خبر ⁄سياسي

وينو الكيماوي.. عندما يتحول الإعلام من التحقيق إلى التبرير

وينو الكيماوي.. عندما يتحول الإعلام من التحقيق إلى التبرير

وينو الكيماوي؟.. عندما يتحول الإعلام من التحقيق إلى التبرير

خديجة الرفاعي

الجدل حول اتهام السودان باستخدام أسلحة كيميائية ليس قضية تصلح للمزايدة السياسية أو للاستعراض التلفزيوني. إنها تهمة بالغة الخطورة ذات طبيعة فنية وقانونية دولية ولا يمكن إثباتها أو نفيها عبر المذيعين والاستوديوهات.

المؤسف أن بعض المنابر الإعلامية اتجهت إلى تقديم خطاب تبريري لنفي الاتهام، وكأن مهمة الإعلام هي الدفاع عن الرواية الرسمية. وهنا تكمن الكارثة المهنية: الإعلام لا يُفترض أن يكون محامي السلطة، بل أداة للتحقق منها ومن خصومها على السواء.

إذا كانت هناك جهة رسمية تقف خلف هذا النوع من المحتوى الإعلامي بهدف نفي الاتهام، فالمشكلة أكبر من مجرد ضعف مهني؛ لأن الدولة التي تواجه اتهاماً كهذا لا تحتاج إلى “فزلكة” إعلامية محلية، وإنما إلى أدلة قابلة للفحص وتحقيق من جهات دولية متخصصة، وفي مقدمتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

النفي الحقيقي لا يكون بالصراخ أو السخرية من السؤال: “وينو الكيماوي؟”، وإنما بتقديم الأدلة الفنية: نتائج التحاليل، العينات، الوثائق، شهادات الخبراء، وسلسلة التحقق التي تسمح للجهات المستقلة بفحص النتائج.

وفي المقابل، فإن مهنية الصحافة تقتضي ألا تتعامل مع الاتهام الأميركي باعتباره حقيقة نهائية لمجرد صدوره من واشنطن. الاتهام يحتاج إلى دليل، والنفي يحتاج إلى دليل.

وهنا يفشل الإعلام المسيس في الحالتين: إما أن يتحول إلى بوق للاتهام، أو يتحول إلى بوق للنفي. أما الصحافة الحقيقية فتضع الطرفين تحت الاختبار نفسه: الأدلة أولاً.

والأخطر أن تحويل الإعلاميين إلى أدوات للدفاع السياسي يضر بالدولة نفسها؛ لأن الحملة الدعائية لا تسقط اتهاماً دولياً، بينما التحقيق المستقل والشفافية يمكن أن يفعلا ذلك.

لذلك، فإن السؤال المهني ليس: “كيف نقنع الناس بأن الاتهام كاذب؟”

بل:

هل توجد أدلة؟ ومن فحصها؟ وهل يستطيع طرف مستقل التحقق منها؟

إذا كانت الدولة واثقة من براءتها، فلتفتح الباب للتحقيق الدولي، ولتضع ما لديها من أدلة أمام المؤسسات المختصة.

أما أن يُستبدل المختبر باستوديو التلفزيون، والخبراء بالمذيعين، والتحقيق بالمرافعة السياسية، فذلك ليس دفاعاً عن الحقيقة.

إنه سقوط للإعلام من مهنة البحث عن الحقيقة إلى وظيفة تبرير السلطة.

وفي قضية بهذه الخطورة، لا نحتاج إلى إعلام يقول لنا ماذا نصدق؛ نحتاج إلى إعلام يكشف لنا ما الذي حدث وما يمكن إثباته.

altaghyeer.info