خبر ⁄سياسي

فورين أفيرز: كيف أدت هجمات 11 سبتمبر إلى تفكك الديمقراطية الأمريكية

فورين أفيرز: كيف أدت هجمات 11 سبتمبر إلى تفكك الديمقراطية الأمريكية

في مقال مشترك بمجلة فورين أفيرز 11 سبتمبر/أيلول 2026، يجادل دانيال بنجامين وستيفن سايمون بأن إرث هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لا ينبغي أن يُقاس فقط بحربي العراق وأفغانستان أو بملاحقة تنظيم القاعدة، بل كذلك بالتغير العميق الذي أحدثته "الحرب على الإرهاب" في السياسة والمجتمع والديمقراطية داخل الولايات المتحدة.

ويرى الكاتبان أن التركيز الأمريكي طوال ربع قرن على التهديد الإرهابي أسهم في خلق ثقافة سياسية قائمة على الخوف، وأدى إلى اتساع صلاحيات السلطة التنفيذية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتصاعد كراهية الأجانب والمسلمين والمهاجرين، وتآكل التوافق الحزبي والاجتماعي.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وينطلق المقال من حصيلة بشرية ومالية هائلة، إذ يشير إلى مقتل أكثر من 7 آلاف جندي أمريكي وإصابة نحو 53 ألفا، إضافة إلى انتحار أكثر من 30 ألفا من العسكريين والمحاربين القدامى، بينما أضافت حروب ما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، وفق مشروع "تكلفة الحرب" بجامعة براون، نحو 8 تريليونات دولار إلى الدَّين الأمريكي.

لكن المؤلفَين يؤكدان أن هذه الأرقام لا تعكس وحدها حجم التحول الداخلي، إذ نشأت خلال تلك الفترة منظومة أمنية واسعة جمعت بين الاستخبارات والشرطة والجيش والهجرة والمراقبة الرقمية، بحيث أصبح بالإمكان تتبع الأفراد واتصالاتهم وحركتهم قبل ارتكاب أي جريمة.

فورين أفيرز: التركيز الأمريكي طوال ربع قرن على التهديد الإرهابي أسهم في خلق ثقافة سياسية قائمة على الخوف (الجزيرة)

تهديد محتمل

ويعتبر بنجامين وسايمون أن الخطر الأكبر تمثل في انتقال منطق "الحرب على الإرهاب" من مواجهة عدو خارجي إلى التعامل مع فئات داخل المجتمع باعتبارها تهديدات محتملة.

فبعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، أسهم الخطاب المعادي للإسلام في ترسيخ صورة المسلمين باعتبارهم جماعة موضع شبهة، قبل أن يمتد هذا المنطق لاحقا إلى المهاجرين والمتظاهرين والجماعات السياسية والثقافية المختلفة.

إعلان

ومع صعود الرئيس دونالد ترمب -حسب المقال- أصبحت الحدود بين الإسلاموفوبيا ومعاداة الهجرة أكثر ضبابية، وتحول خطاب "العدو الداخلي" إلى عنصر أساسي في التعبئة السياسية.

ويولي المقال أهمية خاصة للانتخابات الرئاسية لعام 2016، باعتبارها نقطة تحول في مسار "الحرب على الإرهاب"، فبدلا من أن يكون الخطر الجهادي مرتبطا أساسا بحروب بعيدة، أصبح يقدم بوصفه جزءا من تهديد داخلي مرتبط بالهجرة والحدود.

ويشير الكاتبان إلى أن ترمب وظّف هذا الربط سياسيا، قبل أن يترجمه بعد وصوله إلى السلطة عبر حظر دخول مواطني دول إسلامية، ثم توسع لاحقا في سياسات احتجاز وترحيل المهاجرين، مستفيدا من أدوات ومفاهيم أمنية طُوّرت أصلا في سياق الحرب على الإرهاب.

ويرى المقال أن هذه العملية أسهمت في بناء ما يمكن وصفه بـ"المجمع الصناعي لمكافحة الإرهاب"، حيث توسعت ميزانيات وأجهزة الأمن والهجرة والشرطة بشكل كبير.

توسع السلطة التنفيذية

ويقدم الكاتبان مثالا على ذلك بجهاز إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكي، الذي ارتفعت ميزانيته منذ تأسيسه عام 2003 من 3.3 مليارات دولار إلى قرابة 29 مليارا، فيما ارتفع عدد عناصره المسلحين من نحو 3 آلاف إلى 22 ألفا، كما أصبحت قوات الشرطة المحلية أكثر عسكرة، بفضل انتقال كميات ضخمة من المعدات العسكرية إليها.

وفي قلب هذا التحول -حسب المجلة- تكمن مشكلة توسع السلطة التنفيذية، فبعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، منحت الرئاسة والحكومة الفدرالية صلاحيات استثنائية بحجة حماية الأمن القومي، وشملت المراقبة وقوائم الاشتباه والاحتجاز والعمليات السرية واستخدام القوة العسكرية.

ولم يقم الرئيس باراك أوباما، رغم تقليصه بعض جوانب إرث جورج بوش الابن، بتفكيك هذه البنية بصورة كاملة، كما أن الكونغرس لم ينجح في إلغائها، وبالتالي بقيت الأدوات التي صممت لمواجهة الإرهاب متاحة أمام أي رئيس مستعد لاستخدامها ضد خصوم سياسيين أو جماعات داخلية.

ويحذر الكاتبان من أن إدارة ترمب استخدمت بالفعل بعض هذه السوابق لتوسيع استخدام القوة ضد المهاجرين والمتظاهرين وغيرهم، معتبرين أن "الحرب على الإرهاب" لم تخلق السلطوية الأمريكية، لكنها خفضت تكلفة الانتقال إليها.

ولا يتوقف المقال عند المؤسسات، بل يربط أيضا بين إرث الحروب الطويلة وتطرف بعض فئات المجتمع، ولا سيما بعض المحاربين القدامى والجماعات اليمينية المسلحة.

فورين أفيرز: الحرب على الإرهاب أعادت تشكيل البيئة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم (الجزيرة)

جهاز حكومي أقوى

أما على المستوى الدولي، فيؤكد المقال أن الحرب على الإرهاب أعادت تشكيل البيئة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم، فقد أسهم غزو العراق في تعزيز نفوذ إيران، وفي ظهور "تنظيم الدولة الإسلامية"، كما أسهمت الحروب في الشرق الأوسط في تفاقم أزمات الهجرة وصعود الأحزاب الشعبوية اليمينية في أوروبا، كما استفادت أنظمة استبدادية من خطاب مكافحة الإرهاب لتبرير تشديد قبضتها السياسية.

ويصل المقال في نهايته إلى خلاصة سياسية حادة، وهي أن احتفالات ذكرى 11 سبتمبر/أيلول ركزت غالبا على الضحايا والصدمة والهجمات نفسها، ولكن النتائج السياسية الداخلية للحرب على الإرهاب لم تحظَ بالقدر الكافي من المراجعة.

إعلان

ويرى بنجامين وسايمون أن أخطر إرث لهذه الحرب ربما لا يتمثل في العراق وأفغانستان وحدهما، بل في تحول كلمة "إرهابي" من وصف لفاعل عنيف إلى نموذج للتعامل مع الخصوم السياسيين، أي النظر إلى المعارض السياسي أو المهاجر أو المتظاهر باعتباره عدوا أمنيا محتملا.

وبذلك يقدم المقال قراءة مختلفة للذكرى الخامسة والعشرين لـ11 سبتمبر/أيلول، توضح أن الحروب التي تلته أنتجت جهازا حكوميا أقوى وأكثر قدرة على المراقبة والاحتجاز واستخدام القوة، وفي الوقت نفسه أسهمت في إضعاف التماسك الاجتماعي والديمقراطي.

aljazeera.net