خبر ⁄سياسي

سلم الطائرة ليس منصة تكريم..

سلّم الطائرة ليس منصة تكريم..!‏

خالد أبوأحمد

عادت مغنية سودانية معروفة إلى مطار الخرطوم الدولي على متن رحلة لإحدى شركات الطيران، فاستقبلها عند سلم الطائرة ‏حضور رسمي لافت، وتناقلت مقاطع الفيديو المشهد على نطاق واسع، وانقسمت المنصات بين مؤيد ومنتقد، وما تزال القضية ‏تشغل الرأي العام السوداني إلى اليوم [سودافاكس، تقرير عن الجدل المصاحب لعودة الفنانة إلى مطار الخرطوم]، والجدل في ‏جوهره ليس جدلاً حول شخص المغنية ولا حول مكانتها الفنية، بل حول سؤال أعمق: من يملك حق الوقوف عند سلم الطائرة، ‏ومن يملك حق منح هذا الامتياز؟.‏

في المراسم الدولية، الاستقبال عند سلم الطائرة هو أعلى درجات التشريفات وأضيقها نطاقاً، يُمنح لرؤساء الدول ورؤساء ‏الحكومات في زيارات الدولة والزيارات الرسمية، ولأولياء العهود ونواب رؤساء الدول ومن في مرتبتهم، وفي حالات محدودة ‏لرؤساء المنظمات الدولية الكبرى. أما ما دون ذلك من وزراء وكبار المسؤولين فيُستقبلون في صالة كبار الزوار أو عند بابها، ‏ما لم تقتضِ ظروف الزيارة رفع مستوى التشريفات بقرار سيادي‎.‎

لا توجد اتفاقية دولية واحدة تنظم هذه التفصيلة بنص ملزم، اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الموقّعة في الثامن عشر من أبريل ‏‏1961 نظّمت الحصانات والامتيازات وطبقات رؤساء البعثات وقواعد أسبقيتهم، ولم تتعرض لشكل الاستقبال في المطارات ‏‏[اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، 1961، المواد 14-18]، وجذر قواعد الأسبقية أقدم من ذلك، إذ وضعت لائحة مؤتمر فيينا ‏لعام 1815 تصنيف المبعوثين، وجعلت المادة الرابعة منها ترتيب أعضاء السلك الدبلوماسي من الطبقة الواحدة محكوماً بتاريخ ‏الإخطار الرسمي بوصولهم، ثم أضاف مؤتمر آخن في الحادي والعشرين من نوفمبر 1818 طبقة رابعة، وظلت هذه اللائحة ‏أساس تنظيم الدبلوماسية الحديثة إلى اليوم، حتى أُدرجت أحكامها في اتفاقية 1961 عند تقنين الأعراف والممارسات‎ ‎‎[Oxford Public International Law، مادة: فيينا وتقنين القانون الدبلوماسي‎].‎

ما يحكم التطبيق العملي إذن هو العرف الدولي والمجاملة الدولية ومبدأ المعاملة بالمثل، مترجَماً إلى لوائح وطنية تصدرها كل ‏دولة وتنفذها إدارة المراسم في وزارة الخارجية بالتنسيق مع رئاسة الدولة وسلطة الطيران المدني وأمن المطار [دليل ‏البروتوكول والمراسم، منى جاسم الزايد، سلسلة دراسات معهد البحرين للتنمية السياسية، 2020]، والقاعدة الذهبية في هذه ‏اللوائح هي المساواة: بعض الدول لا تجري استقبالاً رسمياً في المطار أصلاً، وبعضها لديه قواعد تحدد مستوى استقبال القادة ‏الزائرين، والأساس في كل الأحوال أن تُطبَّق هذه القواعد بالتساوي بين جميع الزائرين للدولة نفسها [الأهرام اليومي، أوراق ‏دبلوماسية: مراسم الزيارات الرئاسية]‏‎.‎

والمعيار الحاسم ليس شخص القادم بل نوع زيارته ومستواها، فالزيارات تُصنَّف تنازلياً إلى زيارة دولة، فزيارة رسمية، ‏فزيارة عمل، فزيارة خاصة، وهذا التصنيف ليس شكلياً، إذ يحدد التشريفات العسكرية وحرس الشرف والسلامين الوطنيين ‏وطلقات المدفعية ومشاركة رئيس الدولة المضيف نفسه في مراسم الوصول‎ [Model Diplomat‎، دليل الزيارات الرسمية ‏وزيارات الدولة وزيارات العمل‎] ‎وحتى في أرقى هذه المستويات يبقى المشهد منضبطاً: ينتظر المضيف على مسافة قصيرة من ‏الطائرة، ويتولى رئيس المراسم وسفير دولة الضيف اصطحاب القادم إلى مكان المضيف، ثم إلى منصة الشرف [سبق، تقرير ‏عن مراسم الاستقبالات الرسمية في الزيارات الخارجية]‏‎.‎

هنا تحديداً تظهر المفارقة السودانيةK‏ فالمساحة المحيطة بالطائرة ليست ساحة عامة ولا مكاناً للترحيب العاطفي، بل هي أشد ‏أجزاء المطار تأميناً، الملحق السابع عشر لاتفاقية شيكاغو، وهو الملحق المخصص لأمن الطيران، والذي اعتمده مجلس ‏منظمة الطيران المدني الدولي في مارس 1974 وصدر بست لغات من بينها العربية، يلزم الدول المتعاقدة بضبط الدخول إلى ‏مناطق الحرم الجوي منعاً للدخول غير المصرّح به، وبإنشاء مناطق أمنية مقيّدة في كل مطار معيّن بناءً على تقييم للمخاطر، ‏وبتطبيق أنظمة لتحديد هوية الأشخاص والمركبات لا يُمنح الدخول بموجبها إلا لمن لديه حاجة تشغيلية ثابتة، مع إخضاع غير ‏المسافرين للتفتيش قبل دخولهم [الملحق السابع عشر لاتفاقية شيكاغو، منظمة الطيران المدني الدولي، الفصل الرابع]. والمنطقة ‏الملاصقة للطائرة هي الجزء الحرج من المنطقة الأمنية المقيّدة، وهو أعلى نطاقات المطار حساسية‎.‎

معنى ذلك أن ما جرى ليس خرقاً لبروتوكول تشريفات فحسب، بل استخدام لتصريح أمني في غير موضعه، المغنية لم تمنح ‏نفسها هذا الامتياز، ولا تملك أصلاً أن تمنحه لنفسها؛ الذي منحه جهة رسمية اتخذت قراراً بفتح أخطر نقطة في المطار أمام ‏استقبال احتفالي، والسؤال الذي ينبغي أن يُوجَّه ليس إليها، بل إلى من أصدر التصريح، وإلى من رتّب الحضور الأمني ‏والعسكري، وإلى سلطة الطيران المدني المسؤولة عن سلامة المرافق التي تعمل أصلاً بطاقة استثنائية بعد سنوات من التوقف‎.‎

ويزيد المشهد ثقلاً أن مطار الخرطوم عاد إلى الحياة قبل شهور قليلة فقط، إذ هبطت أول طائرة ركاب فيه قادمة من بورتسودان ‏بعد توقف قارب الثلاثة أعوام بسبب الحرب [هيئة الطيران المدني السودانية، عبر وكالة الصحافة الفرنسية والجزيرة]، وفي ‏المقابل، عاش العائدون من الخارج عبر مطار بورتسودان ساعات انتظار طويلة دون صالات مهيأة، بينما بقيت صالة كبار ‏الشخصيات وحدها جاهزة [أفريقيا برس، تقرير عن أوضاع مطار بورتسودان]. المواطن العائد إلى بلده يقف في العراء، ‏والاستقبال المرتّب يقع عند سلم الطائرة. هذه المسافة بين الحالين هي مادة الغضب الشعبي، لا مقاطع الفيديو‎.‎

يبقى السؤال الذي لم تجب عنه أي جهة رسمية حتى كتابة هذه السطور: بأي صفة استُقبلت هذه المغنية عند سلّم الطائرة، وهي ‏مواطنة سودانية عائدة إلى بلدها، لا تحمل صفة رسمية ولا تمثل دولة ولا منظمة؟ ومن الجهة التي أصدرت التصاريح التي ‏أتاحت لها ولمرافقيها دخول المنطقة الأمنية المقيّدة، وعلى أي أساس تشغيلي تستند إليه لوائح أمن الطيران؟ وهل خضع ‏الداخلون إلى ساحة الطائرة للتفتيش الذي تفرضه هذه اللوائح على غير المسافرين؟ وبأي أمر صدر حضور رسمي وأمني في ‏موقع لا تقتضيه مهامه، ومن يتحمل كلفة توظيفه في مناسبة لا صفة رسمية لها؟ ولماذا اتسعت ساحة الطائرة لهذا الاستقبال ولم ‏تتسع صالة الوصول لمواطنين انتظروا ثلاثة أعوام ليعودوا إلى بلدهم؟

أسئلة تُطرح على من يملك جوابها، وسكوته عنها جواب في ذاته.‏

altaghyeer.info