خبر ⁄سياسي

أربعة أعوام.. والبرهان ما زال يروي الحرب

أربعة أعوام.. والبرهان ما زال يروي الحرب

أحمد عثمان جبريل

❝بعد أربعة أعوام إلا قليلاً.. دُعيت الصحافة إلى الخرطوم لتسمع من البرهان كيف بدأت الحرب.. لكن من كان ينتظر أن يسأل: كيف تنتهي؟❞

تقول الحكاية إن فضيحة ووترغيت لم تكبر لأن الصحفيين جلسوا أمام السلطة ليستمعوا إلى روايتها.. كبرت لأن بوب وودورد وكارل برنستين فعلا العكس تماماً.. أخذا ما قيل، ثم ذهبا يبحثان عما لم يُقل.. لم يكتفيا بالرواية الرسمية، بل طاردا الحقيقة خلف الأبواب المغلقة حتى وصلت الصحافة إلى البيت الأبيض..

وفي تاريخنا الإسلامي، وقف سعيد بن جبير أمام الحجاج بن يوسف.. رجل يملك السيف، ورجل لا يملك إلا الكلمة.. لم يكن المشهد متكافئاً في القوة، لكنه كان واضحاً في معنى الكرامة: “قد يستطيع السلطان إسكات صاحب الكلمة.. لكنه لا يستطيع أن يقتل معناها”.

ومن هناك حيث الماضي البعيد والقريب نعود إلى الخرطوم..

(1)

في 15 أبريل 2023 اندلعت الحرب.. ومنذ ذلك اليوم المشؤوم والسودان يدفع ثمنها من الدم والبيوت والأرزاق والأعمار..

أربعة أعوام إلا قليلاً..

ثم تُوجَّه الدعوة إلى أكثر من مئة وثلاثين صحفياً وإعلامياً، فيأتون من جهات مختلفة إلى الخرطوم، ويجلسون أمام البرهان ليستمعوا إلى روايته للحرب، وكيف بدأت، وما جرى قبلها، وما بعدها.

حسناً..

فليُسمع ما يقول..

لكن السؤال الذي كان يجب أن يسبق كل شيء: (ما الجديد؟) ..

ماذا يمكن لرواية تُقال بعد أربعة أعوام أن تضيفه إلى حدث عاشه السودانيون لحظة بلحظة؟..

هل كانت الحقيقة مخبأة طوال هذه السنوات، تنتظر أن يجتمع أكثر من مئة وثلاثين صحفياً حتى يخرجها البرهان من فمه؟

(2)

الصحافة لا تتملك الحقيقة لأنها سمعت الحاكم..

والحقيقة لا تصبح حقيقة لأنها قيلت داخل القيادة العامة..

الحرب لها أطراف متعددة، ولها وثائق وشهادات ووقائع ومصالح ومسارات.. والصحفي لا يضع رواية طرف في صندوق الحقيقة ثم يغلقه..

بل يسأل: ماذا تقول الرواية الأخرى؟

أين الوثيقة؟ .. أين الشاهد؟..

أين الوقائع التي تؤيدها؟..

أربعة أعوام كانت كافية لكي تبحث الصحافة عن كل ذلك..

لكن أن تُدعى الصحافة اليوم لتسمع رواية الأمس، ثم تعود بها إلى الناس، فذلك شيء آخر.

هذه صحافة تنقل الرواية.. لا صحافة تختبرها.

(3)

والأغرب أن البرهان يستطيع أن يروي كيف نشأت قوات الدعم السريع، وكيف تحولت من قوة أنشأها نظام البشير إلى لاعب عسكري وسياسي داخل الدولة..

لكن السؤال الحقيقي لا يقف عند البشير..

فالدولة التي ورثها من جاء بعده كانت تعرف أن فيها جيشاً وقوة مسلحة أخرى، ومراكز قوة وسلاحاً خارج البنية التقليدية للجيش.

فماذا فعلتم؟ ..

من ترك الخلل يكبر؟..

ومن سمح لمراكز القوة أن تتسع حتى انفجرت في وجه السودان؟..

الحرب لا تبدأ دائماً في يوم الرصاصة الأولى.. أحياناً تبدأ يوم يرى أصحاب القرار الخلل، ثم يتركونه يكبر..

وهذه أسئلة صحفية..

لا أسئلة جمهور جاء ليستمع.

(4)

ثم هناك السؤال الذي لا يجوز أن يهرب منه أحد: كم كلف هذا اللقاء؟..

نحن لا نملك فاتورة رسمية منشورة، ولذلك لا يصح أن نخترع رقماً..

لكن دعونا نحسبها حساباً تقديرياً فقط..

أكثر من 130 صحفياً وإعلامياً..

تذاكر سفر، وإقامة، وترحيل، وإعاشة، ونثريات، وتنظيم..

وبمتوسطات متحفظة لهذه البنود، يمكن أن تقترب الكلفة من نحو 200 ألف دولار، تزيد أو تنقص بحسب ما دُفع فعلياً..

200 ألف دولار تقريباً..

في بلد يبحث فيه الناس عن الماء والكهرباء والدواء..

وهنا لا يعود السؤال عن الصحافة وحدها..

بل عن أولويات دولة أنهكتها الحرب.

ماذا لو ذهبت هذه الأموال إلى محطة مياه تنتظر قطعة غيار؟..

ماذا لو أعادت الكهرباء إلى حي؟..

ماذا لو ساعدت مستشفى على تشغيل جهاز متوقف؟..

المواطن لا يشرب رواية الحرب..

ولا يضيء بيته بصورة مع الحاكم..

ولا يعالج مريضه بالتصفيق.

(5)

كان يمكن لهذا اللقاء أن يكون شيئاً آخر.. كان يمكن أن يدخل الصحفي إلى البرهان وفي يده أسئلة أربعة أعوام من وجع السودانيين:

(متى تتوقف الحرب؟)

(متى يعود النازحون؟)

(كيف تعود الخدمات؟)

(كيف تُحمى المدن والقرى؟)

(ما الطريق السياسي الذي ينهي القتال؟)

(ماذا بعد الحرب؟)

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُحشد لها الصحافة..

أما أن تُحشد الصحافة لتسمع كيف بدأت الحرب..

فالسودانيون يعرفون..لقد عاشوها.

هربوا منها.. دفنوا موتاهم..

تركوا بيوتهم.. ناموا في العراء..

وعاشوا أربع سنوات تقريباً وهم يدفعون ثمنها.. فلا أحد يحتاج إلى صحفي ليخبره أن الحرب وقعت.

(6)

وهنا تأتي وظيفة الصحافة..

الصحفي لا يدخل على الحاكم ليخرج منه بالرواية التي دخل بها..

يدخل بسؤال الناس..

ويخرج بإجابة يختبرها..

لا مطلوب منه أن يعادي البرهان..

ولا أن يجامله.. لا أن يهتف ضده..

ولا أن يصفق له..

مطلوب منه أن يحافظ على تلك المسافة الصغيرة التي تفصل الصحافة عن السلطة.. فإذا سقطت المسافة.. سقط السؤال.

وإذا سقط السؤال..

تحولت الصحافة إلى مكبر صوت.

وهنا أتذكر وودورد وبرنستين..

لم يقولا: هذا ما قاله البيت الأبيض، وانتهى الأمر..

قالا، بصورة عملية: دعونا نتحقق..

وهذا هو الفارق بين صحافة تستمع..

وصحافة تبحث.

(7)

وفي قصة سعيد بن جبير معنى آخر.. لم يكن يملك جيشاً أمام الحجاج، ولا منصة إعلامية، ولا حشداً من الصحفيين..

كان يملك كلمة..

والكلمة حين تكون لصاحبها، لا تحتاج إلى جمهور كي تصبح عظيمة..

لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال اليوم:”كم صحفياً دخل على البرهان؟”

بل: “كم سؤالاً حقيقياً دخل معه إلى ذلك اللقاء؟”..

ولا ينبغي أن يكون السؤال:

ماذا قال البرهان؟..

بل: “ماذا سأله الصحفيون؟”..

فبعد أربعة أعوام إلا قليلاً، لا يحتاج السودان إلى صحافة تستعيد له رواية الحرب..

يحتاج إلى صحافة تسأل صاحب القرار عن نهايتها.

كان يمكن أن يدخل أكثر من مئة وثلاثين صحفياً إلى ذلك اللقاء..

ثم يخرج كل واحد منهم بسؤال واحد:

(عرفنا منك كيف بدأت الحرب.. فمتى تتوقف؟) ..

لكن إذا خرجت الصحافة من عند الحاكم بالرواية نفسها التي دخلت بها، فما الذي أضافه اللقاء؟..

وإذا أنفق بلد أنهكته الحرب عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات على حشد إعلامي، بينما مؤسساته ومواطنيه يبحثون عن أبسط مقومات الحياة..

فالسؤال يصبح أكبر من الصحافة:

أيُّ أولويات هذه؟

أربعة أعوام يا هؤلاء..

والبرهان ما زال يروي الحرب.

والصحافة ما زالت تسمع.

أما السودان..

فما زال ينتظر النهاية..

بئس اللقاء الذي يُحشد له الصحفيون.. بينما تبقى الصحافة خارجه..

وبئس الصحافة التي تبحث عن الحقيقة بعد أربعة أعوام.. وكأن الحقيقة كانت تنتظر دعوةً إلى الخرطوم حتى تُكتشف.

ومضة:

بعد أربعة أعوام من الحرب.. لم يكن السودان يحتاج إلى أكثر من مئة وثلاثين صحفياً ليسمعوا روايةً عن كيف بدأت الحرب؛ كان يحتاج إلى صحفي واحد فقط يسأل السؤال الذي لم يجد له السودان جواباً: (متى تنتهي؟)

توقيع أفق الحرف:

بئس اللقاء الذي يحشد الصحفيين.. ثم يُخرج الصحافة.

وبئس الصحافة التي تصل إلى الحاكم بعد أربعة أعوام.. ولا تحمل إليه إلا ما سمعته منه.

فالصحافة لا تكون صحافةً لأنها دخلت إلى القيادة العامة.. وإنما لأنها تخرج منها وهي تحمل سؤال الناس، لا رواية السلطة..

أفق يترفق باتساعه.. ليقول: أربعة أعوام تكفي لسماع الروايات.. أما الحقيقة، فتحتاج إلى صحافة تسأل.

إنا لله ياخ..

الله غالب.

altaghyeer.info