علي الطاهر.. من مزار على التلة إلى مطمع للاحتلال

تلة مرتفعة شرق النبطية في جنوب لبنان، تقع بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا وشمال نهر الليطاني. ترتفع نحو 600 متر فوق سطح البحر، يمنحها موقعها الاستراتيجي وارتفاعها قدرة الإشراف على مساحات واسعة تمتد من النبطية غربا إلى مرتفعات إقليم التفاح شرقا.
كانت التلة تضم مقاما دينيا يُنسب إلى رجل عُرف باسم "علي الطاهر "، قبل أن تكتسب قيمة عسكرية، إذ أنشأ الاحتلال الإسرائيلي فيها موقعا عسكريا محصنا عقب اجتياحه لبنان عام 1982، وظلّ خلال سنوات الاحتلال هدفا لعدد من عمليات حزب الله، حتى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000.
عادت التلة إلى الواجهة في ظل الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2026، ولا سيما عقب إعلان إسرائيل "السيطرة " على قلعة الشقيف في 31 مايو/أيار، حيث انصب التركيز العسكري والإعلامي لاحقا نحو علي الطاهر.
وفي مطلع سبتمبر/أيلول 2026، تكثفت الغارات الإسرائيلية على التلة ومحيطها، قبل أن يعلن جيش الاحتلال مساء 3 سبتمبر/أيلول ما وصفه بـ "السيطرة العملياتية " على المنطقة. وذلك رغم اتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في 26 يونيو/حزيران ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي المحتلة مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها ونزع سلاح الجماعات، في إشارة إلى "حزب الله ".

الموقع والأهمية
تقع تلة علي الطاهر في شرق قضاء النبطية في جنوب لبنان، بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، شمال نهر الليطاني. وهي جزء من سلسلة من المرتفعات التي تضم تلال علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة، وتشكل، إلى جانب موقعها المرتفع، كتلة جبلية متصلة ذات حضور بارز في جغرافية المنطقة. كما ترتبط التلة جغرافيًا واستراتيجيًا بمجال قلعة الشقيف، التي تبعد عنها نحو 4 إلى 5 كيلومترات.
ويبلغ ارتفاع تلة علي الطاهر نحو 600 متر فوق سطح البحر، مما يتيح الإشراف على النبطية وكفرتبنيت وأرنون والزفتة، فضلًا عن محيط نهر الليطاني ومناطق واسعة من جبل عامل.
إعلانوتستند الأهمية الاستراتيجية للتلة إلى عدد من العوامل المترابطة: إشرافها على عدد من حواضر جبل عامل، وموقعها الذي يتيح التحكم في مسارات الوصل بين جنوب لبنان والبقاع، فضلا عن كونها مدخلا إلى العمق الجبلي في إقليم التفاح وجبل الريحان، كما يعزز موقعها شمال نهر الليطاني وتضاريسها الصعبة تعدد مسارات الوصول إليها، بما يُصعِّب عزلها أو إحكام السيطرة عليها بصورة كاملة.
التاريخ
قبل أن تتحول التلة إلى معلم عسكري، كانت تُعرف بوصفها مقاما دينيا بارزا، ارتبط برجل عُرف باسم "علي الطاهر ". ويذكر إبراهيم آل سليمان العاملي في كتابه بلدان جبل عامل أن قبره كان في جبل طرّة شرقي كفر رمان، ويرجح أنه كان عالما أو عبدا صالحا كان الناس يتبرّكون به.
وتقدم رواية أخرى تفاصيل أكثر عن هوية صاحب المقام. ففي كتاب النبطية في الفلكين المحلي والعاملي، ينقل عباس وهبي على لسان "ثقات" أن علي الطاهر كان من آل غملوش، وهي أسرة سكنت النبطية الفوقا، وأن التلة التي تضم المقام كانت مزرعة يملكها رجل يدعى علي غملوش. وتصفه الرواية بأنه كان رجلا صالحا مؤمنا، عُرف بمساعدة الفقراء، ظهرت بعد وفاته "كرامات " على قبره، فكرّمه الناس ببناء قبة فوقه، وتحول المكان إلى مزار يقصده الناس.
ولا تُعرف على وجه الدقة الفترة التي عاش فيها علي الطاهر، غير أن بعض الروايات تربطه بالعهد العثماني. ويستند هذا الاعتقاد إلى أوراق محفوظة في مسجد النبي في النبطية الفوقا، قال أحد علماء الدين في البلدة إن إحدى الوثائق الواردة فيها تضمنت عبارة "قد جدد بناءه العبد الصالح علي الطاهر".
ويُذكر أن المسجد نفسه يعود إلى فترة السيطرة المملوكية على جبل عامل، وقد شُيد تكريما للأمير الإيراني محمد شاه، الذي قُتل في معركة دارت عام 1382م. ومن هنا يُرجح أن يكون علي الطاهر قد عاش في الفترة اللاحقة، وربما جدّد بناء المسجد بعد معركة مرج دابق وسيطرة العثمانيين على جبل عامل.
ولم يبقَ المقام حبيس الروايات المحلية، إذ ظهر أيضا في توثيق الرحالة الأمريكي إدوارد روبنسون خلال رحلته إلى لبنان عام 1852م، حين أشار إلى موقع مقام علي الطاهر غربي جبل الجرمق.
عقود من المواجهة
عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أقام جيش الاحتلال موقعا عسكريا في تلة علي الطاهر، فأصبحت ضمن أبرز مواقعه خلال فترة احتلاله للشريط الحدودي. وخلال تلك الفترة، تعرض المقام لأعمال جرف وتخريب، في إطار تحويل الموقع إلى مركز عسكري محصن، لتدخل التلة بذلك مرحلة غلب عليها طابعها العسكري على إرثها الديني السابق.
وارتبط اسم الموقع بأحداث دامية شهدتها المنطقة خلال سنوات الاحتلال. فتربط تقارير محلية بين موقع علي الطاهر ومجزرة باص النبطية عام 1994، حين استهدف القصف الإسرائيلي حافلة مدرسية في يوم الأم، في 21 مارس/آذار، مما أدى إلى سقوط شهداء ومصابين، وفق ما أوردته صحيفة السفير اللبنانية. وظل الموقع، حتى انسحاب جيش الاحتلال من جنوب لبنان عام 2000 هدفا متكررا لعمليات حزب الله.
وبعد أكثر من عقدين على الانسحاب الإسرائيلي، عاد اسم تلة علي الطاهر إلى الواجهة في سياق الحرب بين حزب الله وإسرائيل عام 2026، ولا سيما مع تجدد الاهتمام العسكري بالمرتفعات المحيطة بالليطاني. ففي 31 مايو/أيار، أعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة على قلعة الشقيف عقب اشتباكات ميدانية، لينتقل التركيز لاحقا نحو المنطقة المحيطة بعلي الطاهر.
إعلانففي يونيو/حزيران، تقدمت قوات من الفرقة 36 باتجاه كفرتبنيت وعلي الطاهر، بمشاركة وحدات مدرعة وقوات من الكوماندوس وغولاني وإيغوز والهندسة. وفي 19 يونيو/حزيران، قُتل قائد الكتيبة 52 وثلاثة من أفراد طاقم دبابته، بعدما أُصيبت خلال عملية قال الجيش الإسرائيلي إنها استهدفت السيطرة على شبكة كبيرة تحت الأرض في المنطقة.
وترافقت العمليات العسكرية مع رواية إعلامية إسرائيلية روّجت لما قيل إنه بنية عسكرية تحت الأرض في المنطقة؛ إذ تحدثت تقارير عن منشأة تمتد لأكثر من كيلومتر، وعن وجود عشرات العناصر داخلها. واستخدمت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية تعبيري "مركز الأعصاب" و "المدينة الملجأ" لوصف المنطقة، وربطتها بقيادة وحدة بدر في حزب الله.
وفي مطلع سبتمبر/أيلول، تكثفت الغارات الإسرائيلية على تلة علي الطاهر ومحيطها، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي مساء 3 سبتمبر/أيلول ما وصفه بـ "السيطرة العملياتية " على المنطقة. ويأتي ذلك رغم اتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في 26 يونيو/حزيران 2026 ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي المحتلة مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها ونزع سلاح الجماعات، في إشارة إلى "حزب الله ".
aljazeera.net