خبر ⁄سياسي

الموت على طريق رفح.. ليلة استهداف إسرائيل عمال المطبخ المركزي العالمي في غزة

الموت على طريق رفح.. ليلة استهداف إسرائيل عمال المطبخ المركزي العالمي في غزة

في مطلع أبريل/نيسان 2024، قتلت 3 ضربات إسرائيلية متتالية 7 من عمال منظمة "المطبخ المركزي العالمي" -معظمهم أجانب- على طريق رفح بقطاع غزة، رغم أن مهمتهم الإنسانية كانت منسقة مسبقا مع الجيش الإسرائيلي، وهو ما فجر غضبا دوليا واسعا.

وقالت صحيفة الغارديان البريطانية -في تقرير بشأن الواقعة- إن الجيش الإسرائيلي ساعد في التخطيط لعملية إيصال المساعدات الغذائية، في وقت كانت فيه الحرب على قطاع غزة قد دخلت شهرها السادس، بينما أدى إغلاق إسرائيل للمعابر البرية إلى تعريض القطاع بأكمله لخطر المجاعة.

وكانت شحنة تزن نحو 200 طن من الأرز والدقيق ومصادر البروتين الأخرى قد وصلت قبل أسبوعين، في أول شحنة بحرية ترسو في غزة منذ عام 2007، أما هذه فكانت الشاحنة الثانية، واحتوت على ما يكفي من الغذاء لإعداد أكثر من مليون وجبة.

وجرى تنسيق تفاصيل عملية التسليم على مدى أيام بين المنظمة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، وكان ضابط موجودا على الرصيف على ساحل قطاع غزة لمراقبة سير العملية، وكان يُفترض تنفيذ هذه العملية الإنسانية تحت حماية عسكرية متفق عليها دوليا.

وبعد اكتمال تفريغ الشحنة مساء ذلك اليوم، حدث تأخير في الحصول على الموافقة الأمنية الإسرائيلية النهائية التي تسمح لثماني شاحنات مستأجرة ومركبتي المرافقة التابعتين لـ"المطبخ المركزي العالمي" بمغادرة الرصيف.

وبحلول الليل، تحركت القافلة جنوبا، وفي مكان ما على امتداد الطريق المؤدي إلى المحطة الأولى، انضمت طائرتان مسيّرتان إسرائيليتان إلى عملية المراقبة.

وكانت المسيّرتان تتبعان للواء "ناحال" في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو لواء لم يكن قد تلقى إحاطة كاملة بشأن خط سير قافلة المساعدات، لكنَّ مستشارا خاصا كلفته الحكومة الأسترالية بتقييم القضية قال إن "تفاصيل محددة بشأن مهمة المساعدات التابعة لـ"المطبخ المركزي العالمي"، التي جرى التنسيق لها مسبقا، لم تُنقل من المستويات العليا في القيادة الجنوبية إلى اللواء ومشغل الطائرات المسيّرة".

إعلان

اشتباه إسرائيلي في القافلة

في مركز الاستقبال التابع للمنظمة، كان عدد قليل من الرجال المحليين الذين جرى التعاقد معهم للعمل حراسا في انتظار القافلة، وكان واحد منهم على الأقل مسلحا، ولم يكن استخدام عناصر أمن محليين في عمليات إيصال المساعدات أمرا غير مألوف في غزة، لكنه يتعارض بشكل مباشر مع سياسة المنظمة التي تحظر استخدام المرافقين المسلحين.

وتقول المنظمة إنه من غير الواضح لماذا وافق الفريق المحلي في تلك الليلة على الاستعانة بحراس مسلحين، في حين تشير الرواية الإسرائيلية الرسمية للأحداث إلى أن ذلك كان "بسبب تأخر مغادرة القافلة خلال ساعات الليل"، كما أشارت إلى أن الأمر "لم يجر تنسيقه مع الجيش الإسرائيلي".

وتوضح روايات غير رسمية أن عدد المسلحين الذين كانوا ينتظرون القافلة بين رجلين و4، ويقال إن لقطات التقطتها طائرة مسيّرة أظهرت أحدهم وهو يصعد فوق مقصورة إحدى الشاحنات ثم يطلق عيارا ناريا في الهواء بعد ذلك بوقت قصير.

وخلص ضباط لواء "ناحال" ومشغلو الطائرات المسيّرة إلى أن ما يجري هو "عملية استيلاء على القافلة من جانب (حركة المقاومة الإسلامية) حماس"، وهو استنتاج استند جزئيا إلى افتراض خاطئ بأن مثل هذه العمليات كانت شائعة الحدوث.

وتقول الرواية الإسرائيلية الرسمية إن "القوات رصدت أيضا مركبات تحيط بالشاحنات بطريقة رأت -استنادا إلى تقييمها وخبرتها العملياتية المتراكمة- أنها تتطابق مع سيناريو تكون فيه حماس قد سيطرت على القافلة".

الاستهداف الإسرائيلي أدى إلى مقتل مواطنين من بريطانيا وأستراليا وبولندا وغيرهم (شترستوك)

خلل في الاتصالات

ولا تتضمن رواية المدعي العسكري الإسرائيلي للأحداث -التي نُشرت الشهر الماضي لتبرير قراره بعدم المضي في إجراءات جنائية- أي إشارة إلى الخلل في الاتصال بين إدارة التنسيق والارتباط التابعة للجيش المسؤولة عن التعامل مع الاحتياجات الإنسانية في القطاع، ولواء "ناحال" الذي كان يسيطر على ذلك الجزء من قطاع غزة.

وتقول رواية المدعي الإسرائيلي إن محاولات أفراد الجيش الاتصال بـ"المطبخ المركزي العالمي" لم تنجح، لكن -وفقا لمصادر في المنظمة ولتقرير أسترالي بشأن الأحداث- فقد جرى التواصل في تلك الليلة مع المقر الرئيسي للمنظمة في الولايات المتحدة، الذي تواصل بدوره مع أحد موظفيه في غزة.

وبحسب التقرير الأسترالي، أبلغ موظف المنظمة الموجود على الأرض زملاءه في المقر بأن الحراس لم تكن بحوزتهم سوى "بنادق مزيفة"، وأكدت المنظمة للجيش الإسرائيلي أنها لم تفقد الاتصال بالقافلة، وأن القافلة لم تتعرض للاختطاف أو الاستيلاء عليها.

ووفق صحيفة الغارديان البريطانية، فإن حقيقة أن قافلة شاحنات المساعدات الغذائية الثماني واصلت رحلتها ووصلت إلى جهتها المحددة، وهي مستودع المنظمة في دير البلح، كان ينبغي أن تكون دليلا كافيا على أن حماس لم تستول على المساعدات.

ويقر ملخص المدعي العسكري بأن القافلة وصلت إلى المستودع المحدد وفرغت المساعدات، لكنه لا يتناول الاستنتاج الذي يبدو بديهيا، وهو أن القافلة -بناء على ذلك- لم تكن قد حُولت عن مسارها.

التجريم وتحديد الأهداف

وبعد دخول الشاحنات إلى المستودع، بقي موظفو المنظمة والحراس المحليون في الخارج بالقرب من مركباتهم نحو 10 دقائق. ويبدو أن تلك الفترة القصيرة، التي راقبها مشغلو الطائرات المسيّرة الإسرائيلية، أسهمت في حسم مصير عمال الإغاثة. فمن وجهة نظر رئيس أركان لواء "ناحال"، العقيد في الاحتياط نوحي مندل، كانوا "يختلطون بعناصر من حماس".

إعلان

وبموجب الإجراءات الفضفاضة للغاية لما يُعرف بـ"التجريم"، التي تترك قدرا كبيرا من السلطة التقديرية لقادة الميدان مثل مندل، أصبح موظفو "المطبخ المركزي العالمي" أهدافا من دون أن يدركوا ذلك، بينما كانوا يحتفلون بإتمام عملية ناجحة لإيصال المساعدات، وذلك لمجرد وجودهم بالقرب من رجال مسلحين.

وقال مندل "كان هناك تجريم، وقد تم وفقا للقواعد. كان هناك رجال مسلحون، وهذا مؤكد. ومن المؤكد أنهم اختلطوا برجال مسلحين من حماس".

وأكد ضباط آخرون في الجيش الإسرائيلي للغارديان أن مثل هذه الآلية القائمة تُستخدم على نطاق واسع في تحديد الأهداف، وإن كان قادة الميدان يطبقون معايير متفاوتة عند اتخاذ قراراتهم.

أما المدعي العسكري الإسرائيلي، ففي تقييمه للمسؤولية الجنائية، لم يتطرق إلى ممارسة "التجريم" المستخدمة في عملية تحديد الأهداف.

وبعد توقف قصير خارج مستودع المنظمة في دير البلح، اتجه الحراس والموظفون في اتجاهين منفصلين، إذ جاء في التقرير الأسترالي أن "مركبات المطبخ المركزي العالمي غادرت معا باتجاه الغرب نحو الساحل، وفي الوقت نفسه، اتجهت المركبة التي تقل أفراد الأمن المتعاقد معهم محليا، ومن بينهم المسلحون الذين سبق رصدهم شمالا". ويوضح التقرير أن جيش الاحتلال كان على علم بافتراق المجموعتين.

ويقول التقرير إن "إحدى الطائرات المسيّرة تتبعت مركبة الأمن المتعاقد معه وهي تتجه شمالا مدة تقارب 3 دقائق، إلى أن وصلت إلى مستودع آخر، حيث شوهد ما يصل إلى 4 مسلحين وهم يترجلون من المركبة ويدخلون المبنى".

ويضيف أنه "اتُّخذ قرار بوقف استهدافهم بسبب ضيق الوقت المتاح قبل دخولهم المستودع الشمالي".

وتزعم الرواية الإسرائيلية أن "أشخاصا عدة جرى التعرف إليهم خطأ على أنهم مسلحون، شوهدوا في مركبات تابعة للمنظمة"، وهو ما يتعارض مع التقرير الأسترالي وروايات ضباط إسرائيليين مطلعين على التحقيق.

وقال الضباط إن مشغل طائرة مسيّرة رصد حقيبة توضع داخل إحدى سيارات المنظمة، فظن خطأ أنها سلاح، رغم أن مصادر اطلعت على تسجيل المسيّرة قالت إن التحليل اللاحق لم يُظهر أي أثر لحقيبة مثيرة للشبهة.

جوازات سفر للعاملين في منظمة "المطبخ المركزي العالمي " الذين قُتلوا بالهجوم الإسرائيلي في 2 أبريل/نيسان 2024 (الأناضول)

3 ضربات في دقائق

ويصف التقرير الأسترالي ما حدث بعد ذلك عندما غادر موظفو "المطبخ المركزي العالمي" المستودع نحو الساعة 11 ليلا، وجاء فيه "اتجهت مركبات المنظمة غربا نحو الساحل، ونظرا إلى التأخيرات الزمنية التي حدثت، اتُّخذ قرار بالعودة مباشرة إلى مقر الإقامة في رفح، بدلا من العودة إلى مركز الاستقبال التابع للمنظمة كما كان مخططا".

وبعد انعطافها جنوبا إلى الطريق الساحلي، تعرضت مركبات المنظمة الثلاث لضربات متعاقبة بفواصل زمنية قصيرة نسبيا.

ونجا شخصان من الضربة التي استهدفت المركبة الأولى، وهي مركبة مدرعة، وانتقلا سريعا إلى المركبة الثانية. ثم نجا شخصان من الضربة التي استهدفت المركبة الثانية، وهي مدرعة أيضا، وانتقلا إلى المركبة الثالثة.

أما المركبة الثالثة، التي كانت غير مدرعة، فلم ينج منها أحد. وخلال 4 دقائق، قُتل العاملون السبعة في المنظمة، ويُرجَّح أن واحدا منهم قُتل في المركبة الأولى و2 في الثانية و4 في الأخيرة.

وكان الضحايا السبعة لضربات الطائرات المسيّرة الإسرائيلية من المملكة المتحدة وأستراليا وبولندا وفلسطين والولايات المتحدة.

تبريرات إسرائيلية متناقضة

وزعم المدعي العسكري أنه عندما اتجه موظفو "المطبخ المركزي العالمي" جنوبا نحو رفح، كانوا "ينحرفون عن المسار الذي سبق أن نسقته المنظمة مع الجيش الإسرائيلي"، وهو ما عزز الانطباع الخاطئ لدى لواء "ناحال" بأن "عناصر من حماس سيطروا على القافلة".

إعلان

لكنَّ التقرير الأسترالي خلص إلى أن حقيقة تغيير موظفي المنظمة لمسارهم لم تُعرف إلا بعد مقتلهم، و"من ثم لم يكن لها أي دور" في قرار فتح النار.

وتقول الرواية الإسرائيلية الرسمية إن مندل وقائد الإسناد في لوائه تجاهلا -ليلة الغارة الجوية- أمرا من ضابط أعلى رتبة بوقف أي هجمات على القوافل الإنسانية، لكن مندل قال إن هذا الأمر مختلق.

وتابع مندل "هذا لم يحدث قط، ولم يكن له وجود أصلا. لم يصل إلى اللواء أي توجيه عملياتي بوقف الضربات. لقد تحققنا من الأمر ألف مرة".

وفي شرحه للكيفية التي اتخذ بها قراره، شدد مندل على أنه كان ينفذ سياسة الحكومة الإسرائيلية من خلال "منع حماس من السيطرة على شحنات الغذاء". وكان رؤساؤه قد أشادوا به لإصداره أوامر بتنفيذ ضربات عدة في محاولات سابقة زُعم أن "حماس قامت بها للاستيلاء على المساعدات".

وقال مندل "لم أخطط لقتل عمال الإغاثة"، لكنه أضاف "لم يكونوا أبرياء لأنهم كانوا على صلة بحماس".

وفي تبريره لهذا الاستنتاج قال "كانوا مختلطين بعناصر من حماس. بالقرب منهم، يتحدثون ويلعبون ويمضون الوقت معا، وما إلى ذلك".

وتعليقا على ذلك، قالت المنظمة في بيان إنه "من اللافت للغاية أن نعلم الآن أن بعضا في الجيش الإسرائيلي اعتبروا عملنا الإنساني نشاطا معاديا استنادا إلى أوهى الأدلة، أو من دون أي دليل على الإطلاق".

ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تواصل إسرائيل شن حرب إبادة جماعية ضد أهالي قطاع غزة، رغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس، مما أسفر عن استشهاد 73470 فلسطينيا وإصابة 174540 آخرين، معظمهم أطفال ونساء، وفقا لأحدث بيانات وزارة الصحة حتى 2 سبتمبر/أيلول الجاري.

aljazeera.net