خبر ⁄سياسي

توباك شاكور: من الهامش إلى قلب التاريخ

 

توباك شاكور: من الهامش إلى قلب التاريخ
ماجد عرمان

توباك شاكور خرج إلى المشهد في تسعينيات القرن العشرين، ثم غاب كما تغيب أسماء كثيرة في ذاكرة الفن. لكنه كان أكثر تعقيدا وأشد حضورا، شاعرا يرتدي قناع المتمرد، ومتمردا يسكنه قلب شاعر، وفنانا عاش بين الرقة والعنف، بين الحلم والشارع، بين الثورة والشهرة، وبين الإنسان الذي يريد أن يغير العالم والرجل الذي كان أحيانا يكتوي بالنار التي حاول أن يحاربها.
ولد توباك أمَارو شاكور في نيويورك سنة 1971، ونشأ في بيئة سياسية واجتماعية مشبعة بالاحتجاج والنضال، فقد كانت والدته أفيني شاكور مرتبطة بحركة الحقوق المدنية وبحركة الفهود السود. ثم انتقلت الأسرة إلى بالتيمور، ومنها إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو، حيث بدأ الشاب الذي سيعرفه العالم لاحقا باسم 2Pac في تشكيل ملامح صوته وشخصيته. ومنذ تلك السنوات المبكرة كان يبحث عن اللغة التي يستطيع بها أن يقول ما يراه ويعيشه، الفقر، والعنصرية، وغضب الأحياء المهمشة، والشرطة، والخوف من المستقبل، والحب، والأم، والشارع، والموت.
بدأ من الشعر قبل أن يبدأ من الراب. ففي شهادة أدلى بها عام 1995 خلال قضية قضائية، حين كان في الرابعة والعشرين، سُئل عن علاقته بالموسيقى، فقال إنه بدأ بكتابة الشعر في المرحلة الإعدادية والثانوية، ثم أخذ يكتب الشعر ويغني الأغاني، واكتشف أن الغناء يجذب إليه اهتماما أكبر. وحين سُئل عن الراب، قال إن الراب كان حاضرا في الطريقة التي يكتب بها الشعر أصلا.
كان تعريفه للراب أبعد من الإيقاع. تحدث عن الشعر حين يرتبط بالموسيقى، وعن أهمية طريقة الكتابة وبنيتها، ورأى أن الموسيقى تساعد في تقديم العمل وبيعه، لكنها لا تختصر ماهيته.
ثم انتقل المحقق إلى سؤال أكثر تحديدا، ماذا تسمي هذا النوع من الموسيقى؟ وجاء المصطلح الذي التصق باسم توباك لاحقا: “Gangsta Rap” (راب العصابات). لكن توباك لم يجد نفسه في هذه التسمية. قال ببساطة إنه لا يعرف أصلا ماذا يعني هذا المصطلح، ثم وصف موسيقاه بأنها “موسيقى عن البقاء”. انها مسافة واضحة بين الفنان والصورة التي كانت ترسم له من الخارج، هو يتحدث عن تجربة يعيشها، بينما يحاول الآخرون وضع تلك التجربة في خانة جاهزة.
“البقاء” كلمة تستحق أن تبقى إلى جانب اسمه.
فهي أقرب إلى العالم الذي كان يتحدث منه: حي فقير، عنف، شرطة، خوف، رغبة في الخروج، ومحاولة مستمرة لأن يجد الإنسان لنفسه مكانا في عالم يشعر أحيانا أنه لم يترك له مكانا.
اختصار توباك في صورة “رجل الشارع” ينتقص من جوهر تجربته. الشارع الذي عرفه منذ بداياته كان فضاء للشعر بقدر ما كان فضاء للخوف والعنف؛ ومنه جاءت لغة تتسع للسلاح والجريمة، ثم تنعطف نحو الأم والطفل والحب والوحدة. عاش هذه المتناقضات في يومياته، فجاءت كلماته مشبعة بها، مكتوبة من قلب حياته نفسها.
كان الراب عنده أقرب إلى الأدب الشفهي؛ مساحة للكلمة حين تضيق المنابر، وللتجربة حين تبحث عن لغة تقولها. منح صوت الشارع إيقاعا آخر، وأدخل تفاصيل الحياة اليومية إلى فضاء أوسع من الحي الذي عرفه. وجد كثيرون في كلماته صدى لحياتهم؛ للفقر الذي عرفوه، والخوف الذي عاشوه، والرغبة في النجاة التي تشبههم. وفي عام 1996 صدر All Eyez on Me، الذي أصبح من أشهر أعماله ورسخ مكانته في تاريخ الهيب هوب.
ومع الشهرة اتسعت الصورة المحيطة به.
الألبومات والحفلات والصحافة والمال والجمهور جعلت توباك أكبر من فنان يسجل أغانيه. اتسعت صورته في الفضاء العام، وصار كل ما يفعله مادة للخبر والخصومة والموقف.
كان الصراع بين ساحلي الهيب هوب الأمريكي، الشرق والغرب، في أشد مراحله احتقانا. وكان خلافه مع ذا نوتوريوس بي.آي.جي. The Notorious B.I.G. من أكثر وجوه ذلك الصراع شهرة، وسط علاقات متشابكة بين الفنانين وشركات الإنتاج والدوائر الاجتماعية.
وفي تلك البيئة أخذت الموسيقى تقترب من الشارع أكثر مما ينبغي. كان توباك نفسه عالقا داخل الصورة التي صنعتها شهرته، الرجل الذي لا يخاف، يرد على الإهانة، ولا يسمح لأحد بأن يمس كرامته. وهذه الصورة، التي كانت تمنحه حضورا أمام الجمهور، كانت تضيق في الوقت نفسه على الإنسان الموجود خلفها. في شهادة المحكمة نفسها، بدا موقفه من الشرطة أكثر تعقيدا مما توحي به صورته المتداولة. حين عرضت عليه كلمات يقول فيها إنه لا يحب الشرطة، أوضح أنه يقصد الشرطة التي أساءت معاملته، وأنه يستطيع أن يحترم الشرطي الذي يؤدي عمله بعدل ويضع حياته على المحك من أجل عمله. المشهد أكثر تعقيدا من الصورة التي علقت باسمه. توباك كان ينتقد الشرطة بعنف، لكنه لم يتحدث عن كل شرطي باعتباره عدوا. كان يفرق بين تجربة شخصية ومؤسسة، وبين رجل يرتدي الزي وبين الطريقة التي يمكن أن تستخدم بها السلطة. وحين سُئل إن كان يعرف أشخاصا أطلقوا النار على رجال شرطة بعد الاستماع إلى موسيقاه، رفض الفكرة التي بدأت وسائل الإعلام في تداولها، مشيرا إلى أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم لم يقولوا إن موسيقاه هي التي دفعتهم إلى ذلك، وإنما جاءت هذه الرواية من التغطية الإعلامية. كانت هذه نقطة جوهرية في القضية، أين تنتهي مسؤولية الفنان عن كلماته، وأين تبدأ مسؤولية الشخص الذي يسمعها؟ السؤال قديم، لكن توباك عاشه بصورة مباشرة. كان يطلب منه أن يفسر الكلمات التي يكتبها، ثم أن يتحمل ما قد يفعله آخرون بها. كان الفن بالنسبة إليه وسيلة لوصف عالم عنيف، بينما كان خصومه يرون في وصف العنف احتمالا لصناعته. وفي عام 1995، بينما كانت هذه الأسئلة تحيط به، أخذ اسم توباك يحتل مساحة أوسع من المشهد العام، حتى غدا من الصعب على الجمهور الفصل بين الأغنية وصاحبها.
ثم جاءت السنوات الأخيرة من حياته بسرعة شديدة. في السابع من سبتمبر 1996، كان توباك في لاس فيغاس بعد حضوره مباراة للملاكم مايك تايسون. وقع اشتباك سابق مع أورلاندو أندرسون، وبعد ساعات أُطلقت النار على السيارة التي كان يستقلها توباك مع ماريون سوج نايت. أصيب بأربع رصاصات، ونقل إلى المستشفى، وبقي يصارع الموت ستة أيام. في 13 سبتمبر 1996 توفي وكان عمره خمسة وعشرين عاما. خمسة وعشرون عاما تكفي لصناعة شهرة كبيرة، لكنها لا تكفي لمعرفة الرجل الذي كان يمكن أن يصبحه. بقي جزء من توباك خارج سيرته، في السنوات التي لم تأت، ماذا كان سيغني لو بلغ الأربعين؟
هل كان سيذهب إلى السياسة، أو الأدب، أو السينما؟ هل كانت السنوات ستمنحه مسافة عن الغضب الذي عاش داخله، أم كان سيظل الصوت نفسه؟ هذه الأسئلة لا تملك إجابة، وربما لهذا بقيت حاضرة.
ظلت قضية مقتله مفتوحة لعقود. في عام 2023 أُلقي القبض على دوين «Keffe D» ديفيس، الذي اتهمته السلطات بالضلوع في تنظيم الهجوم. وفي 31 أغسطس 2026 أدانته هيئة محلفين في لاس فيغاس بتهمة القتل من الدرجة الأولى. ديفيس لم يكن مطلق النار، لكن الادعاء اعتبره منظما للهجوم ومشاركا في تدبيره. بعد نحو ثلاثين عاما، عاد اسم توباك إلى الأخبار من خلال المحكمة، بينما كان صوته قد قطع خلال تلك السنوات طريقا آخر، من التسجيلات القديمة إلى أجيال جديدة لم تعرفه. خرج توباك من هامش اجتماعي وثقافي محدد، ثم صار جزءا من الثقافة العالمية، من دون أن يفقد تماما أثر المكان الذي جاء منه. صوته أخذ ذلك الهامش إلى أماكن بعيدة، وظلت معه الأسئلة التي رافقت تجربته واتسعت إلى ما هو أبعد من سيرته. كلما عاد صوته، عاد معه شيء من ذلك الغياب. أما الرجل الذي كان يمكن أن يكونه، فما زال يسكن المساحة المفتوحة بين ما عاشه وما لم يعشه. وصوته ما زال يجد طريقه إلى أناس لم يلتقوا به قط.

altaghyeer.info