حزب البديل من أجل ألمانيا.. اليمين الصاعد نحو السلطة

حزب سياسي ألماني يميني شعبوي، تأسس عام 2013 على يد مجموعة من المشككين في جدوى العملة الأوروبية الموحدة "اليورو " قبل أن يتجه نحو القومية المحافظة واليمين الشعبوي. يدعو إلى تشديد القيود على الهجرة، واستعادة العلاقات مع روسيا، وخفض الدعم لأوكرانيا، والتخلي عن اليورو.
وأثار صعوده جدلا واسعا بعدما صنفه جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني "جماعة يمينية متطرفة "، في حين ينفي قادته معارضة النظام الديمقراطي، وتوسعت شعبيته تدريجيا، ولا سيما في شرق البلاد، وتصدّر في سبتمبر/أيلول 2026 انتخابات ولاية سكسونيا أنهالت، دون أن يحقق الأغلبية المطلقة.
النشأة والتأسيس
تأسس حزب "البديل من أجل ألمانيا " عام 2013 على يد مجموعة من المشككين في جدوى اليورو، ينتمي معظمهم إلى الطبقة الوسطى والتيار الليبرالي القومي، وطرح نفسه قوة سياسية أكثر يمينية من تحالف الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاجتماعي (CDU/CSU).
ولكن انطلاقته الحقيقية كانت في مؤتمره العام 14 أبريل/نيسان -من العام نفسه- في العاصمة الألمانية برلين، بحضور 1500 ممثل منتخب صدقوا على برنامجه السياسي.
خاض الحزب الانتخابات الاتحادية الألمانية في العام نفسه، لكنه أخفق بفارق ضئيل في تجاوز عتبة 5% اللازمة لدخول البرلمان، بعدما حصل على 4.7% من الأصوات.
وفي عام 2014، حقق أولى نجاحاته السياسية بحصوله على 7.1% في انتخابات البرلمان الأوروبي، ثم دخل برلمانات ولايات براندنبورغ وبريمن وهامبورغ وسكسونيا وتورينغن.
وتزامن تمدده الانتخابي مع ارتفاع أعداد المنتمين إلى التيارين القومي المحافظ والشعبوي اليميني داخل الحزب. واعتمد في السنوات التالية خطابا قوميا يدعو إلى تشديد سياسات الهجرة، واستمال الناخبين المحبطين من أداء الحكومات المتعاقبة وسنوات الركود الاقتصادي.
إعلانكما استفاد الحزب من القلق الذي ساد بين قطاعات من الناخبين الألمان بسبب تدفق أعداد كبيرة من طالبي اللجوء القادمين من دول مزقتها الحروب، مثل سوريا وأوكرانيا. ونجح في تثبيت حضوره خصوصا في ولايات شرق ألمانيا، الأكثر احتجاجا على سياسات الحكومة الاتحادية.
ويتهم قادة الحزب التحالف الحكومي بدفع ألمانيا نحو "نفق مظلم "، والتسبب في تلاشي هويتها الوطنية والثقافية، في ظل تدفقات الهجرة وما يرتبط بها من إنفاق عام. ويعرف الحزب بانتقاده الشديد للاتحاد الأوروبي وتأكيده الاعتزاز القومي بالتاريخ والثقافة الألمانية، لكنه لم يدعُ صراحة في برنامجه لانتخابات البوندستاغ عام 2025 إلى انسحاب ألمانيا من التكتل الأوروبي.
وأثار صعود الحزب قلقا عاما لم يقتصر على تقدمه السياسي وارتفاع حظوظه في استطلاعات نيات التصويت، بل امتد إلى مخاوف من إشاعة مناخ "فاشي " بعد نحو 90 عاما من صعود الفاشية عبر الآليات الديمقراطية نفسها.
الفكر والأيديولوجيا
يقدم حزب "البديل من أجل ألمانيا " نفسه بوصفه تجمعا لليبراليين والمحافظين والمواطنين الأحرار والديمقراطيين، الذين توحدوا رغم اختلاف تاريخهم وتجاربهم وتعليمهم ومساراتهم السياسية، انطلاقا من شعورهم بالمسؤولية وضرورة العمل المشترك.
ويتبنى الحزب اليميني الشعبوي مواقف تدعو إلى خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي وإلغاء التعامل باليورو، كما يرفض الهجرة على نطاق واسع والإجراءات المتعلقة بحماية المناخ، ولا يقر بأن النشاط البشري هو سبب التحول المناخي.
ويتمتع الحزب بحضور في البرلمان الاتحادي "بوندستاغ " وبرلمانات جميع الولايات الألمانية "لاندتاغ "، وتتركز قوته بصورة خاصة في الولايات الشرقية.
وخضعت تيارات داخل الحزب للمراقبة بسبب تبنيها أفكارا يمينية متطرفة ومعارضة للدستور، وقدر المكتب الاتحادي لحماية الدستور أن هذه التيارات تضم ما لا يقل عن 20% من أعضائه.
وفي أبريل/نيسان 2025، صنف المكتب الحزب بأكمله "حركة يمينية متطرفة "، مستندا إلى ما وصفه بالطابع المتطرف للحزب وعدم احترامه الكرامة الإنسانية.
ولا يعد وصف الحزب باليمين المتطرف توصيفا إعلاميا أو شعبيا فحسب، بل تصنيفا صادرا عن المكتب الاتحادي لحماية الدستور، وهو جهاز الاستخبارات الداخلية التابع لوزارة الداخلية، ويجمع معلومات عن التنظيمات والجماعات التي قد تهدد النظام الديمقراطي في البلاد، ويخضع لرقابة البرلمان.
ولم تترتب على التصنيف عواقب تلقائية على أنشطة الحزب السياسية، في حين رفع "البديل من أجل ألمانيا " دعوى قضائية للطعن فيه.
مؤيدوه
تعود بعض جذور شعبية حزب "البديل من أجل ألمانيا " في الولايات الشرقية إلى مرحلة ما بعد انهيار جدار برلين عام 1989، الذي أنهى جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية ومهد لتوحيد شطري البلاد. فقد أغلقت آنذاك شركات عديدة مملوكة للدولة، مما أدى إلى انتشار البطالة والنزوح السكاني، وغذى مشاعر الغضب وانتقاص المكانة لدى سكان الشرق.
إعلانوبعد عقود، بقي متوسط الأجور والمدخرات أدنى في الشرق, في حين تركزت الشركات الكبرى في الغرب. كما لا يحظى الألمان الشرقيون، الذين يشكلون خمس السكان، بتمثيل كاف في الحياة السياسية، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
واستفاد الحزب من استمرار هذه الفجوة بين شرق البلاد وغربها، وحقق شعبية واضحة في الولايات التي كانت جزءا من ألمانيا الشرقية، مستندا إلى مواقفه المناهضة للهجرة.
كما استفاد، بحسب وكالة الأنباء الألمانية، من قلق قطاعات من الناخبين إزاء الأعداد الكبيرة من طالبي اللجوء القادمين من دول مزقتها الحروب، مثل سوريا وأوكرانيا، إلى جانب الإحباط من الأحزاب التقليدية والحاكمة، والركود الاقتصادي وارتفاع الأسعار.
ويستقطب الحزب كذلك بعض الشعبويين من خلال دعوته إلى تعديل المناهج المدرسية التي تنتقد الرايخ الثالث وتحمله مسؤولية الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، إذ يتبنى هؤلاء رؤية مغايرة لتلك الحقبة التي قادها أدولف هتلر.
كما يجذب قطاعات محافظة بمواقفه من المثلية الجنسية والأسرة، إذ ينص برنامجه في سكسونيا، إذا تولى السلطة، على حظر أعلام قوس قزح في المدارس، وتبني نموذج الأسرة القائم على الزواج بين رجل وامرأة.
معارضوه
يربط معارضو حزب "البديل من أجل ألمانيا " صعوده بمخاوف من انحراف مسار الديمقراطية التي بنيت على أنقاض التجربة النازية، والعودة إلى "حكم استبدادي فاشي " في ظل التصدعات الجيوسياسية والركود الاقتصادي والتاريخ المضطرب للبلاد.
ويستند هذا القلق إلى تصنيف جهاز الاستخبارات الداخلية الحزب ضمن اليمين المتطرف، وإعلانه أن "الفهم القائم على العرق والأصل للشعب، والسائد داخل الحزب، يتعارض مع النظام الديمقراطي الحر ". كما يتهمه معارضوه بالترويج لسياسات عنصرية تهدد النظام الدستوري ولا تنسجم مع القيم الديمقراطية الألمانية.
وتعد الفئات المنحدرة من أصول مهاجرة، ولا سيما القادمين من تركيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا والحاصلين على الجنسية الألمانية، من أبرز الرافضين للحزب، بسبب مواقفه المناهضة للهجرة وتبنيه سياسات للتهجير القسري تحت مسمى "الهجرة المعاكسة ".
وزاد هذه المخاوف إعلان مرشح الحزب أولريش زيغموند أن حزبه يستطيع، منذ اليوم الأول لوصوله إلى السلطة، اتخاذ إجراءات ضد المهاجرين، من بينها فرض العمل الإجباري على طالبي اللجوء في أنحاء الولاية.
كما يثير موقف الحزب من روسيا اعتراضات واسعة، إذ ينظر إليه بوصفه أكثر تأييدا للكرملين من بقية الأحزاب الرئيسية. وسبق أن انتقد العقوبات المفروضة على موسكو بسبب حربها على أوكرانيا، ودعا إلى استئناف شراء الغاز الروسي ووقف إمدادات الأسلحة إلى كييف.
وفي المقابل، ينفي قادة الحزب معارضتهم الأسس الديمقراطية، ويؤكدون التزامهم بالدستور، كما حصلوا في وقت سابق من العام على أمر قضائي يلزم جهاز الاستخبارات الداخلية بتعليق تصنيفه السابق للحزب بأنه "متطرف ".
أبرز المحطات
أدى عدم وضع حزب "البديل من أجل ألمانيا " حدودا فاصلة مع الأوساط الشعبوية اليمينية والمعادية للأجانب عام 2015 إلى انشقاق المجموعة المؤسسة ذات التوجه الليبرالي القومي عن الأغلبية المحافظة اليمينية داخل الحزب. وأسست المجموعة حزب "تحالف التقدم والانطلاقة " (ALFA)، الذي تغير اسمه لاحقا إلى "الإصلاحيين الليبراليين المحافظين " (LKR).
إعلانوفي عام 2017، بات "البديل من أجل ألمانيا " ممثلا في برلمانات الولايات الألمانية الـ16، إلى جانب البرلمان الاتحادي "البوندستاغ ".
وفي مارس/آذار 2020، صنف جهاز حماية الدستور التنظيم الداخلي المعروف باسم "الجناح " تيارا يمينيا متطرفا بصورة مؤكدة. وبناء على طلب قيادة الحزب، أعلن المتحدثون باسم التنظيم حله ذاتيا.
وفي عام 2026، اتسعت شعبية الحزب خارج معاقله التقليدية في شرق ألمانيا، إذ حصل على نحو 20% من الأصوات في ولايتي بادن فورتمبرغ وراينلاند بالاتينات الغربيتين. كما أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "إنسا " حصوله على تأييد 28% على مستوى البلاد، مقابل 20% للمحافظين.
ورغم ارتباط صورته باستقطاب أصحاب الاتجاهات اليمينية والنازيين الجدد، بدأ الحزب توسيع قاعدته بين الألمان من أصول مهاجرة، إذ ارتفعت نسبة التأييد له في صفوفهم من 3% عام 2015 إلى 19% عام 2025. وعلى المستوى الوطني، بلغت نسبة التأييد له 29%، مقابل 19% في العاصمة برلين.
الفوز في انتخابات سكسونيا أنهالت
في 7 سبتمبر/أيلول 2026، أعلن الحزب فوزه في انتخابات ولاية سكسونيا أنهالت شرقي ألمانيا، بعدما أظهرت النتائج الأولية حصوله على 43.8% من الأصوات، مقابل 17.2% للديمقراطيين المسيحيين المحافظين. ومع ذلك، أخفق في تأمين الأغلبية المطلقة من مقاعد برلمان الولاية.
وظلت هوية الجهة التي ستقود الحكومة المقبلة غير محسومة، بسبب رفض الأحزاب الرئيسية التعاون معه ضمن سياسة تعرف باسم "جدار الحماية ". ولم يسبق للحزب أن شارك في ائتلاف حاكم في أي من الولايات الألمانية الـ16 أو في الحكومة الاتحادية.
وطرح الحزب خطة من 10 نقاط لأول 100 يوم من حكمه، تضمنت خفض عدد الوزارات في الولاية، وإنشاء لجنة للتحقيق في إدارة جائحة فيروس كورونا، وتخصيص فصول منفصلة لأطفال طالبي اللجوء، وإلغاء العقود مع هيئة الإذاعة العامة الإقليمية "إم دي آر ".
كما دعا برنامجه في آخر انتخابات عامة إلى فرض الرقابة على حدود البلاد وتطبيق سياسة "إعادة التهجير "، وهو مصطلح يستخدم في أوساط اليمين المتطرف للإشارة إلى إعادة توطين بعض المهاجرين قسرا خارج ألمانيا.
وبعد إعادة انتخاب زعيمي الحزب أليس فايدل وتينو خروبالا، اللذين أشرفا على صعوده وتحوله إلى قوة وطنية، سعى "البديل من أجل ألمانيا " إلى مواصلة توسيع قاعدته، والحفاظ على تفوقه على حزب الاتحاد المسيحي بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، تمهيدا للوصول إلى الحكم في بضع سنوات.
aljazeera.net