مناطق بلولة والزرافة بجنوب كردفان.. مخاوف من مخلفات التعدين واستخدام عشوائي للسيانيد

أمستردام: 8 سبتمبر 2026م – راديو دبنقا
تتصاعد المخاوف في منطقة بلولة بمحلية التضامن في ولاية جنوب كردفان بشأن الآثار الصحية والبيئية لعمليات التعدين، وسط إفادات من مواطنين عن استخدام وصفوه بالعشوائي للسيانيد والزئبق ومواد كيميائية أخرى، وتخزين بعضها في ظروف قالوا إنها لا تراعي إجراءات السلامة.
وتأتي هذه المخاوف في ظل انتشار أنشطة التعدين في المنطقة، وظهور مواد تستخدم في عمليات المعالجة، من بينها براميل يُشتبه في احتوائها على السيانيد والزئبق، إلى جانب أحواض معالجة مكشوفة في العراء.
ويتحدث سكان عن مخاوف من تلوث مصادر المياه والتربة وتأثير ذلك على صحة السكان والثروة الحيوانية، بينما لا تتوفر، حتى الآن، فحوص مستقلة وحاسمة تثبت طبيعة هذه المخاطر أو مدى ارتباطها بعمليات التعدين.
ويطالب مواطنون بإجراء تحاليل مستقلة وعاجلة لعينات من المياه والتربة، إلى جانب فحوص صحية للسكان، للتحقق علمياً من هذه المخاوف.
استخدام السيانيد وانتشار أحواض المعالجة:
وقال محمد عبد الرحيم، الناشط في مجال حماية البيئة بمنطقة بلولة، لراديو دبنقا، إن استخدام السيانيد في المنطقة تم بصورة واسعة خلال الأعوام الثلاثة الماضية.وأشار إلى أن أحواض معالجة الذهب حُفرت، بحسب قوله، وسط مناطق سكنية ورعوية وزراعية، إضافة إلى مواقع قريبة من المنحدرات ومجاري المياه.وأضاف أن مواد تستخدم في عمليات التعدين، من بينها السيانيد والزئبق واليوريا، أصبحت تُباع في الأسواق المحلية، وقال إنها كانت تُخزن أحياناً في أماكن قريبة من المواد الغذائية.
استمرار التعدين رغم قرار السلطات المحلية:
ورغم صدور القرار الإداري رقم (6) لسنة 2026م، بتاريخ 29 مارس 2026، عن المدير التنفيذي لمحافظة التضامن، والقاضي بمنع استخدام السيانيد والمواد الضارة الأخرى المرتبطة بنشاط التعدين في جميع مناطق التعدين داخل الحدود الجغرافية للمحافظة، أكد ناشطون لراديو دبنقا عدم تنفيذ القرار على أرض الواقع.
وقال الناشطون إن أنشطة التعدين واستخدام المواد المحظورة ما زالت مستمرة، رغم تكليف الجهات الأمنية والرقابية والجهات المختصة بالتعدين بتنفيذ القرار. وطالبوا السلطات المختصة بإنفاذ القرار، ووقف استخدام السيانيد والمواد الضارة، وإجراء تقييم مستقل للآثار الصحية والبيئية لأنشطة التعدين في المنطقة.
السلطات كانت على علم
واتهم ناشطون السلطات المحلية وبعض الإدارات الأهلية في المنطقة بالضلوع في الإشكاليات الناجمة عن أنشطة التعدين خلال السنوات الثلاث الماضية.
وقال عبد الرحيم إن استخدام السيانيد استمر لأكثر من عامين، وإن السلطات الحكومية والإدارة الأهلية كانتا على علم بما يجري، بحسب إفادته. وأضاف أن بعض أصحاب أحواض معالجة الذهب كانوا يحصلون على موافقات مكتوبة من العمد والمشايخ لممارسة نشاطهم، موضحاً أن السلطات لم تتدخل بصورة حاسمة إلا بعد تصاعد احتجاجات المواطنين.
الشركات العاملة في بلولة والزرافة:
أكد ناشطون في مجال حماية البيئة لراديو دبنقا وجود عدة شركات تعمل في مجال التعدين في منطقتي بلولة والزرافة، إلى جانب شركات أوقفت نشاطها.
وفي قرية الزرافة توجد ثلاث شركات، هي شركة «لحا»، التي توقفت عن العمل، إلا أن مخلفاتها وآثار أنشطتها ما تزال موجودة.
وأوضح الناشطون أن الشركة كانت في السابق شراكة بين الجيش ومستثمرين صينيين.
كما تعمل في المنطقة شركة «كونكورب»، التي قال الناشطون إن مالكيها يتبعون لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، إضافة إلى شركة «تانسي» المتوقفة عن العمل، والتي قال المواطنون إن ملاكها عراقيون.
وفي منطقة بلولة، أشار الناشطون إلى وجود شركة «الضيقم»، إلى جانب نحو 120 حوضاً للسيانيد.
وأوضحوا أن الأحواض أُوقفت حالياً، لكنهم أبدوا مخاوف من أن يكون الإيقاف مؤقتاً، بهدف إتاحة الفرصة أمام شركات أخرى لمواصلة النشاط تحت رعاية الشركة السودانية.
مخاوف صحية وبيئية:
كشف ناشطون عن آثار صحية وبيئية قالوا إنها مرتبطة بأنشطة التعدين في المنطقة.
وأشاروا إلى تسجيل أكثر من 20 حالة إجهاض للأجنة بمركز صحي منطقة بلولة، التي يبلغ تعداد سكانها نحو 30 ألف نسمة، إضافة إلى تشوهات لدى بعض المواليد. كما تحدثوا عن حالات وفاة ونفوق ماشية عقب شربها من أحواض المياه المخصصة لمعالجة مخلفات التعدين.وربط بعض الأهالي بين هذه الحالات والتلوث الناتج عن عمليات التعدين واستخدام المواد الكيميائية.
لكن عبد الرحيم أقر بأن المعلومات المتاحة لا تثبت وجود علاقة سببية بين استخدام السيانيد أو غيره من المواد الكيميائية والحالات الصحية التي تحدث عنها السكان، مؤكداً الحاجة إلى فحوصات طبية وبيئية متخصصة ومستقلة للتحقق من هذه المزاعم.
وأشار إلى أن سكان بلولة نظموا احتجاجات سلمية رفضاً لاستخدام السيانيد بهذه الطريقة، وطالبوا السلطات بالتدخل لحماية السكان والبيئة.
إيقاف أحواض ومصادرة مواد كيميائية:
وكشف الناشطون عن تدخل الشركة السودانية للموارد المعدنية لاحقاً وإيقافها عدداً من أحواض معالجة الذهب، إلى جانب مصادرة بعض المواد الكيميائية المستخدمة في التعدين.
وأوضح عبد الرحيم أن فرقاً تابعة للجهات المختصة عثرت، بحسب قوله، على مواد غذائية مخزنة بالقرب من المواد الكيميائية.
وقال إن بعض المواد صودرت ودُفنت بجوار سوق بلولة، بالقرب من خور بلولة المعروف محلياً باسم “أبولادومة”.
وأضاف أن العاملين في استخدام السيانيد أُوقفوا عن العمل، لكن لم تُنفذ، بحسب إفادته، عمليات لتطهير المواقع التي كانت تستخدم في معالجة الذهب أو إزالة آثار المواد الكيميائية منها.
مخاوف من استمرار التلوث:
حذر عبد الرحيم من أن بعض أحواض معالجة الذهب التي أُوقفت لا تزال تحتوي على مخلفات ومواد سامة بصورة مكشوفة.
وأشار إلى أن مياه الأمطار والسيول تمر عبر هذه المواقع، ما قد يؤدي إلى انتقال المواد إلى مناطق أخرى.
وقال إن حجم المواد الكيميائية التي استخدمت في المنطقة خلال السنوات الماضية يصعب تقديره، داعياً إلى إجراء مسح شامل للمنطقة وتحديد المواقع التي تعرضت للتلوث.
ويرى مواطنون أن مجرد إيقاف العاملين في استخدام السيانيد لا يكفي لمعالجة المشكلة، مطالبين بتطهير المواقع المتضررة والتأكد من سلامة مصادر المياه والتربة والمناطق الزراعية والرعوية المحيطة بها.
مخاوف من دخول شركات جديدة:
وفي تطور آخر، أبدى عبد الرحيم مخاوف من مساعي إدخال شركات تعدين من خارج المنطقة بعد إيقاف العاملين المحليين الذين كانوا يستخدمون المواد الكيميائية.
وقال إن بعض المواطنين ينظرون إلى هذه الخطوة باعتبارها قد تثير شكوكاً حول دوافع إيقاف النشاط السابق.
وطالب السلطات بتوضيح معايير منح التراخيص لأي شركات جديدة، وضمان خضوعها للرقابة البيئية والصحية.
وشدد على أن اعتراض السكان لا يستهدف التعدين في حد ذاته، وإنما طريقة استخدام المواد الكيميائية وآثارها المحتملة على الإنسان والبيئة.
اتهامات باستمرار نشاط الشركات:
من جهته، حذر الناشط البيئي عبد الله محمد عبد الباقي من آثار استخدام مادة السيانيد في عمليات التعدين بولاية جنوب كردفان.
واتهم شركات عاملة في التعدين باستغلال ظروف الحرب لمواصلة أنشطتها، مشيراً إلى انتشار أحواض سيانيد عشوائية في عدد من المناطق.
وقال لراديو دبنقا إن شركات التعدين وسعت عمليات استخدام السيانيد بموافقة السلطات المحلية والإدارة الأهلية، الأمر الذي، بحسب قوله، شجع مواطنين على إنشاء أحواض مفتوحة وعشوائية لاستخلاص الذهب.
وأضاف أن هذه الأحواض المنتشرة في عدد من القرى والوحدات الإدارية في محلية التضامن تسببت، وفق إفادته، في تلوث بيئي وحالات وفاة بين المواطنين. وأشار إلى أن بعض أفراد الجيش شاركوا، بحسب قوله، في العمل بهذه الأحواض.
وأوضح أن السلطات ألقت القبض، بعد نحو عام ونصف، على عدد من أصحاب الأحواض ونقلتهم إلى أبو جبيهة، وفرضت على الشخص الواحد غرامة بلغت نحو 90 مليون جنيه سوداني قبل إطلاق سراحهم.
وأشار إلى توقيف شخص آخر يُدعى التقي علي الساير، قال إنه من أصحاب الأحواض، خلال الأسبوع الماضي.
وفي المقابل، قال عبد الله محمد عبد الباقي إن شركات التعدين ما تزال تواصل نشاطها في مواقع أخرى مثل منطقة الزرافة.
وأشار إلى أن آخر إنتاج لإحدى الشركات العاملة بالمنطقة، قبل أربعة أيام، بلغ خمسة كيلوغرامات وثلاثمائة غرام من الذهب، وتم نقله إلى عطبرة وبيعه هناك.
وحذر الناشط من الآثار البيئية والصحية للأحواض المكشوفة، وقال إنها تسببت في تضرر أشجار الفاكهة ونفوق عدد من الحيوانات، فضلاً عن تعرض مواطنين، بحسب إفادته، لمادة السيانيد السامة.
تدخل عاجل:
وفي السياق، حذر الأستاذ خالد النور، عضو اللجنة الوطنية لحماية البيئة، من المخاطر البيئية والصحية المحتملة الناجمة عن أنشطة التعدين واستخدام مادة السيانيد في منطقة بلولة بمحلية التضامن.
وطالب السلطات المختصة والشركة السودانية للموارد المعدنية بالتدخل العاجل للتحقق من أوضاع المنطقة واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السكان والبيئة.
وقال خالد النور لراديو دبنقا إن ما يجري في مناطق التعدين ببلولة والمناطق المحيطة بها يستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة، خاصة في ظل ما يتداوله المواطنون من شكاوى بشأن انتشار السيانيد ومخلفات التعدين بالقرب من المناطق المأهولة بالسكان. وأوضح أن وجود مواد كيميائية ومخلفات ناتجة عن عمليات التعدين بالقرب من التجمعات السكانية ومصادر المياه يمكن أن يشكل مخاطر على الإنسان والحيوان والنبات، مشيراً إلى أن تحديد حجم الضرر يتطلب فحوصات ميدانية وعلمية.
مطالب بمسح بيئي وصحي مستقل:
دعا النور إلى إرسال فريق فني متخصص إلى بلولة والمناطق المتأثرة، لإجراء مسح بيئي شامل وأخذ عينات من المياه والتربة والهواء ومخلفات التعدين، وإخضاعها للتحليل في معامل معتمدة ومستقلة. وأشار إلى ضرورة أن يشمل المسح مصادر المياه والمناطق الزراعية والمراعي ومواقع تجمع السكان، إلى جانب المناطق التي يتم فيها التخلص من مخلفات التعدين.
كما طالب بإجراء مسح صحي للسكان في المناطق المتأثرة، بالتنسيق بين وزارة الصحة والجهات الطبية المختصة، للتحقق من الشكاوى المتعلقة بظهور مشكلات صحية يربطها المواطنون بعمليات التعدين واستخدام المواد الكيميائية.
وقال إن بعض المواطنين يتحدثون عن مشكلات تتعلق بالخصوبة والإنجاب، مشدداً على أن هذه الادعاءات لا ينبغي تأكيدها أو نفيها دون أدلة طبية وعلمية.
مطالب بالشفافية والرقابة:
أكد النور أن اللجنة الوطنية لحماية البيئة تطالب الجهات المختصة بالشفافية في التعامل مع القضية، وإعلان نتائج الفحوصات والدراسات البيئية والصحية للرأي العام.
ودعا الشركة السودانية للموارد المعدنية إلى مراجعة أوضاع مواقع التعدين في بلولة، والتأكد من التزام الشركات والمعدنين بالاشتراطات البيئية والصحية، خاصة فيما يتعلق بتخزين واستخدام المواد الكيميائية والتعامل مع المخلفات والتخلص منها.
وطالب باتخاذ إجراءات فورية تجاه أي موقع تعدين يثبت أنه يتخلص من المخلفات أو يستخدم المواد الكيميائية بطريقة تعرض حياة المواطنين أو مصادر المياه أو الأراضي الزراعية والمراعي للخطر.
كما شدد على ضرورة تحديد المسؤولية عن أي تلوث يثبت وجوده، واتخاذ الإجراءات القانونية والفنية اللازمة لمنع استمرار الضرر ومعالجة آثاره.
الإطار القانوني لأنشطة التعدين:
وفقاً لأحكام القانون رقم (1) لسنة 2009، تلتزم الجهات المختصة بإخضاع الأنشطة والمشروعات، بما فيها الأنشطة الصناعية والتعدينية، للضوابط المتعلقة بالصحة والبيئة.
وتنص المادة (13) على عدم جواز إقامة أي نشاط صناعي أو زراعي أو منشأة أو مشروع تنموي، سواء في القطاع العام أو الخاص، إلا بعد إجراء دراسة لتقييم الآثار البيئية والصحية المترتبة على النشاط أو المنشأة أو المشروع، بواسطة لجنة حكومية من الجهات ذات الصلة.كما تنص المادة (14) على معاقبة كل من يخالف أحكام القانون بالسجن لمدة لا تقل عن سنة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً.وبموجب المادة (15)، يجوز للوزير، بناءً على توصية من الإدارة وبالتشاور مع الجهات ذات الصلة، إيقاف نشاط أي مؤسسة قومية تنتج نفايات صحية خطرة متى ثبت أن نشاطها يمثل خطراً صحياً على المواطنين.أما المادة (16) فتمنح وزير الصحة سلطة إصدار اللوائح والأوامر اللازمة لتنفيذ أحكام القانون.وبناءً على ذلك، يفترض قانوناً أن تخضع أنشطة التعدين للضوابط والاشتراطات الصحية والبيئية، مع إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية في حال ثبوت مخالفات أو مخاطر على صحة المواطنين والبيئة.
مطالب بتحقيق مستقل:
دعا مواطنون في بلولة إلى تشكيل لجنة فنية مستقلة تضم مختصين في الصحة والبيئة والتعدين والكيمياء والمياه، للتحقق من المخاطر التي يتحدث عنها السكان.
ويطالبون بأخذ عينات من مياه الآبار والمصادر المائية والتربة ومخلفات التعدين، وإخضاعها لفحوصات في معامل موثوقة، إلى جانب إجراء مسح صحي للسكان في المناطق التي شهدت نشاطاً تعدينياً.
كما دعوا إلى مراجعة طرق تخزين ونقل واستخدام السيانيد والزئبق والمواد الأخرى، والتحقق من أساليب التخلص من المخلفات، وتحديد المسؤولية عن أي تلوث يثبت وجوده. وتثير قضية بلولة تساؤلات حول الرقابة على نشاط التعدين في مناطق جنوب كردفان، ومدى قدرة السلطات على تحقيق التوازن بين الاستفادة من الموارد المعدنية وحماية السكان والبيئة.