الكلور.. من تكلم وكيف حصلوا على الوثائق
الكلور.. من تكلّم؟ وكيف حصلوا على الوثائق؟
أحمد عثمان جبريل
❝أخطر ما في الوثيقة ليس ما تقوله فقط.. بل الطريق الذي سلكته قبل أن تصل إلى من نشرها.❞
تقول الحكاية إن ألمانيا أرسلت عام 1917 برقية سرية إلى سفيرها في المكسيك، عُرفت لاحقاً ببرقية “زيمرمان”.. كانت مشفرة، لكن الاستخبارات البريطانية اعترضتها وفككتها، ثم أوصلت مضمونها إلى الأميركيين.. وحين أرادت بريطانيا كشفها، واجهتها مشكلة أخطر من مضمون البرقية:” كيف تكشف السر من دون أن تكشف كيف حصلت عليه؟”..
فبحث البريطانيون عن نسخة أخرى من البرقية، حتى لا يكشفوا طريقة اعتراضهم الأصلية.. وحين ظهرت الوثيقة، شكك البعض في صحتها، لكن النسخة الأصلية وفك الشفرة والمطابقة كانت أقوى من التشكيك.
لم تكن القصة يومها:” ماذا قالت البرقية فقط؟.. بل: كيف وصلت؟ ومن أين جاءت؟”
وهنا تمشي الحكاية لتدخل إلى السودان..
في زمن زيمرمان كان السر يسافر في برقية.. واليوم قد يسافر في هاتف..
السؤال لم يعد فقط:” هل استُخدم الكلور في السودان؟.. بل سؤال آخر أشد خطورة: من تكلّم؟ وكيف حصلوا على الوثائق؟”.
(1)
ما نشرته (واشنطن بوست) ليس صورة مجهولة المصدر ولا مقطعاً عابراً من وسائل التواصل.. الصحيفة تحدثت عن حزمة من الوثائق والصور والفيديوهات والرسائل والمواد الصوتية، وقالت إنها عرضتها على أكثر من عشرين مسؤولاً استخباراتياً غربياً ومفتشين سابقين للأسلحة الكيميائية وخبراء حقوقيين.. ثم جاءت (نيويورك تايمز) بملف مستقل من الجهة نفسها تقريباً، وقالت إن الدوسيه يضم نحو 150 وثيقة وصورة وفيديو ومذكرة صوتية، إضافة إلى عدة آلاف من الرسائل النصية، كثير منها يبدو أنه خرج من هواتف ضباط سودانيين كبار. نحن إذن أمام مادة ضخمة لا أمام لقطة منفردة.
(2)
وهنا تبدأ القصة الأخطر: من تكلّم؟ (واشنطن بوست) و(نيويورك تايمز) قالتا إن الملف قدمته جهة استخباراتية من الشرق الأوسط، وإن مصدره قيل إنه مصادر داخل السودان.. الجهة لم تُسمَّ، والحكومة لم تُكشف.. لكن إن صحت الوثائق، فهناك من عرف.. وهناك من نقل.. وهناك من أوصل السر إلى الخارج. وهنا لا يعود السؤال صحفياً فقط، بل يصبح سؤالاً أمنياً سودانياً خالصاً: “من كان يملك هذه المعلومات؟ ومن استطاع إخراجها؟ ومن سلّمها؟”.
(3)
لنستخدم الكلمة بحذر.. إذا خرجت أسرار عسكرية حساسة من داخل المنظومة السودانية، فهناك خيانة للأمانة الأمنية.. والخائن هنا ليس صاحب رأي مخالف، ولا صحفياً، ولا معارضاً سياسياً.. وإنما شخص اؤتمن على سر فسلمه عمداً إلى جهة خارجية.. لكن من هو؟ ضابط؟ موظف؟ شخص قريب من دائرة القرار؟ أم أكثر من شخص؟ لا يجوز أن نوزع الأسماء جزافاً.. لكن لا يجوز أيضاً أن نهرب من السؤال. فإذا ثبت أن الوثائق خرجت من الداخل، فهناك خائن ينبغي أن يعرفه السودان قبل أن يعرفه العالم.
(4)
وهناك باب آخر ينبغي أن لا نغفل عنه(التقنية).. الهاتف اليوم خزنة أسرار في جيب صاحبه. وقد أثبت عالم التجسس الرقمي أن اختراق الهاتف يمكن أن يحدث أحياناً من دون نقرة أو علم من صاحبه. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكلّم إنسان؟.. أم تكلّم هاتف؟ أم اجتمع الأمران معاً؟ لكن الإنصاف يقتضي القول: لا يوجد حتى الآن دليل منشور يثبت أن ملف الكلور تحديداً جرى الحصول عليه باختراق الهواتف.. نحن نضع احتمالاً تقنياً على الطاولة.. ولا نحوله إلى حقيقة.
(5)
ثم تأتي (نيويورك تايمز) لتضيف طبقة أخرى من الثقل.. فالصحيفة تقول إن بعض الصور والمواد الموجودة في (الدوسيه) شاركت مع الاستخبارات الأميركية، وإن مسؤولين أميركيين استخدموا بعضها في تقييم أُجري في يناير 2025 بشأن امتلاك السودان أسلحة كيميائية.. أي أن المادة لم تبقَ داخل غرفة تحرير صحفية؛ دخلت إلى دائرة استخباراتية أميركية قبل أن يعرفها الجمهور.. وهذا لا يجعلها حكماً قضائياً.. لكنه يجعل السؤال أكبر من أن يُختصر في عبارة: (مجرد تقرير صحفي).
(6)
والولايات المتحدة نفسها لم تبدأ هذا الملف أمس. وزارة الخارجية الأميركية كانت قد قررت في أبريل 2025 أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال 2024، ثم جاءت عقوبات إضافية في يونيو 2026 بعد أن قالت واشنطن إن السودان لم يستوفِ الشروط المطلوبة لإنهاء العقوبات. وفي المقابل ظل الموقف السوداني رافضاً للاتهامات.. الآن تأتي الوثائق الجديدة، والصور، والفيديوهات، والرسائل، والمواد الصوتية، لتضيف طبقة جديدة من المعلومات إلى ملف كان قائماً أصلاً. وهنا تحديداً يجب ألا نخلط بين وجود معلومات متراكمة وبين اكتمال الدليل الميداني النهائي.
(7)
لهذا لا نريد أن نصدق (واشنطن بوست) ولا (نيويورك تايمز) لأنهما صحف دولية كبرى.. ولا أن نكذب أو نصدق كل ذلك لأن جهة استخباراتية كانت وراء الوثائق.. نريد شيئاً واحداً: “التحقيق” و خبراء مستقلون، مواقع محددة، عينات، بقايا ذخائر، تربة، مختبرات، وشهود.. فحتى الخبراء الذين راجعوا مواد الملف أكدوا أن إثبات استخدام السلاح الكيميائي على الأرض يحتاج تحقيقاً محايداً.. وإذا كانت الاتهامات باطلة، فليكن الفحص العلمي أقوى رد عليها.. وإذا كانت صحيحة، فليكن الدليل هو الذي يقول ذلك.
وفي قصة زيمرمان لم تنتصر البرقية لأنها كانت صاخبة.. انتصرت لأنها صمدت أمام الفحص.
وهنا يعود السؤال إلى السودان:
من تكلّم؟..
فإن ثبت أن الوثائق حقيقية.. فليُعرف من تكلّم..
وإن ثبت التسريب.. فليُعرف الخائن.
وإن كان اختراقاً.. فليُعرف كيف دخلوا ومن أي الأبواب نفذوا.
وإن كانت الرواية باطلة.. فليُسقطها الدليل العلمي.
أما الحقيقة.. فلا تحتاج إلى بيان يحرسها..الحقيقة تحتاج فقط إلى أن تُترك لتتكلم.
ومضة:
حين تتصارع الروايات.. لا تنتصر الأعلى صوتاً، بل الأقدر على البقاء أمام الدليل.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول: الحقيقة لا تحتاج مناصراً.. تحتاج فقط إلى أن تُترك لتتكلم.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
altaghyeer.info