خبر ⁄سياسي

الحوار الذي أخاف حلفاء الحرب..

الحوار الذي أخاف حلفاء الحرب..!!

حسب الرسول العوض إبراهيم

لم تكن دعوة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى حوار وطني داخل السودان  مجرد مبادرة لإخراج البلاد من أزمتها ووقف الحرب وإنهاء معاناة الشعب السوداني كما أنها لم تكن فقط من أجل تحصين السودان من التدخلات الخارجية وحماية سيادته، كما يحاول البعض تصويرها. فالسياق السياسي الذي جاءت فيه الدعوة يشير إلى أنها تحمل أهدافاً أخرى  في مقدمتها إعادة ترتيب المشهد السياسي والتحالفات داخل معسكر الحرب.

فالبرهان يدرك أن تحالف السلطة القائم والمكون أساساً من الإسلاميين وقوى وحركات (الكتلة الديمقراطية) أصبح عبئاً سياسياً عليه، وأن استمرار هذا التحالف بصورته الحالية قد لا يكون مناسباً للمرحلة المقبلة. ولذلك تبدو دعوته للحوار محاولة لتوسيع دائرة تحالفاته، وإدخال قوى سياسية واجتماعية أخرى إلى المشهد، بما يتيح له التخفف ولو جزئياً من بعض حلفائه الحاليين، والبحث عن شرعية سياسية جديدة تمهد له طريق البقاء في السلطة.

وقد ظهرت في هذا السياق محاولات إقليمية داعمة لبقاء البرهان في السلطة لجذب قوى مدنية معارضة للحرب للمشاركة في الحوار، الأمر الذي جعل الدعوة جزءاً من صراع أوسع حول شكل السلطة ومن يملك حق تشكيل السودان بعد الحرب. وقد أعلنت بعض القوى السياسية رفضها لهذه العروض، خشية أن تتحول إلى مجرد غطاء سياسي يمنح سلطة الأمر الواقع شرعية لا تستحقها.

لكن المفارقة أن حلفاء البرهان أنفسهم لم يكونوا أكثر حماساً للحوار.

فالإسلاميون الذين ظلوا يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة الدولة والسيادة وجدوا أنفسهم في مواجهة دعوة للحوار. وهنا يحق للجميع أن يسأل: إذا كان الحوار خطراً على السودان فلماذا؟ وإذا كنتم واثقين من مشروعكم الحالي فلماذا تخشون الجلوس مع الآخرين؟

الحقيقة أن الخوف بالنسبة لهم ليس من الحوار نفسه وإنما من نتائجه. فالحوار الجاد لن يستطيع تجاوز السؤال عن كيفية وصول السودان إلى هذه الحرب، ومن يتحمل المسؤولية عن الانقلاب على المسار الانتقالي ومن أعاد العسكريين إلى قلب السياسة، ومن استفاد من الحرب لتعزيز نفوذه داخل الدولة؟

كما أن الإسلاميين لا يثقون في البرهان نفسه رغم تحالفهم معه في الحرب ويخشون أن يستخدم الحوار لإعادة تشكيل تحالفاته ثم يجدون أنفسهم خارج المعادلة السياسية. ولذلك يريدون على ما يبدو  حواراً لا يهدد نفوذهم وسلاماً لا ينتزع منهم مواقعهم، ودولة تظل أبوابها مفتوحة أمام نفوذهم.

أما بعض مكونات الكتلة الديمقراطية والحركات المسلحة، فقد راكمت خلال الحرب نفوذاً سياسياً وعسكرياً ومالياً، وأصبح استمرار جزء من هذه المكاسب مرتبطاً باستمرار الوضع القائم. ولذلك فإن أي تسوية حقيقية قد تعني بالنسبة إليها إعادة توزيع السلطة والنفوذ، وربما فقدان بعض ما تحقق خلال الحرب.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى، الجميع يتحدث عن الحوار لكن عندما يصبح الحوار جدياً ويهدد مواقع ومصالح المتنفذين، يبدأ الجميع في البحث عن مبررات لتعطيله أو إفراغه من مضمونه.

البرهان يريد من الحوار إعادة ترتيب موقعه والإسلاميون يخشون فقدان نفوذهم وبعض الحركات المسلحة تخشى ضياع مكاسبها  بينما تخشى القوى المدنية المعارضة للحرب أن تتحول إلى أداة لتجميل سلطة الأمر الواقع.

وفي وسط كل ذلك يقف المواطن السوداني الذي لا تعنيه كثيراً صراعات المقاعد والمناصب وإنما يريد شيئاً واحداً وهو أن تتوقف الحرب.

السودان لا يحتاج إلى حوار لإدارة الحرب، ولا إلى حوار لتقاسم الغنائم التي أنتجتها ولا إلى حوار يعيد تدوير القوى نفسها التي ساهمت في صناعة الأزمة. السودان يحتاج إلى حوار ينهي الحرب  ويعيد بناء الدولة ويضع السلاح خارج السياسة، ويمهد لسلطة مدنية ديمقراطية، ويضع قضية العدالة والمحاسبة في مكانها الصحيح.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هو هل نؤيد الحوار أم نرفضه؟ السؤال هو أي حوار نريد؟ ولصالح من؟

إذا كان الحوار من أجل وقف الحرب وإنقاذ السودان وإعادة بناء الدولة، فهو حوار يستحق الدعم. أما إذا كان مجرد وسيلة لإعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع وتوزيع المواقع بين أطراف الحرب فإن رفضه يصبح واجباً.

فالسودان أكبر من البرهان وأكبر من الإسلاميين وأكبر من الحركات المسلحة، وأكبر من كل تحالفات الحرب.

ومن يريد فعلاً إنقاذ السودان عليه أن يقبل بحوار لا يضمن له نصيباً في السلطة القادمة. عندها فقط سنعرف من يريد السودان  ومن يريد السلطة.

* كاتب ومحلل سياسي

altaghyeer.info