملك).. لذلك، في سنة 27 قبل الميلاد، أعاد في الظاهر بعض السلطات إلى مجلس الشيوخ، وقبل لقب (أغسطس)، بينما احتفظ بمفاتيح القوة. لم تكن المسألة امتلاك السلطة وحدها.. بل إعادة تقديمها في صورة يمكن للمؤسسات أن تتعايش معها.
في مقالنا بالأمس سألنا: لماذا هذا الحوار؟.. واليوم نسأل السؤال الذي قد يكون أخطر: “ماذا يريد البعض أن يفعل بمخرجاته؟”
(1)
البرهان يحكم الآن.. ولذلك لم يعد السؤال: كيف يصل إلى الحكم؟ بل: كيف يريد أن يدخل السودان الذي سيولد بعد الحرب؟
حين يعلن بدء حوار مع القوى الوطنية التي (ساندت الدولة) ويربط ذلك بإشراكها في استكمال مؤسسات الحكم، ومنها المجلس التشريعي، فإننا لا نكون أمام جلسة كلام عابرة.. بل أمام محاولة لرسم ملامح اليوم التالي.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام تموضع سياسي للبرهان.. أم أمام تأسيس شرعية جديدة للسلطة القائمة؟
(2)
التموضع شيء.. والشرعنة شيء آخر..
التموضع هو إعادة ترتيب الموقع استعداداً لمرحلة قادمة.. أما الشرعنة فهي تحويل واقع قائم إلى صيغة سياسية أو دستورية تمنحه حق الاستمرار.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: “من حضر الحوار؟.. بل علينا أن نسأل: من اختار المشاركين؟.. من يحدد أوزانهم؟.. ومن يكتب المخرجات؟.. ومن يملك تحويلها إلى مؤسسات؟”
فإذا انتهى الحوار إلى ترتيبات تحكم المرحلة المقبلة، فإنه لا يكون قد ناقش المستقبل فقط.. بل قد يكون شارك في صناعة شرعية الحاضر.
(3)
والقلق لا يأتي من فراغ..
فخلال عام 2025 برزت ترتيبات دستورية وسياسية عززت موقع مجلس السيادة، وفتحت الطريق أمام استكمال مؤسسات الحكم الانتقالي.. كما ظهرت، في المقابل، أفكار داخل دوائر سياسية مرتبطة بالنظام السابق تتحدث عن (مشروعية دستورية) وتفويض شعبي للقوات المسلحة..
لا نقول إن تلك الأفكار هي خطة البرهان.. ولا نملك دليلاً على أن الحوار يسير وفقها.
لكن من حق السودانيين أن يسألوا:
ماذا يعني أن تظهر فكرة (تفويض الشعبي للقوة العسكرية).. ثم يأتي حوار يفتح الطريق لاستكمال مؤسسات الحكم؟
(4)
وهنا تدخل الحاضنة القديمة من الباب الأكثر حساسية..
فالنظام البائد لا يحتاج بالضرورة إلى أن يعود باسمه القديم حتى يعود تأثيره.. فالإرث السياسي والتنظيمي لا يموت بمجرد سقوط رأس السلطة..
والحاضنة، إن أرادت العودة، قد لا تحتاج إلى منصة في الصف الأول.. يكفيها أن تتسيد مواقعها في
دولاب الدولة:
الوزارة.. الولاية.. المؤسسة.. الإدارة.. المجالس.. الخدمة المدنية.. وكل درجات السلم الذي تصعد عليه الدولة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من أسماء الوزراء وأعضاء المجالس:
(هل يعاد بناء دولة ما بعد الحرب.. أم يعاد تمكين شبكة سياسية داخل الدولة؟)
(5)
الحكم لا يُمارس من القصر وحده..
قد يتغير الوزير وتبقى شبكة المصالح.. وقد يختفي الاسم القديم وتبقى الفكرة القديمة في مفاصل القرار..
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط: من سيجلس في المجلس التشريعي؟.. بل: من سيجلس في الخدمة المدنية؟.. من سيُعيّن؟.. من يملك مفاتيح المال؟.. ومن يدير المؤسسات في الولايات والمركز؟
فالعودة الأخطر ليست أن تظهر الوجوه القديمة في الصفوف الأولى.. وإنما أن نكتشف، بعد فوات الأوان، أن (الصفوف الوسطى والخلفية قد امتلأت بمن يحملون الأفكار ذاتها.)
(6)
وهنا تتقاطع صورتان..
البرهان قد يحتاج إلى تموضع سياسي يضمن موقعه في السودان القادم.. والحاضنة القديمة قد تبحث عن تموضع إداري يعيد حضورها داخل الدولة.
الأول يبحث عن شرعية في السلطة.. والثانية قد تبحث عن نفوذ في جسد الدولة.
وإذا التقى المساران، فلن يكون الأمر مجرد تغيير في الوجوه.. بل إعادة تشكيل لمعادلة الحكم.
وعندها يصبح السؤال أكثر خطورة:
(هل تكون مخرجات الحوار جسراً إلى انتخابات حرة وشرعية شعبية.. أم جسراً يعبر فوق الانتخابات إلى شرعية تُصنع أولاً داخل مؤسسات المرحلة؟)
(7)
هنا نعود إلى أوكتافيان..
لم يحتج إلى إعلان موت الجمهورية كي يؤسس نظاماً جديداً.. أبقى على كثير من أشكالها، وأعاد توزيع القوة داخلها، حتى أصبح الواقع الجديد قابلاً للحياة تحت غطاء مؤسسات تبدو مألوفة.
لا نقارن روما بالسودان.. ولا البرهان بأوكتافيان.. وإنما نستدعي سؤال التاريخ:
هل يمكن أن تتغير صورة السلطة.. بينما تبقى حقيقتها في مكانها؟..
هل هو تموضع للبرهان استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب؟.. أم شرعنة لواقع السلطة القائم؟..
وهل تتجه الحاضنة القديمة إلى العودة إلى السياسة.. أم إلى ما هو أعمق: “العودة إلى دولاب الدولة، بوجوه جديدة وعناوين جديدة؟”
لا نملك أن نقول إن هناك مخططاً مكتمل الأركان.. ولا أن نجزم بأن مخرجات الحوار قد حُسمت.
لكننا نملك حق قراءة الوقائع وهي تتجاور..
سلطة تمسك بالقوة.. ترتيبات دستورية تعزز موقعها.. حوار يتجه نحو استكمال مؤسسات الحكم.. ومجلس تشريعي يلوح في الأفق.. وأفكار سياسية سابقة تحدثت عن مشروعية دستورية وتفويض شعبي للقوات المسلحة.
من هنا لا يصبح السؤال اتهاماً.. بل يصبح “واجباً عاماً”:
من سيخرج من هذا الحوار أقوى؟..(الدولة أم السلطة؟.. الشعب أم الحاضنة القديمة؟)
ما نود قوله هنا: السودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الماضي داخل مؤسساته.. ولا إلى شرعية تُصنع في الغرف قبل أن يمنحها الناس في العلن.
فالشرعية التي تستحق البقاء هي التي لا تخشى صندوق الانتخابات.. ولا رقابة الشعب.. ولا تحتاج إلى إخفاء الوجوه خلف عناوين جديدة.
ومضة:
❝راقبوا مخرجات الحوار.. فهناك فرق بين أن يصنع الحوار دولةً جديدة، وأن يصنع للسلطة غطاءً جديداً.❞
توقيع أفق الحرف..
أفقٌ يترفق باتساعه ليقول:
حين تتغير الوجوه.. لا تنظروا إلى الواجهة وحدها؛ انظروا إلى اليد التي تمسك بمفاتيح الدولة.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
altaghyeer.info