ما بيني وبين النور حمد والواثق كمير

ما بيني وبين النور حمد والواثق كمير!
حيدر بدوي صادق
القاهرة، 8 سبتمبر 2026
قرأت مقال الدكتور الواثق كمير، المنشور بتاريخ 6 سبتمبر 2026 بعنوان «المثقف أمام مرآته: المعيار الانتقائي»، ووجدتني متفقاً معه في جوهر ما كتب، وفي السؤال الأساسي الذي طرحه على أخي وصديقي الدكتور النور حمد: هل نطبق المعيار نفسه على المثقف أينما وقف، أم يتغير المعيار بتغير موقعنا السياسي؟
عرفت الدكتور الواثق أستاذاً لي في جامعة الخرطوم، وكان، مع رفيقة دربه أستاذتي العظيمة الدكتورة زينب بشير البكري، ممن كان لهم أثر عميق في تكويني الأكاديمي والفكري. درست عنده علم الاجتماع ضمن مجموعة صغيرة من طلاب الشرف، ثم امتدت علاقتنا بعد تخرجي إلى زمالة حين عملت معيداً في قسم علم الاجتماع الذي كان يرأسه.
وقد تبدو، لذلك، شهادتي في الواثق مجروحة. لكن الواثق نفسه يعرف مقدار العناد الفكري الذي كنت، وما زلت، أمارسه تجاهه كلما اختلفنا. كانت خلافاتنا تبدأ أحياناً في مكتبه وتطول، ولكنها ظلت دائماً محمولة على المحبة والاحترام وحرية التفكير.
ثم تعمقت علاقتي به أكثر بعد انضمامي إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي رأيت فيها وقتها امتداداً، من زاوية أخرى، لمشروع السودان الجديد الذي بشّر الأستاذ محمود محمد طه بجوهره الإنساني قبل ظهور الحركة الشعبية والدكتور جون قرنق.
وكان انضمامي إلى الحركة الشعبية صدمة لكثير من الجمهوريين. وقد سبقني إلى تحدي العقل الجمعي الجمهوري في هذا المضمار أخي الجمهوري بشير بكار، أحد أميز الدبلوماسيين السودانيين، والذي كان ضمن أوائل من فصلتهم سلطة الإنقاذ بعد انقلاب 1989.
وما زالت روح بشير ترفرف فوقي وأنا أبشر، مع أخويّ النور والواثق، بقدوم دولة العز وكنز الفرح: سودان الإنسان، حيث لا كيان فوق الإنسان. نعم، أعتقد أننا جميعاً نبشر بها، وإن اختلفت مواقعنا والطرق التي نظن أنها تقود إليها.
ومن هنا تحديداً يأتي خلافي مع النور.
كتب الدكتور الواثق مقاله رداً على الجزء الأول من سلسلة الدكتور النور حمد «المثقف في بلاط الديكتاتور: المصلحة وإعادة إنتاج الطغيان». وجوهر اعتراض الواثق، كما فهمته، أن النور وضع المثقف أمام مرآة صارمة، لكنه لم يقف هو نفسه أمام المرآة ذاتها.
وأنا أرى أن هذا الاعتراض في محله.
فالنور لا يرى أن انضمامه إلى الهيئة القيادية لـ«تأسيس» يضعه أمام السؤال نفسه الذي يطرحه على مثقفين آخرين اقتربوا من سلطة البرهان أو شاركوا في مبادرات للحوار. ومن حقه بالطبع أن يختار موقعه السياسي وأن يدافع عنه. لكن من حقنا، بالقدر نفسه، أن نسأله: ماذا يفعل هذا الموقع باستقلال المثقف نفسه؟
النور ليس سياسياً عادياً يحتاج إلى مظلة تمنحه حضوراً أو شرعية. هو مفكر له وزنه، وصاحب مشروع فكري، وصوت جمهوري عرفه الناس ناقداً للسلطات والأفكار السائدة. وبعبارة أخرى، أصبح النور، الفرد والمفكر العضوي، مؤسسة فكرية وأخلاقية في ذاته لا تحتاج إلى رافعة.
ولهذا فإن السؤال عندي ليس: لماذا تحدث النور عن الدعم السريع أو حاول فهم موقعه في التاريخ السوداني؟ من حقه أن يفعل ذلك، بل ومن واجب المثقف أن يحاول فهم كل القوى التي صنعت واقعنا، بما فيها الدعم السريع وقائده محمد حمدان دقلو.
لكن هناك فرقاً بين أن تفهم ظاهرة سياسية وعسكرية، وأن تصبح جزءاً من بنيتها السياسية.
حين ينضم مثقف بمكانة النور إلى قيادة «تأسيس»، فإنه لا يستمد منها رأس مال رمزياً بقدر ما يمنحها هو شيئاً من رأسماله الفكري والأخلاقي. وهذه، في تقديري، هي النقطة التي لا يجوز أن تظل خارج المرآة.
والسؤال الأكثر أهمية ليس إن كان النور يؤيد هذا الموقف أو ذاك للدعم السريع، وإنما: هل احتفظ، بعد اختياره هذا الموقع، بالمسافة النقدية نفسها التي يطالب بها المثقف حين يقترب من سلطة البرهان؟
فالمثقف، في تقديري، لا يفقد قيمته لأنه اتخذ موقفاً سياسياً؛ ولكنه يخاطر بشيء من وظيفته النقدية إذا أصبح نقده صارماً تجاه معسكر، ومتسامحاً تجاه المعسكر الذي اختار أن يقف معه.
وهنا أجد مفارقة أخرى أشار إليها الواثق بحق. فهذا هو النور نفسه الذي كتب في 2021 داعياً إلى الحوار مع الإسلاميين، وقال إن «السياسة هي فن الممكن»، وإن العمل السياسي لا يخلو من المساومات، ودافع عن المصالحة والحوار بدلاً من الإقصاء.
وأنا كنت، وما زلت، أرى في ذلك النور مفكراً يحاول أن يتحرك خارج أسر المعسكرات المغلقة. ولذلك كنت أتمنى أن يظل موقعه اليوم أيضاً موقع المفكر الحر القادر على مخاطبة الجميع ونقد الجميع، لا أن يضيق فضاؤه داخل تحالف سياسي يستند، في نهاية الأمر، إلى واحدة من القوتين المسلحتين اللتين دمر صراعهما السودان.
وهذا لا ينتقص من النور، ولا من تاريخه الجمهوري، ولا من صداقتي ومحبتـي له. بالعكس، مكانته عندي هي بالضبط ما يجعل السؤال ضرورياً.
فنحن الجمهوريين تربينا على ألا تكون هناك قداسة للأشخاص، وعلى أن الفكرة تُختبر دائماً في ميزان الحرية والإنسان. وإذا كنا نطالب الآخرين بأن يقفوا أمام المرآة، فلا ينبغي أن نخشى الوقوف أمامها نحن أيضاً.
أما الواثق، فإن اتفاقي معه في هذا المقال لا يعني أنني أصبحت موافقاً له في كل شيء، ولن يحدث ذلك على الأرجح! فبيننا من العناد الفكري ما يكفي لسنوات أخرى من الاختلاف. لكنني أراه مصيباً هنا في نقطة جوهرية:
لا قيمة لمعيار أخلاقي أو سياسي لا نطبقه على أنفسنا وعلى من نحب كما نطبقه على خصومنا.
والحديث يطول. وهذا المقال ليس أكثر من حجر آخر في بركة ثائرة، وهو ما سمح به الوقت. ومن أراد التوسع، فليقرأ سلسلة مقالات النور، وليقرأ مقال الواثق، ثم ليقف هو أيضاً أمام المرآة.
altaghyeer.info