خبر ⁄سياسي

لا حل في الأفق بالضفة الغربية.. لكن هل تغير ميلانيا موقف ترمب

لا حل في الأفق بالضفة الغربية.. لكن هل تغير ميلانيا موقف ترمب

بين لندن وتل أبيب، بدا هذا الأسبوع أن لغة السياسة البريطانية تجاه إسرائيل دخلت منعطفا أكثر حدة، بعدما أعلنت حكومة رئيس الوزراء آندي بيرنهام عقوبات تجارية على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وجاءت الانعطافة في إعلان لوزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم، كشف فيه عن حزمة عقوبات وحظر تجاري استهدفت المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ففي تصعيد لافت وغير مسبوق في حدة اللغة الدبلوماسية، قال ميليباند إن الحكومة البريطانية تقر بأن "تطهيرا عرقيا" يجري في أجزاء من الضفة الغربية على أيدي "مستوطنين إرهابيين"، واتهم الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عنه، بل ودعم بعض أعضائها التهجير القسري للفلسطينيين، طبقا لتقرير نشرته صحيفة آي بيبر لكبيرة محلليها السياسيين كيتي دونالدسون.

ولم يستغرق هذا التغير الدراماتيكي في السياسة الخارجية سوى 6 أسابيع من التخطيط. وأشارت الصحيفة إلى أنها تواصلت مع عشرات المسؤولين، مانحة إياهم حق إخفاء الهوية ليتحدثوا بحرية، وذلك بغية كتابة تقرير عن دبلوماسية فائقة السرعة امتدت عبر القارات، مع إبراز الدور المفاجئ الذي أدته السيدة الأولى ميلانيا، زوجة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

العقوبات تمثل قطيعة واضحة مع النهج الحذر والمتردد الذي طبع عهد رئيس الوزراء السابق كير ستارمر

بواسطة آي بيبر

إعادة ضبط سياسية

وجاء هذا التحول في إطار ما أُطلق عليه "إعادة الضبط"، ليعيد تأكيد المنطق البريطاني الداعي إلى التوصل عاجلا أم آجلا إلى حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة جنبا إلى جنب مع إسرائيل.

وعلى حد تعبير دونالدسون، فإن هذه الخطوة تمثل قطيعة واضحة مع النهج الحذر والمتردد الذي طبع عهد رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، وعرّضه لانتقادات واسعة لعدم دعوته الفورية إلى وقف إطلاق النار وتصريحاته السابقة بشأن حق إسرائيل في قطع المياه والكهرباء عن غزة.

إعلان

وتوضح آي بيبر أن العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدهورت منذ وصول حزب العمال إلى الحكم عام 2024، خصوصا بعد فرض حظر جزئي على الأسلحة.

أما بيرنهام -الذي ينتمي أيضا إلى حزب العمال- فكان قد اعتذر في يوليو/تموز الماضي عن تعامل حكومة ستارمر السابقة مع أزمة غزة، قائلا إن الحزب "أخطأ" وإن ذلك تسبب في "ألم بالغ".

إد ميليباند أعلن أمام مجلس العموم عن حزمة عقوبات وحظر تجاري على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية (رويترز)

ومع توليه السلطة، أراد بيرنهام مع ميليباند الانتقال من الاعتذار إلى سياسة أكثر وضوحا. وجاءت قضية المستوطنات لتكون الاختبار العملي لذلك التحول، بعدما أُبلغ ميليباند -عقب عودته من زيارة إلى الفلبين- بخطط إسرائيل لطرح مناقصات لبناء 1200 منزل استيطاني في منطقة مخطط "إي 1" الاستيطاني بالضفة الغربية.

ووفقا لتقرير دونالدسون، لم يتعامل ميليباند مع القرار بوصفه خطوة سياسية فقط، بل سعى إلى تأسيسه على أرضية قانونية صلبة. وتقول مصادر في وزارة الخارجية البريطانية إنه طلب "أدلة قاطعة تماما" قبل المضي في العقوبات، وخصص جزءا كبيرا من جدول أعماله لاجتماعات وإحاطات مكثفة بشأن الأدلة المتعلقة بالتطهير العرقي وجرائم الحرب.

ولتعظيم أثر القرار، نسقت لندن تحركها مع فرنسا وكندا. ونقلت آي بيبر عن وزير بريطاني -لم تفصح عن اسمه- قوله "نحن نصطاد في مجموعات دبلوماسية"، في إشارة إلى التحرك المنسق بين الدول.

الرد الأمريكي

وفي يوم الإعلان عن العقوبات، انضمت 11 دولة -معظمها أوروبية- إلى بريطانيا في بيان مشترك، يعلن دراستها فرض قيود على تجارة منتجات المستوطنات. لكن صانع القرار البريطاني كان يدرك أن الاختبار الأهم لن يكون في القدس، بل في واشنطن، حيث تمثل الولايات المتحدة الحليف الدولي الأبرز لإسرائيل.

السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي حذر من احتمال لجوء إسرائيل إلى إجراءات انتقامية ضد بريطانيا  (الفرنسية)

ووصفت الصحيفة القلق البريطاني من رد فعل إدارة دونالد ترمب بأنه لم يكن مستغربا. فقد حذر السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي من احتمال اللجوء إلى "عقوبات أو تداعيات أو إجراءات انتقامية" ضد بريطانيا.

لكن البيت الأبيض سرعان ما نأى بنفسه عن تصريحاته، في حين اتخذ وزير الخارجية ماركو روبيو موقفا أكثر تحفظا، قائلا "‘طبعا لن نفعل ما فعلته بريطانيا"، قبل أن يضيف أنه لا يملك تعليقا على القرار. وفي اليوم التالي، قال ترمب إنه اطلع على الخطوة وسيتحدث إلى إسرائيل، من دون إدانة لندن.

ورأت الصحيفة أن رفض ترمب إدانة بريطانيا أحدث دليل على توتر علاقته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وذلك عقب خلافات سابقة دارت بشأن إستراتيجيات حرب إيران وعملية السلام في غزة.

وقالت مصادر دبلوماسية تحدثت إلى دونالدسون إن هذا الموقف لم يكن عرضيا. إذ زعم أحد المصادر أن ترمب "لا يحب المستوطنات الإسرائيلية"، وأن السيدة الأولى ميلانيا ترمب والمبعوث الأمريكي الخاص للسلام جاريد كوشنر قدما له إحاطات بشأن المستوطنات، مضيفا أن ميلانيا تتدخل عندما يتعلق الأمر بمعاناة الأطفال.

إعلان

كما سبق للولايات المتحدة أن انتقدت عنف المستوطنين، وحذرت إسرائيل من ضم الضفة الغربية رسميا، خشية إبعاد حلفائها العرب والمسلمين الذين تحتاج إليهم واشنطن في الضغط على حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بحسب التقرير.

وفي مكالمة بين بيرنهام وترمب يوم الاثنين، لم يطلب الرئيس الأمريكي من رئيس الوزراء البريطاني التراجع عن العقوبات، وهو ما اعتبرته لندن مؤشرا إيجابيا للعلاقات التجارية والتكنولوجية.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون خارج منزل فلسطيني في بلدة قصرة بالضفة الغربية (رويترز)

إسرائيل غاضبة

لكن على الأرض في الضفة الغربية، تبدو الصورة أكثر قتامة من الحسابات الدبلوماسية. فقد نقل مراسل صحيفة تايمز مارك بينيتس -في تقرير ميداني من مستوطنة "شيلو"- أن العقوبات البريطانية أثارت غضب إسرائيل، لكنها لم تَبدُ لسكان المستوطنات ذات أثر اقتصادي حاسم.

وقال صاحب مصنع نبيذ هناك "إذا لم تشتر بريطانيا النبيذ، فسيشتريه غيرها".

ويشير التقرير إلى أن عدد سكان المستوطنات -التي يعدها معظم المجتمع الدولي غير قانونية- زاد 3 أضعاف منذ عام 1993، ليصل إلى نحو 700 ألف مستوطن.

ويربط بينيتس بين التوسع الاستيطاني وتصاعد الخطاب المتطرف. فقد نقل عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش -وهو مستوطن وأحد أبرز الداعمين للمشروع الاستيطاني- قوله إن مشروع "إي 1″ سيقسم شمال الضفة الغربية عن جنوبها و"سيدفن فكرة الدولة الفلسطينية". وقد بدأت بالفعل أعمال هدم وبناء في المنطقة، وفق صحيفة تايمز.

وفي قرى فلسطينية قريبة، ينقل مراسل الصحيفة عن السكان واقعا أمنيا شديد التوتر. وقال رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي إن المستوطنين "يهاجمون كبار السن والنساء، ويحرقون المنازل والمساجد، ويقتلون الأغنام والماعز".

وفي ترمسعيا، تحدث الناطق باسم البلدة ياسر علقم عن اعتداءات جسدية ومحاولات إحراق منازل وتدمير سيارات مرة واحدة على الأقل كل أسبوع.

وقال إن نحو 150 مستوطنا هاجموه وفلسطينيين آخرين في بستان زيتون في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مضيفا "بصراحة، لم أكن أعتقد أنني سأنجو بحياتي في ذلك اليوم".

وبحسب ما أوردته تايمز نقلا عن الأمم المتحدة، قُتل أكثر من 1100 فلسطيني -بينهم 246 طفلا على الأقل- بأيدي مستوطنين وجنود إسرائيليين منذ اندلاع حرب غزة، في حين تشير أحدث بيانات أممية إلى مقتل 82 فلسطينيا في الضفة الغربية خلال عام 2026 حتى 4 سبتمبر/أيلول.

وأكد فلسطينيون للصحيفة أن مرتكبي أعمال العنف نادرا ما يخضعون للمحاكمة، وأن الجنود الإسرائيليين يشاركون أحيانا في الهجمات أو يغضون الطرف عنها. لكن الحكومة الإسرائيلية تنفي اتساع نطاق العنف، وتؤكد أن من يرتكبه يمثل أقلية من المستوطنين.

وفي مواجهة هذا الواقع، تبدو العقوبات البريطانية ذات قيمة رمزية أكبر من قدرتها المباشرة على تغيير الوقائع. فقد نقلت تايمز عن ياسر علقم -المحامي شبه المتقاعد الذي يحمل الجنسية الأمريكية- قوله "قد لا نرى تأثيرا ضخما، لكنه قرار رمزي، وهذا مشجع جدا. لا بد لأحد أن يتصرف".

aljazeera.net