خبر ⁄سياسي

فى البدء ..كانت العبودية: الجذر الخفي للحروب الحديثة 33

فى البدء ..كانت العبودية: الجذر الخفي للحروب الحديثة 33

 

فى البدء …..كانت العبودية: الجذر الخفي للحروب الحديثة (3-3)

دكتور صابر ابوسعدية (افريكا)

3 سبتمبر 2026

 

المقدمة:

لا يمكن فهم الجذور الممتدة للحروب والنزاعات المستمرة في السودان بمعزل عن التكوين التاريخي والاجتماعي للدولة السودانية. وإن فهم المعاناة الراهنة لا يكتمل إلا بالعودة الحثيثة إلى أصل الداء: العبودية، الاستعمار، والعنصرية. لقد أفرزت هذه الثلاثية ثقافة استعلاء تفرعت عنها كراهية متجذرة في الوجدان العام. وعلى الرغم من أن الكراهية ليست حتمية بالضرورة، إلا أنها أصبحت نتاجاً طبيعياً للتراكمات التاريخية التي تُركت دون مواجهة حقيقية. إن الخطورة تكمن في التعاطي مع العبودية كواقعة تاريخية قديمة طُويت صفحاتها، بينما تفكيك أزمات الحاضر يتطلب رؤيتها كمؤسسة أعادت تشكيل الاقتصاد، السياسة، المجتمع، وحتى التراث والوعي الثقافي.

لفهم هذا الموروث المعقد، يجب  تفكيك المفاهيم و التمييز الدقيق بين آليات الهيمنة المتداخلة. العبودية مثلت نظاماً اقتصادياً واجتماعياً سلب الإنسان إرادته وحول أجساد الضعفاء إلى سلع، بينما الاستعمار وظّف هذه التناقضات المجتمعية بذكاء لترسيخ سلطته عبر سياسات “فرق تسد”. أما العنصرية والاستعلاء العرقي، فهما الإطار الأيديولوجي الذي برر الممارسات الاستغلالية وأنتج ثقافة كراهية ترفض الآخر. وفي ظل غياب المشروع الوطني في الدولة السودانية الحديثة، تحولت القبيلة من مكون اجتماعي يثري التنوع إلى “رافعة سياسية” ومؤسسة احتكارية لتوزيع الوظائف واكتساب المكانة الاجتماعية، مما عمق الشعور بالغبن المتبادل وأعاد إنتاج ديناميكيات الاستعباد بأشكال مؤسسية معاصرة.

إن السؤال المركزي الذي يفرضه واقعنا ليس سؤالاً تقييمياً ماضوياً حول من استعبد من؟ بل هو سؤال تحليلي أعمق: كيف أعادت العبودية تشكيل العلاقات الاجتماعية والهوية؟ أنتج موروث العبودية بنية هوية مشوهة قائمة على النفي والمفاضلة. أصبح النسب والنقاء العرقي المتخيل المعيار الأساسي للشرف والشرعية، مما دفع مجتمعات كاملة للهروب إلى أصول متخيلة أو الشعور بالدونيات المتوارثة. انعكس ذلك بشكل مباشر على تشكيل الدولة الحديثة، حيث احتكرت النخب الصاعدة من مراكز القوة التاريخية الامتيازات الاقتصادية والسياسية، بينما ظلت الهوامش تُعامل كخزانات للموارد أو مناطق هامشية.

هذه الديناميكية هي السلسلة الممتدة التي تُنتج حروب الحاضر؛ فالنزاعات في دارفور، جنوب كردفان، والنيل الأزرق، وصولاً إلى الانفجار الشامل في الخرطوم والولايات السودانية، ليست سوى انفجارات لمرارات متراكمة ولّدها الشعور بالتهميش التاريخي والاستعلاء المؤسسي.

 

الجذور التاريخية للعبودية في السودان

شهدت منطقة السودان ممارسة العبودية منذ العصور القديمة، حيث كان أسرى الحروب ظاهرة منتظمة في وادي النيل وأفريقيا. خلال فتوحاتهم، كان المصريون يُؤخذون كعبيد من قبل النوبيين، وفي المقابل، كان النوبيون يأخذون عبيداً بعد الانتصار على الليبيين والكنعانيين والمصريين. مع الفتح العربي لمصر، جرت محاولات متعددة لاحتلال الممالك النوبية المسيحية، لكن المقاومة النوبية حالت دون ذلك، مما أدى إلى توقيع معاهدة البقط عام 652م. بموجب هذه المعاهدة، تعهد النوبيون بتزويد جيرانهم الشماليين بـ 360 عبداً سنوياً مقابل التوابل والحبوب، واستمرت هذه المعاهدة لمدة 600 عام.

في القرن التاسع عشر، تطورت تجارة الرقيق في السودان لتصبح مؤسسة تجارية منظمة. وصف المستكشف البريطاني والمحارب صمويل بيكر، الذي زار الخرطوم عام 1862، العبودية بأنها “الصناعة التي أبقت الخرطوم مدينة صاخبة”. وثق بيكر كيف كانت جماعات من تجار الرقيق تبحر في النيل، وتحيط بالقرى الأفريقية ليلاً، ثم تهاجمها فجراً، وتأسر النساء والأطفال وتجمع الماشية والمحاصيل.

كيف أعادت العبودية تشكيل العلاقات؟

إن مقاربة العبودية في السودان من زاوية “من استعبد من؟” قد تقودنا إلى متاهة اتهامات متبادلة، تعيد إنتاج الصراع نفسه بدلاً من تفكيكه. الأهم هو الانتقال إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف أعادت العبودية تشكيل العلاقات الاجتماعية والهوية والصراعات؟ وكيف ما زالت آثارها تُنتج أزمات الحاضر؟

العبودية كنظام اقتصادي واجتماعي مهيكل

منذ العصر التركي-المصري (1821)، أصبحت تجارة الرقيق واحدة من أهم مصادر الدخل للسلطة الحاكمة والتجار المحليين. تم استخدام السودان كمصدر رئيسي للعبيد الذين يرسلون إلى مصر والشرق الأوسط، كما استخدم بعضهم للعمل داخل السودان في الزراعة وخدمة الجيش والإدارة.

هذا النظام لم يكن مجرد استغلال بشري، بل أعاد تشكيل العلاقات بين المجموعات السكانية. فقد أنتج نظرة دونية للعمل اليدوي، حيث كان يُنظر إلى الزراعة والأعمال الشاقة كمهام مخصصة للعبيد، مما خلق عائقاً هيكلياً أمام التنمية الاقتصادية الحديثة.  وصف الباحث مكلوغين كيف ساهم الرق في ترسيخ ثقافة احتقار العمل اليدوي، مما شكل تحدياً لتطوير الزراعة الحديثة بعد إلغاء الرق .

v    الاستعمار وإعادة إنتاج الهيمنة

عندما جاء الحكم الثنائي (الإنجليزي-المصري) عام 1898، بدأ إلغاء نظام الرق تدريجياً، لكنه استبدله بنظام العمل المأجور الذي أعاد إنتاج نفس التراتبية الاجتماعية. كما يوضح كتاب الدكتور أحمد العوض سكنجة “من رقيق إلى عمال: التحرير والعمل في السودان الكولونيالي”، اعتمدت الإدارة الاستعمارية على الخلفيات العرقية للعمال في توزيع المهام، حيث تم تخصيص الأعمال الشاقة أو ذات المكانة الاجتماعية المتدنية لفئات معينة، مما ساهم في ترسيخ التمييز العرقي في سوق العمل السوداني .

وهكذا، لم يكن الاستعمار مجرد احتلال أجنبي، بل عملية تحويل النخب المحلية إلى “مستعمر داخلي” يدير الدولة بعقلية الجباية لا التنمية. منذ عام 1956، ظل الاقتصاد السوداني موجهاً لخدمة مصالح فئة صغيرة من النخب التي تمركزت في الخرطوم ومدن الشمال النيلي، وأعادت إنتاج “الاقتصاد الاستعماري” الذي يراكم الثروة في المركز ويُعمّق الفقر في الأطراف . هذا التوجه تحول إلى نهب ممنهج لموارد الهامش: النفط في الجنوب، الذهب في دارفور، الثروة الحيوانية والغابية في كردفان وجبال النوبة والفونج، والأراضي الزراعية في مناطق متعددة. كل هذه الموارد تنهب لصالح المركز، دون أي عائد يُذكر للمجتمعات المحلية .

يحدد الباحث دوغلاس جونسون في كتابه “الأساس الجذري للحروب الأهلية السودانية” عدة أسباب هيكلية للحرب في السودان، يأتي في مقدمتها: “أنماط الحكم التي تطورت في الدول السودانية قبل القرن التاسع عشر، والتي أنشأت علاقة استغلالية بين السلطة المركزية للدولة وأطرافها أو هوامشها، بشكل رئيسي من خلال مؤسسات العبودية وغارات الرقيق، مما أوجد مجموعات من الشعوب ذات وضع غامض دائم تجاه الدولة”.

ويكمل جونسون قائلاً إن الفشل في التوصل إلى توافق وطني حول وحدة الأمة والتنمية الإقليمية وتوازن القوى بين الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية في سبعينيات القرن الماضي هو نتيجة طبيعية لهذا الإرث العميق من التمييز المؤسسي.

هنا يبرز دور القبيلة كآلية للتوظيف والمكانة الاجتماعية. ما يحدث في السودان ليس صراعاً قبلياً بالمعنى التقليدي، بل هو ما يمكن وصفه بـ “القبائلية”  أي تحويل الانتماء القبلي من نظام اجتماعي طبيعي إلى أداة للتمييز والإقصاء والسيطرة السياسية .

المفكر السوداني الراحل فرانسيس مادينق دينق يؤكد أن أزمة السودان ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي امتداد لصراع أعمق يرتبط بعدم الاعتراف بالتنوع الاجتماعي وتجاذب الهويات المختلفة. وهو يرى أن القبائلية كعقلية سلبية والتحيز القبلي المتطرف هما قوة فاسدة ومدمرة تستخدم لتهميش واستبعاد الآخرين .

نحو التحرر: هل تكمن الحلول في الدستور أم الوعي ؟

بعد هذا التشخيص، يبرز السؤال الأهم: كيف نتحرر من آثار العبودية النفسية والاجتماعية والسياسية؟ هل الحلول في الدستور والقانون، أم في زيادة الوعي؟

الانتقال من مجرد تدوين سرديات التاريخ إلى التحرر الفعلي من آثارها يتطلب استراتيجية متكاملة تدمج بين قوة الردع القانوني وعمق الإصلاح المجتمعي. الدستور والقانون هما حجر الزاوية؛ إذ يجب تجريم العنصرية وخطاب الكراهية بنصوص قطعية، وتأسيس نظام يضمن المساواة الكاملة في المواطنة والفرص. بالتوازي، يلعب الوعي الجمعي دوراً حاسماً عبر إعادة صياغة المناهج التعليمية لتنقية التراث الثقافي من شوائب الاستعلاء، وخلق مساحات حوارية تفكك العقد النفسية المتوارثة.

التجربة الرواندية تقدم هنا نموذجاً عملياً وملهماً. فقد استطاعت رواندا تجاوز إبادة جماعية وحشية عبر المزاوجة بين لجان “الجاكاكا” الأهلية للمصارحة والمصالحة، والمنع الدستوري الصارم لأي تمييز قبلي أو إثني في الفضاء العام والسياسي.

السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم، يحتاج فيه إلى شجاعة غير مسبوقة لمواجهة الذات والاعتراف بآلام الماضي وفظائعه لكسر دائرة الانتقام وبناء هوية وطنية جامعة تتسع للجميع، وتستبدل روابط الدم برابطة المواطنة المتساوية.

v    الدستور والقانون:

الدستور والقانون أدوات ضرورية لضمان العدالة والمساواة، لكنها وحدها غير كافية. على الرغم من تصديق السودان على اتفاقية العبودية لعام 1926 واتفاقية الملحقية لعام 1956، وكذلك كونه طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لم يدرج القانون الجنائي السوداني لعام 1991 العبودية كجريمة. كما أن الحكومة السودانية أنكرت وجود عبودية داخل حدودها. يعترف زعيم المعارضة التاريخي، الصادق المهدي، بهذه الحقيقة، موضحاً أن المفهوم التقليدي للجهاد يسمح بالعبودية كمنتج ثانوي للجهاد وهذا ما استغلته الحكومة لتبرير عمليات الأسر. كما أن السياسات التي تعيد إنتاج الانقسامات القبلية والإثنية بدلاً من تعزيز المواطنة هي التي تلهي المجتمع عن القضية الكبرى: بناء دولة وطنية حقيقية. اما المواطنة المشتركة يجب أن تكون الأساس، وهذا يتطلب إعادة تنظيم الهوية الوطنية والدولة بحيث تصبح المواطنة هي الإطار الجامع بدلاً من الانتماءات الضيقة.

v    الوعي وإعادة بناء الرواية:

التحرر الحقيقي يبدأ بإعادة كتابة الرواية التاريخية. يجب تجاوز السرديات التي تختزل الصراع في “نحن” و”هم”، والاعتراف بأن نظام الرق والاستعمار قد أنتجا تركيبة اجتماعية مشوهة، وأن التحرر يتطلب تفكيك هذه التركيبة على مستوى الوعي قبل المؤسسات. هذا يعني:

ü     الاعتراف بالتاريخ بكل تفاصيله المؤلمة، دون تبسيط أو تبرير.

ü     فصل الدين عن السياسة، بحيث لا تُستخدم الهوية الدينية كأداة للتمييز أو الهيمنة.

ü     تعزيز خطاب وطني يقوم على الاعتراف بالتنوع كقيمة مضافة، لا كتهديد للوحدة.

 

 

v    الاستفادة من التجربة الرواندية: دروس وعبر

التجربة الرواندية في المصالحة بعد الإبادة الجماعية تقدم نموذجاً مهماً، رغم اختلاف السياق. رواندا، التي شهدت في مئة يوم عام 1994 مقتل مليون شخص تقريبا نتيجة صراع عرقي بين الهوتو والتوتسي، تمكنت من تجاوز الألم وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة .

من الدروس المستفادة من التجربة الرواندية:

ü     العدالة الانتقالية: لم تكتف رواندا بمحاكمة قادة الإبادة أمام المحاكم الدولية، بل أنشأت نظام “محاكم الجلجلة” التقليدية (Gacaca) التي سمحت بالمشاركة المجتمعية في محاسبة الجناة وتحقيق المصالحة على المستوى الشعبي .

ü     إعادة بناء الهوية الوطنية: عملت رواندا على طمس التصنيفات العرقية (الهوتو والتوتسي) من بطاقات الهوية، وشجعت على هوية وطنية موحدة، مع الاعتراف بالماضي دون استمراره في الحاضر.

ü     دور الإعلام في منع الكراهية: بعد أن كانت الإذاعة أداة للتحريض على الإبادة، أصبح الإعلام الرواندي أداة لنشر ثقافة التسامح والإخاء .

ü     القيادة السياسية الحكيمة: لعبت القيادة دوراً محورياً في توجيه البلاد نحو المصالحة، مع التركيز على التنمية الاقتصادية كعامل مساعد في بناء السلام.

هذه الدروس يمكن أن تكون ذات قيمة للسودان، خاصة في مجالات:

بناء آلية وطنية للمصالحة تشمل جميع الأطراف، وتعترف بمعاناة الجميع دون تمييز.
إعادة هيكلة الدولة على أسس فدرالية لامركزية تضمن توزيعاً عادلاً للثروة والسلطة.
تطوير سياسات تعليمية وإعلامية تعزز الوعي بتاريخ البلاد وتشجع على التسامح والتعايش.
الخلاصة:

ما يحاول هذا المقال إثباته هو أن العبودية في السودان لم تكن مجرد نظام اقتصادي انتهى بإلغاء الرق، بل كانت أداة لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، وخلق هويات متصارعة، وترسيخ أنماط من الهيمنة والتبعية ما زالت تعصف بالبلاد حتى اليوم. الحرب الأهلية المستمرة، والصراعات الإقليمية، والفجوات الاقتصادية والاجتماعية، كلها ليست أحداثاً طارئة، بل هي إنتاج طبيعي لإرث تاريخي من التهميش والإقصاء والكراهية التي هي نتاج طبيعي للعنصرية، مع أنها ليست حتمية بالضرورة.

الخلاص من هذا المأزق يتطلب أكثر من حلول آنية أو ترتيبات دستورية. إنه يتطلب مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتنوع، ونبذ خطاب الكراهية. التجربة الرواندية تقدم دروساً في ذلك، لكن النجاح النهائي يبقى مرهوناً بإرادة سياسية حقيقية، وتوعية مجتمعية عميقة، وإرادة للاعتراف بالماضي الموجع وتجاوزه نحو مستقبل يسع الجميع.

 

المصادر والمراجع

Jok, J.M. (2001). War and Slavery in Sudan. University of Pennsylvania Press.
Wikipedia. (n.d.)