واشنطن بوست ونيويورك تايمز: الجيش السوداني استخدم سلاح كيميائي في الحرب

كشفت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز الأمريكيتان عن معلومات استقصائية، استندت إلى وثائق سرية، تشير إلى إنشاء الجيش السوداني مخزونًا من الأسلحة الكيميائية، تشمل إنتاج وتطوير ذخائر وقنابل تحتوي على غاز الكلور، وأنه استخدمها ضد قوات الدعم السريع خلال الحرب الدائرة، في حين ينفي الجيش هذه الاتهامات.
التغيير _ وكالات
وكشفت الصحيفتان عن استنادهما إلى معلومات مهمة، بعضها مأخوذ من هواتف ضباط كبار بالجيش السوداني.
ورغم إجماع خبراء كيميائيين ومسؤولين استخباراتيين استنطقتهم الصحيفتان على مصداقية الأدلة، وتأكيدهم أنها تعد مؤشرًا قويًا على برنامج كيميائي نشط، فإنهم يشيرون إلى أن إثباتها بشكل نهائي يتطلب تحقيقًا مستقلًا داخل السودان.
وبينما أزاحت «واشنطن بوست» الستار عن تحقيق استقصائي يستند إلى أدلة ووثائق سرية، يفيد بأن الجيش السوداني أنشأ مخزونًا سريًا للأسلحة الكيميائية ولجأ إلى استخدام قنابل الكلور خلال النزاع الجاري في السودان، في تطور خطير يفاقم مأساة الحرب الأهلية الدائرة منذ ثلاث سنوات، والتي خلفت أسوأ أزمة إنسانية في العالم، أشارت وثائق حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن الجيش السوداني طوّر وأنتج ذخائر تحتوي على غاز الكلور، ويُزعم أنه استخدمها ضد قوات الدعم السريع خلال الحرب الأهلية.
وتلقى التقرير، بحسب «واشنطن بوست»، دعمًا من أدلة متنوعة قدمها مسؤولو أمن في الشرق الأوسط، حصلوا عليها عبر مصادر خاصة داخل السودان.
وعكست هذه الملفات تفاصيل دقيقة عن البرنامج العسكري، حيث تضمنت مقاطع فيديو لاختبارات أسلحة تفرز أبخرة صفراء مخضرة، ورسائل متبادلة بين ضباط بالجيش، ومن أبرزها رسالة نصية وُجهت إلى ضابط مشارك في الغارات الجوية، تضمنت فيديو لضحية ذات جلد متفحم، ومصحوبة بعبارة ساخرة: «أنت تطبخ».
وأشارت الوثائق التي أعدها عسكريون سودانيون إلى وجود ما يصل إلى 290 قذيفة كيميائية مخزنة، مع إخفاء مواقع تصنيع الرؤوس الحربية داخل قواعد عسكرية، وتجارب أُجريت في أعماق الصحراء، إضافة إلى قوائم أهداف مصممة ليخترقها الغاز السام.
كما كشفت التحقيقات عن تورط الجيش السوداني في تحويل شحنات مادة الكلور الأساسية لتنقية مياه الشرب واستخدامها في أغراض عسكرية قتالية.
وعرضت «واشنطن بوست» المواد على أكثر من عشرين مسؤولًا استخباراتيًا غربيًا ومفتشًا للأسلحة الكيميائية ومنظمات حقوقية، حيث أجمعوا على مصداقية الأدلة واعتبروها مؤشرًا قويًا على برنامج كيميائي نشط، مع التأكيد على ضرورة الوصول الميداني إلى الشهود والمواقع للتأكد نهائيًا.
ويرى محللون أن هذه الاكتشافات أبعد بكثير من حدود العقوبات الاقتصادية المحدودة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية إثر هجومين مشتبه فيهما بغاز الكلور في شهر سبتمبر من عام 2024.
ويمثل هذا التوظيف للأسلحة الكيميائية انتهاكًا صارخًا للمعاهدات والاتفاقيات الدولية الحاظرة لهذا الصنف من الحروب غير الإنسانية.
في المقابل، مضت الوثائق التي حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» في الاتجاه ذاته، حيث أشارت إلى أن الجيش السوداني طوّر وأنتج ذخائر تحتوي على غاز الكلور، ويُزعم أنه استخدمها ضد قوات الدعم السريع خلال الحرب الأهلية. لكن الجيش السوداني ينفي هذه الاتهامات، بينما يؤكد خبراء أن إثباتها نهائيًا يتطلب تحقيقًا مستقلًا داخل السودان.
ويتضمن الملف نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو وتسجيلًا صوتيًا، إضافة إلى آلاف الرسائل النصية، ويبدو أن جزءًا كبيرًا منها مأخوذ من هواتف ضباط سودانيين كبار.
وتصف الوثائق برنامجًا سريًا استمر نحو ستة أشهر خلال عام 2024 لإنتاج ذخائر قائمة على غاز الكلور.
وتنسب الصحيفة إدارة المشروع إلى العميد طارق حسين، الذي اقترح في يوليو 2024 تطوير ذخيرة تجمع بين رأس متفجر ونحو 15 كيلوغرامًا من غاز الكلور.
ووفق الرسائل، كان الهدف من تصميم الذخيرة قتل المقاتلين بالشظايا أو بالغاز، مع الاعتقاد بأن الانفجار قد يزيل آثار المادة الكيميائية.
وتشير الوثائق إلى إجراء اختبار في صحراء السودان بتاريخ 22 يوليو 2024، باستخدام طائرة شحن أقلعت من مطار مروي. ووصف المسؤول عن المشروع الاختبار بأنه ناجح بالكامل.
واجه المشروع مشكلات فنية، أبرزها تسرب غاز الكلور. وورد في إحدى الرسائل أن عمال المصنع وجدوا حشرات وعقارب نافقة داخل حظيرة يُعتقد أنها اختنقت نتيجة التسرب.
وأفاد الملف باستيراد 20 أسطوانة كلور من مصر في أغسطس 2024، قال المشرف على المشروع إنها تكفي لصناعة نحو 1,100 قنبلة.
وتزعم الوثائق أن جزءًا من الكلور أُخذ من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان، وهي محطة تلقت إمدادات من جهات إغاثية دولية لمكافحة تفشي الكوليرا.
وأكدت منظمات إنسانية أنها قدمت أسطوانات كلور لمحطات معالجة المياه، لكنها لم تقل إنها كانت تعلم بأي تحويل محتمل لهذه المواد لأغراض عسكرية.
وبحلول أكتوبر 2024، أفاد المشرف على المشروع بإنتاج قرابة 300 ذخيرة كيميائية، خُزن معظمها في مطار مروي.
ويربط التقرير بين البرنامج وهجوم مزعوم وقع في 13 سبتمبر 2024 على مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
واتهمت قوات الدعم السريع الجيش حينها باستخدام صواريخ «سامة»، كما ظهرت صور لأشخاص يرتدون أقنعة أكسجين. ومع ذلك، لم تُسجل وفيات مؤكدة، وظلت هناك اختلافات بشأن نوع الذخائر المستخدمة.
وتشير اتصالات واردة في الملف إلى أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان ربما كان على علم مباشر بالمشروع، وهو ما تقول الصحيفة إنه أثّر في قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات عليه في يناير 2025.
وبعد العقوبات الأمريكية في مايو 2025، يُزعم أن البرهان وجّه بإزالة جميع آثار أنشطة البرنامج. وتفيد الرسائل بأن عملية الإزالة كانت قد نُفذت بالفعل.
وشكّل البرهان لاحقًا لجنة للتحقيق في الاتهامات الأمريكية، وكان العميد طارق حسين، المتهم بإدارة البرنامج، ضمن مستشاريها. وخلص تقريرها الأولي إلى عدم العثور على آثار لأسلحة كيميائية، بينما كان التقرير النهائي لا يزال منتظرًا عند نشر المقال.
المواقف الرسمية
الجيش السوداني: وصف محتويات الملف بأنها «ادعاءات لا أساس لها ولا سند مادي»، وأشار إلى أن السودان من الدول الموقعة على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
الولايات المتحدة: فرضت عقوبات مرتبطة باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، وقالت إن رفعها يتطلب تدمير الأسلحة ومنشآت إنتاجها تحت إشراف دولي.
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: أفادت بأن عدة دول طلبت توضيحات من السودان، وأن الإجراءات المتعلقة بهذه الطلبات لا تزال مستمرة.
الخبراء الذين استعانت بهم الصحيفة: رأوا أن الصور تبدو متسقة مع محاولة محتملة لإنتاج أسلحة كيميائية، لكنهم شددوا على أن الأدلة لا يمكن تأكيدها بصورة قاطعة من دون تحقيق ميداني مستقل.
وخلص التقرير إلى تقديم قرائن ووثائق استخباراتية تعزز الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني، لكنه لا يمثل إثباتًا دوليًا نهائيًا. وتبقى أهم نقاط الضعف هي غياب التحقيق الميداني المستقل، وعدم التحقق العلني الكامل من مصدر الملف، ووجود اختلافات حول طبيعة بعض الذخائر والهجمات المزعومة.
كما يذكر المقال اتهامات أمريكية وأممية للإمارات بدعم قوات الدعم السريع بالأسلحة والمرتزقة والطائرات المسيّرة، مع تأكيد الإمارات نفيها دعم أي طرف في الحرب.
altaghyeer.info