خبر ⁄سياسي

مدينة تعز.. عاصمة الثقافة والثورة في اليمن

مدينة تعز.. عاصمة الثقافة والثورة في اليمن

المدينة الحالمة عند سفح جبل صبر، في الجزء الجنوبي الغربي من اليمن، إحدى أهم وأعرق المدن اليمنية. تبعد عن العاصمة صنعاء نحو 256 كيلومترا جنوبا، وتُعد المركز الإداري لمحافظة تعز التي تتقسم إداريا إلى 23 مديرية، وتشرف على ممرات دولية حيوية مثل مضيق باب المندب وميناء المخا. وهي العاصمة الثقافية لليمن، وترشحت للقب عاصمة الثقافة العربية عام 2020.

لعبت مدينة تعز دورا محوريا في ثورة 2011، فكان ميدان الحرية وسطها من أبرز معالم الحراك الشعبي آنذاك، حتى لقبت بعاصمة الثورة. ثم دخلت مرحلة جديدة مع اجتياح جماعة الحوثي المحافظة مطلع 2015، وفرض حصار مشدد عليها، قبل أن تكسره المقاومة الشعبية جزئيا ثم يسود هدوء نسبي إثر هدنة أممية، تجدد بعدها التصعيد في البلاد عام 2026 عقب تحركات حوثية تصدّت لها القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، وكانت جبهة تعز من الجبهات التي المشتعلة فيه.

الموقع

تقع مدينة تعز جنوب غرب اليمن، وهي عاصمة محافظة تعز، وتتمركز المدينة في المرتفعات اليمنية عند سفح جبل صبر، على ارتفاع يقارب 1400 متر فوق مستوى سطح البحر.

وتبعد نحو 256 كيلومترا جنوب العاصمة صنعاء، ونحو 167 كيلومترا شمال شرق مدينة عدن، كما تبعد قرابة 110 كيلومترات عن مدينة المخا على ساحل البحر الأحمر.

تقع المدينة شمال خط الاستواء، بين خطي عرض 12° و14° شمالا، وخطي طول 43° و45° شرقا.

خريطة مدينة تعز اليمنية

الجغرافيا

تعرف مدينة تعز بالتضاريس الجبلية البارزة، إذ تحيط بها المرتفعات والسلاسل الجبلية، فيما يقع جبل صبر جنوب المدينة مباشرة، ويُعد أبرز معالمها التضاريسية.

ويرتفع الجبل إلى نحو 3200 متر فوق مستوى سطح البحر، أي بنحو 1500 متر فوق مستوى المدينة. كما تمتد حول المدينة مرتفعات أخرى، من أبرزها جبل حبشي غرب جبل صبر، ويفصل بينهما وادي الضباب.

وتتصل بهذه المرتفعات مجموعة من الأودية، من بينها وادي الضباب ووادي رسيان ووادي ورزان ووادي البركاني ووادي الجنة ووادي الرام ووادي اللحية.

إعلان

تتميز المدينة بمناخ معتدل ولطيف طوال العام مقارنة ببقية مناطق اليمن نظراً لارتفاعها الجبلي، إذ يصل متوسط درجة الحرارة فيها إلى نحو 21 درجة مئوية. وتُعد من أغزر مناطق اليمن هطولا للأمطار الموسمية الصيفية بمعدل يتراوح بين 600 و737.1 ملم سنويا.

قلعة القاهرة تقع على السفح الشمالي لجبل صبر (غيتي)

التاريخ

تتميز مدينة تعز بتاريخ طويل تعاقبت خلاله مراحل سياسية وحضارية متعددة، جعلت منها مركزا مهما في تاريخ اليمن، بدءا من جذورها القديمة، مرورا بازدهارها في العصر الرسولي، ووصولا إلى أدوارها الوطنية والثورية في التاريخ الحديث.

ترجع الجذور التاريخية لمنطقة تعز إلى عصور ما قبل الإسلام، ويُعد موقع قلعة القاهرة، المقامة على سفح جبل صبر، من أبرز المواقع الأثرية المرتبطة بتاريخ المنطقة القديم. وكانت المدينة تُعرف في فترات سابقة باسم عُدينة أو ذات عُدينة.

وفي أواخر القرن السادس الهجري، وتحديدا عقب وصول توران شاه الأيوبي، شقيق صلاح الدين الأيوبي، إلى اليمن عام 1173م، بدأ اسم تعز يطغى على المدينة، بعدما كان يُطلق أساسا على القلعة.

كما شهدت المنطقة حضورا إسلاميا مبكرا؛ ففي السنة الثامنة للهجرة بعث النبي محمد ﷺ الصحابي معاذ بن جبل إلى اليمن، فاتخذ من منطقة الجند الواقعة شرق تعز مقرا له، وبنى فيها جامع الجند، وهو من أقدم المساجد في تاريخ الإسلام.

تعز في العصر الرسولي

بلغت تعز مرحلة بارزة من تاريخها في عهد الدولة الرسولية في جنوب الجزيرة العربية (626-858هـ/1226-1454م)، إذ اتخذها الرسوليّون عاصمة سياسية لدولتهم التي استمرت أكثر من قرنين. وأسهم موقعها الطبيعي عند سفح جبل صبر في تعزيز مكانتها وموقعها السياسي.

وشهدت المدينة أثناء العصر الرسولي ازدهارا علميا وثقافيا ومعماريا، وأصبحت مقصدا للعلماء والأدباء من داخل اليمن وخارجه. كما انتشرت فيها المدارس والجوامع ذات الطابع المعماري المميز، ومن أبرزها جامع الملك المظفر، والمدرسة الأشرفية، والمدرسة المعتبية، والمدرسة المظفرية.

وزار الرحالة ابن بطوطة تعز في هذه المرحلة، ووصفها بأنها "أكبر المدن وأجملها ". وكانت المدينة آنذاك محاطة بسور حجري تتخلله 5 أبواب، لم يبقَ منها سوى الباب الكبير وباب موسى.

مدينة تعز تتميز بتضاريس جبلية وتحيط بها المرتفعات والسلاسل الجبلية، فيما يقع جبل صبر جنوب المدينة مباشرة (غيتي)

العهود الطاهرية والعثمانية والإمامية

بعد زوال الدولة الرسولية، انتقلت تعز إلى حكم بني طاهر، قبل أن يتمكن الإمام الزيدي المتوكل يحيى شرف الدين من السيطرة عليها عام 1517 بالتعاون مع المماليك.

كما خضعت المدينة للحكم العثماني الأول منذ عام 1516، واستمر الوجود العثماني فيها حتى عام 1918، وشهدت في هذه الفترة توسعا في النشاط العمراني.

وفي عهد الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، أصبحت تعز عاصمة للمملكة المتوكلية اليمنية بين عامي 1948 و1962. وخلال هذه المرحلة بدأت المدينة تتوسع خارج أسوارها التاريخية القديمة باتجاه السهول. وشهدت عام 1955 محاولة الانقلاب التي قادها أحمد الثلايا ضد الإمام.

إعلان

التاريخ الوطني والثوري

برزت تعز في التاريخ الوطني اليمني الحديث بوصفها مركزا للعمل السياسي والنضالي. فقد احتضنت التحركات المرتبطة بثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 التي أطاحت بالنظام الإمامي وأعلنت قيام الجمهورية، كما شكلت مرتكزا خلفيا لثورة 14 أكتوبر/تشرين الأول 1963 ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن.

وفي عام 2011، لعبت تعز دورا محوريا في ثورة 11 فبراير/شباط، وأصبح ميدان الحرية وسط المدينة أحد أبرز رموز الحراك الشعبي آنذاك، حتى ارتبط اسم تعز بلقب عاصمة الثورة.

مدينة تعز تتميز بتاريخ طويل تعاقبت عليه مراحل سياسية وحضارية متعددة، جعلت منها مركزًا مهمًا في تاريخ اليمن (غيتي)

حرب وحصار

دخلت تعز مرحلة جديدة من تاريخها مع اندلاع المواجهات المسلحة عقب اجتياح جماعة الحوثي للمحافظة مطلع عام 2015. وفرض الحوثيون منذ ذلك الوقت حصارا مشددا على المدينة، شمل إغلاق المنافذ الرئيسية المؤدية إليها، ومنها طريق الحوبان وطريق المخا، الأمر الذي أدى إلى أزمات إنسانية واقتصادية حادة.

وتوزعت السيطرة الميدانية في المحافظة بين أطراف متعددة؛ إذ سيطرت القوات الحكومية على أغلب مديريات المدينة والريفين الوسطي والجنوبي، بينما تسيطر الجماعة الحوثية على المديريات الشمالية والشرقية والمناطق الصناعية، في حين سيطرت القوات المشتركة على مديريات الساحل الغربي، ومنها المخا وذباب.

وتعرّضت أحياء المدينة لقصف بقذائف الهاون والمدفعية الثقيلة، وشملت المناطق الأكثر استهدافاً مديرية صالة وحارة الزهراء وكلابة والروضة وعصيفرة وجبل جرة ووادي القاضي، ودفع القصف المتكرر بعض الأسر إلى النزوح الداخلي المؤقت.

وبين يوليو/تموز 2015 ويوليو/تموز 2025، وثق مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان مقتل 4442 مدنيا وإصابة 12392 آخر في تعز، بينهم 588 طفلا قتيلا و1609 مصابين، و270 امرأة قتيلة و490 مصابة.

من أماكن النزوح في مديرية المعافر غرب تعز (الجزيرة)

وفي عام 2026، تصاعدت المواجهات مجددا، منهية حالة الهدوء النسبي التي سادت الجبهات منذ الهدنة الأممية في أبريل/نيسان 2022. وامتدت الاشتباكات إلى جبهات ومناطق عدة، بينها التشريفات والكدحة وجبل حبشي ومقبنة والوازعية، بالتزامن مع تعزيزات حوثية إلى خطوط التماس، وإنشاء سواتر ترابية وخنادق ومواقع مدفعية، وتكثيف الاستطلاع بالطائرات المسيّرة.

في المقابل، أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم ميداني واستعادة مديرية حيس الإستراتيجية، التي تربط بين تعز والحديدة وإب، فيما استخدمت وزارة الدفاع قدرات نوعية حديثة ترافقت مع انفجارات قوية في المنطقة. وأدى تصاعد القتال في غرب تعز إلى قطع طريق المخا-تعز، وهو طريق حيوي للتجارة ونقل المساعدات، مما تسبب في أزمة تنقل وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وزاد من الضغوط الاقتصادية والإنسانية التي تعاني منها المدينة.

معالم

قلعة القاهرة

وهي من أبرز المعالم التاريخية في مدينة تعز، تقع على السفح الشمالي لجبل صبر، بارتفاع يصل إلى نحو 1500 متر عن مستوى سطح البحر.

وتعود جذورها الأثرية إلى ما قبل الإسلام، قبل أن تشهد أعمال ترميم وتوسعة في العهد الرسولي، حين اتخذها الملك المظفر مقرا له. وشكلت القلعة النواة الأولى التي اتسعت حولها مدينة تعز القديمة.

سور تعز القديمة وأبوابه

كانت مدينة تعز القديمة محاطة بسور حجري يضم خمسة أبواب تاريخية، وفق ما ذكر الرحالة ابن بطوطة. ولم يبقَ من هذه الأبواب حتى اليوم سوى بابين رئيسيين، هما الباب الكبير وباب موسى، اللذان يمثلان جزءا من المعالم التاريخية للمدينة القديمة.

منطقة الكدحة غربي تعز حيث تقع مناطق المواجهات (الجزيرة)

جامع الجند التاريخي

يقع في منطقة الجند، على بُعد نحو 22 كيلومترا شرق مدينة تعز، ويُعد من أقدم المساجد في تاريخ اليمن والإسلام. وقد بناه الصحابي معاذ بن جبل في السنة الثامنة للهجرة، بأمر مباشر من النبي ﷺ، ليشكل أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية المرتبطة بتاريخ المنطقة.

إعلان

aljazeera.net