خبر ⁄سياسي

كثير من السود والعرب.. العنصرية تفضح وجوها جديدة في فرنسا

كثير من السود والعرب.. العنصرية تفضح وجوها جديدة في فرنسا

كشفت واقعتان منفصلتان في مدينتي بوردو وكاركاسون عن حضور مقلق للخطاب العنصري داخل أماكن العمل والمؤسسات المحلية في فرنسا، بعدما تحولت عبارات تستهدف السود والعرب والمهاجرين إلى محور قضيتين أمام القضاء.

ففي بوردو، يواجه صاحب مقهى اتهامات بإطلاق عبارات عنصرية بحق موظفيه، بينما فتحت النيابة في كاركاسون تحقيقا بعد تسريب تسجيلات لشرطي بلدية وهو يطلق سلسلة من الإهانات العنصرية والعبارات المعادية للمهاجرين والنساء.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وبينما تكشف القضية الأولى عن عنصرية داخل مكان عمل، تثير الثانية تساؤلات أوسع بشأن خطاب الكراهية داخل جهاز يُفترض أن يكون مكلفا بحماية المواطنين.

اتهامات بالعنصرية داخل مقهى في بوردو

في بوردو، غاب صاحب مقهى "لو ريجان" دانيال ماريون عن جلسة محاكمته في 7 سبتمبر/أيلول الجاري، رغم متابعته بتهمة الإهانة العلنية على أساس الأصل أو العِرق. وكان الادعاء العام قد طلب إدانته، بعدما اتهمه موظفون سابقون بإطلاق عبارات عنصرية داخل المقهى في أكتوبر/تشرين الأول 2025، من بينها "كم هم كثيرون هؤلاء العرب والسود" للانتقاص منهم وربط بعض الأعمال بجنسية أو أصل معيَّن.

وحسب تقرير عن الموضوع في موقع ميديا بارت الفرنسي، فإن ماريون أطلق عبارات "مكان السود هو القبو"، "هذه وظيفة لا تليق إلا بالعرب"، "نحن نتعرض للغزو"، "هناك الكثير من العرب والسود".

وقد تلفظ دانيال ماريون (70 عاما) داخل مؤسسته "لو ريجان" في بوردو بتلك العبارات، وفقا لشهادات "متقاربة" للحاضرين في ذلك اليوم، كما أكدت المحكمة.

وكان 23 موظفا قد تقدموا بشكوى جماعية بعد الواقعة، ولا يزال 12 منهم أطرافا مدنية في القضية.

وقال عدد من العاملين إن ذلك اليوم شكَّل "محطة فارقة" لهم، مؤكدين أن هدفهم لم يكن وصف صاحب العمل بالعنصرية، وإنما محاسبة ما رأوها تصريحات عنصرية صدرت عنه.

ولم ينكر ماريون صدور العبارات، لكنه قال إنه لا يتذكرها، وعزاها إلى حالة سُكر كان عليها في ذلك اليوم. ومع ذلك، طلبت نائبة المدعي العام إدانته بتهمة الإهانة العلنية مع الظرف المشدد المتعلق بالعنصرية، واقترحت غرامة قدرها ألف يورو إلى جانب إخضاعه لدورة مواطنة.

صورة من مدينة بوردو التي شهدت الواقعة العنصرية (غيتي)

وأثار غيابه عن المحاكمة استياء الموظفين الذين كانوا ينتظرون سماع اعتذار منه. وفي المقابل، قالت هيئة الدفاع إن عدم حضوره يعود إلى وضعه الصحي، وقالت إنه يعاني اضطرابا اكتئابيا وقلقا، كما طالبت بتبرئته بحجة أن الإهانات لم تكن علنية بالمعنى القانوني.

تسجيلات تكشف خطابا عنصريا داخل شرطة كاركاسون

أما في كاركاسون، فقد كشفت تسجيلات -التقطتها عن طريق الخطأ كاميرا مثبتة على جسد أحد أفراد الشرطة البلدية- عن سلسلة من التصريحات العنصرية والجنسية والمعادية للمهاجرين.

إعلان

وكانت الكاميرا قد سجلت نحو ست ساعات من حديث أفراد دورية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعدما ظن قائدها أنه أوقفها.

ويظهر في التسجيل شرطي برتبة قائد لواء، وهو يطلق أو يشارك في إطلاق أوصاف مهينة بحق العرب والسود والأفغان والأفارقة، إلى جانب عبارات معادية للمسلمين والمهاجرين.

وقال ذلك الضابط بالحرف "لم أعد أحتمل هذا في وسط المدينة، ذلك الوغد، ذلك الزنجي، ذلك الزنجي، ذلك الوغد، ذلك الأفغاني.."، كما شبّه الرجل الخمسيني الأفارقة بـ"القرود".

وتضمنت التسجيلات تصريحات عنصرية وجنسية أخرى ذات طابع تآمري، من بينها الحديث عن احتمال تحول فرنسا إلى بلد مسلم، والدعوة إلى انقلاب عسكري على الحكومة.

وكان الشرطي -وهو عسكري سابق في الخمسين من عمره ومتعاطف مع حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف- قد وضع نفسه في إجازة مرضية في يناير/كانون الثاني الماضي.

صورة من كاركاسون المعروفة بالمدينة المحصنة بسبب قلاعها والجدران التي تحيط بها  (غيتي)

لكنه ظهر لاحقا ضمن الفريق الأمني الذي رافق جوردان بارديلا في زيارته لكاركاسون خلال الحملة الانتخابية البلدية، وبعد فوز مرشح التجمع الوطني برئاسة البلدية في مارس/آذار الماضي، انتهت إجازته المرضية في اليوم التالي، ليعود إلى العمل ضمن فرق الشرطة الليلية.

وقد فتحت النيابة العامة في كاركاسون تحقيقا أوليا بعد وصول التسجيلات إلى الدرك، في حين تصاعد التوتر داخل جهاز الشرطة البلدية، مع تقديم موظفين شكاوى تتعلق بالتهديد والتحرش، ودخول عدد منهم في إجازات مرضية.

صورتان لخطاب واحد

ورغم اختلاف السياقين، فإن القضيتين تكشفان عن نمط متشابه: عبارات عنصرية تستهدف أشخاصا بسبب لون بشرتهم أو أصولهم أو ديانتهم، وتخرج في فضاءات يُفترض أن تكون خاضعة لقواعد مهنية وقانونية، ففي بوردو صدرت التصريحات داخل مؤسسة تجارية بحق موظفين، بينما ظهرت في كاركاسون داخل دورية تابعة للشرطة البلدية.

وتُبرز القضيتان كذلك الفارق بين العنصرية بوصفها موقفا شخصيا، وتحولها إلى سلوك أو خطاب قد يترتب عليه أثر قانوني ومهني.

وبينما باتت قضية صاحب المقهى أمام القضاء، لا تزال قضية شرطي كاركاسون في مرحلة التحقيق، لكن التسجيلات والشكاوى اللاحقة فتحت نقاشا بشأن حدود الخطاب العنصري داخل المؤسسات وقدرتها على التعامل معه.

وفي الحالتين، لا تتوقف القضية عند العبارات نفسها، بل تمتد إلى آثارها على الضحايا وبيئة العمل والثقة بالمؤسسات، فحين تصبح عبارات مثل "كثير من السود والعرب" أو الإهانات الموجهة إلى المهاجرين جزءا من خطاب متداول داخل مكان العمل أو أثناء دورية للشرطة، فإنها تكشف وجوها متعددة للعنصرية في فرنسا، من المقهى إلى جهاز يُفترض أن يمثل سلطة القانون.

aljazeera.net