الجيش والسلاح الكيميائي .. ثلاثة نقاط للنقاش

الجيش والسلاح الكيميائي .. ثلاثة نقاط للنقاش
رشا عوض
اولا: لا يوجد سبب منطقي لاستبعاد صحة هذه الاتهامات بصورة مطلقة والتشنج في نفيها، فالجيش له سوابق في ذلك اذ استخدم قنابل محرمة دوليا في دارفور وشهدت بذلك تقارير قدمت ادلة بالصور للضحايا، واتهمته امنستي انترناشونال باستخدام السلاح الكيميائي، وخلال هذه الحرب وتحديدا في يونيو ٢٠٢٣ ظهر ضابط في الجيش ورئيس تحرير لصحيفة القوات ( ابراهيم الحوري) بقناع واقي من السلاح الكيميائي في اعقاب حديث لياسر العطا عن استخدام القوة المميتة، مثل هذه القرائن لا تثبت الاتهام الحالي بشكل قاطع ولكنها شبهات موجبة للشك المشروع وتجعل الشخص النزيه يطالب بالتحقيق والتقصي بدلا من الاستماتة في الدفاع عن مؤسسة يقول تاريخها وحاضرها انها ليست فوق مستوى الشبهات.
الوسيلة المحترمة لنفي الاتهامات هي السماح بتحقيق دولي مستقل وهذا ما رفضته سلطة الامر الواقع والمدافعون عنها .
ثانيا: هناك عمى اخلاقي مخيف في تداول هذه القضية يجسده من يقولون : من اجل دحر الجنجوويد من حق الجيش ان يستخدم الكيماوي والبيولوجي والنووي ان وجد! ومعنى ذلك ان هؤلاء المعاتيه يستخفون بحياة المواطنين الأبرياء الذين سيقتلون ويدفعون ثمن ذلك من صحتهم على مدى عقود عندما تتلوث التربة والمياه كيميائيا ، والمفارقة ان من يستبيحون بكل بساطة حتى استخدام النووي ( لو امتلكوه لا سمح الله) هم انفسهم من يرفعون عقيرتهم بإدانة الانتهاكات التي يرتكبها الد.عم السريع ضد المدنيين! وهل من انتهاك ابشع من استخدام اسلحة كيميائية، اصحاب هذا المنطق الذي يبيح اي شيء خلال الحرب يعكسون مدى بشاعة ما يسمى بحرب الكرامة وخطرها الماحق! الحروب لها اخلاقيات على رأسها حماية المدنيين فمن يستبيح استخدام اسلحة كيميائية ويتمنى لو كان بحوزته سلاحا نوويا ليستخدمه في حرب اهلية داخل وطنه سببها صراع سلطة ارعن وتافه وقذر يجب ان يخجل من الابتزاز السياسي بانتهاكات الد.عم السريع.
ثالثا: اتهامات استخدام السلاح الكيميائي والأدلة عليها لم تبتدرها القوى المدنية الساعية للسلام والديمقراطية ، بل صدرت من امريكا التي فرضت بسببها عقوبات ، وبالتالي فمن المضحك جدا تحويل النقاش الى اسطوانة تخوين السياسيين المدنيين والاكثر اضحاكا الزعم بأنهم هم من حرضوا امريكا عبر تقديم معلومات مغلوطة لها حول استخدام الجيش للكيماوي! امريكا التي ترصد مخابراتها حتى المراسلات الخاصة بين ضباط الجيش وقائدهم هل هي بحاجة الى من يقدم لها معلومات ؟!
كل ما فعله المدنيون هو مناقشة هذه القضية الخطيرة بمنطق عقلاني، يتمثل في القبول بتحقيق دولي مستقل ومؤهل فنيا لتظهر الحقيقة، واعتبار موضوع السلاح الكيميائي فرعا من الازمة الاصل، وهي الحرب الاجرامية التي كلما طال امدها كلما تسببت في كوارث اكثر فتكا بالوطن والمواطنين، والخيانة الوطنية هي الاصرار على استمرار الحرب والاعراض عن الحلول السياسية الشاملة التي تحمي السودان من العقوبات الدولية والعودة الى العزلة والحصار .
اي نظام تم اتهامه باستخدام اسلحة كيميائية ورفض التعاون في اجراء تحقيق دولي مستقل ، سيتم حصاره بالعقوبات التي سيدفع ثمنها الشعب كله ، الوطنية الحقة هي تقديم مصلحة الوطن والشعب عبر انجاح عملية سلمية تنهي الحرب وتؤسس لنظام ديمقراطي يفك عزلة البلاد وحصارها فيكون بالامكان فتح الطريق لتحسين حياة الشعب وحل ازماته الاقتصادية الطاحنة ، اما الخيانة الوطنية المغلظة فهي اهدار مصالح الشعب وتقديمها قربانا لحماية سلطة عسكرية فاسدة دمرت البلاد بالحرب وافقرتها بنهب الموارد. الوطنية كما نفهمها ليست هي اختزال الوطن كله في بوت عسكري داس على رقاب السودانيين ستين عاما ويقول هل من مزيد! الوطنية ليست عنتريات ( ام ضريوة تحذر امريكا) وليست غوغائيات نظرية المؤامرة ، بل الوطنية هي اجتراح معادلة سياسية عقلانية ومتوازنة تنقذ الوطن من الحصار والعقوبات خارجيا ليس بالصراخ بل بالسياسات الداخلية الرشيدة المنحازة للشعب في امنه واستقراره وتوفير الحياة الكريمة والحرة له.
altaghyeer.info