خبر ⁄سياسي

الحردلية.. من المدرسة الدينية إلى ساحات الحرب

الحردلية.. من المدرسة الدينية إلى ساحات الحرب

تحوَّل تيار "الحردلية" في إسرائيل من جماعة محدودة داخل الصهيونية الدينية إلى شبكة تمتد بين المدارس الدينية والمستوطنات والجيش والسياسة، حاملة تصورا يجمع التشدد الديني بالقومية اليهودية وقداسة الأرض والدولة.

وكشفت حرب غزة جانبا آخر من هذا التحول، مع ظهور خطاب ديني ومسياني بين جنود وضباط ودعوات إلى إعادة الاستيطان في القطاع، مما يطرح سؤالا بشأن قدرة تيار محدود عدديا على التأثير في نظرة إسرائيل إلى الأرض والحرب والفلسطينيين.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

أقلية مؤثرة

"حردليم" اختصار عبري لعبارة "حريديم قوميون"، لكنه لا يعني الحريديم التقليديين. فالحردلي صهيوني يرى في دولة إسرائيل قيمة دينية، ويؤيد الخدمة العسكرية والمشاركة في مؤسساتها، لكنه يقترب من الحريدية في التشدد الديني والاجتماعي ورفض جوانب من الثقافة الغربية الليبرالية.

ويعرّف الباحث في الدين والدولة بالمعهد الإسرائيلي للديمقراطية يائير شيلغ في دراسته "الحردلية: التاريخ والأيديولوجيا والحضور"، الصادرة عام 2020، الحردلية بأنها تيار نشأ داخل الصهيونية الدينية قبل نحو نصف قرن، يجمع الصهيونية والخدمة العسكرية والنظر إلى الدولة بوصفها قيمة دينية، مع التشدد في الشريعة والابتعاد عن الثقافة العلمانية.

الحردلية تيار داخل الصهيونية الدينية يجمع القومية اليهودية بالتشدد الديني ودعم الخدمة العسكرية (غيتي)

وقدّر شيلغ -في مقال نشره المعهد في فبراير/شباط 2020 استنادا إلى دراسة للمعهد تعود إلى عام 2014- أن الحردليين شكلوا نحو 12% ممن يعرّفون أنفسهم بوضوح بأنهم متدينون قوميون، مقابل 24% للجناح الليبرالي و64% للوسط الديني القومي.

لكنَّ استطلاعا نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت " في سبتمبر/أيلول 2026، وشمل في مرحلته الأولى 508 أشخاص من أبناء الصهيونية الدينية، وجد أن 17% عرّفوا أنفسهم بأنهم "تورانيون قوميون/حردليون"، مقابل 50% "دينيين قوميين" و33% انتموا إلى "الصهيونية الدينية".

إعلان

ولا يعني ارتفاع النسبة بالضرورة حدوث تحول ديمغرافي مماثل؛ إذ تختلف طريقة القياس والعينة بين الدراستين، لكنه يقدم مؤشرا حديثا إلى استمرار حضور الهوية الحردلية داخل المجتمع الديني القومي.

ثلاث دوائر

ويقتضي قياس هذا النفوذ التمييز بين الصهيونية الدينية والحردلية والكهانية.

فالصهيونية الدينية هي الحاضنة الكبرى، ووصفها الباحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الدكتور شوكي فريدمان -في مقال نشره المعهد في 16 سبتمبر/أيلول 2019- بأنها "مجموعة سوسيولوجية شديدة التنوع"، مشيرا إلى تقديرات شائعة حينئذ بأنها تشكل نحو 15% من السكان اليهود في إسرائيل. وتمتد من تيارات ليبرالية إلى الوسط الديني القومي، وصولا إلى الحردلية.

مال الحردليون سياسيا إلى "الاتحاد القومي" الذي أصبح بتسلئيل سموتريتش أبرز ورثته السياسيين (غيتي)

أما الحردلية فهي جناح داخل هذه البيئة، أكثر محافظة وتشددا دينيا، ويمنح الشريعة والحاخامات و"أرض إسرائيل" مكانة مركزية، ويرفض أجزاء أساسية من الثقافة الليبرالية والفردانية والمساواة بين الجنسين.

وتقف الكهانية في دائرة مختلفة؛ إذ نشأت حول أفكار الحاخام مائير كهانا وحركة "كاخ"، ووضعت التفوق والسيادة اليهوديين والصراع مع العرب في مركز مشروعها. ولذلك من الأدق عدم تصنيف إيتمار بن غفير، رئيس حزب "عوتسما يهوديت" (القوة اليهودية) ووزير الأمن القومي، حردليا بالمعنى الضيق؛ فجذوره السياسية كهانية، وإن تقاطعت مواقفه مع شخصيات وتيارات حردلية في ملفات الفلسطينيين والاستيطان وفرض السيادة على الضفة الغربية.

ويظهر الاختلاف أساسا في نقطة الانطلاق: يمنح الحردلي الأرض والدولة والشعب اليهودي معنى دينيا وتوراتيا، بينما يركز الإرث الكهاني على السيادة اليهودية والصراع القومي والديموغرافي مع العرب. ومع ذلك، قد يصل الطرفان إلى مواقف متشابهة، مثل رفض الدولة الفلسطينية وتوسيع الاستيطان وضم الضفة أو الدعوة إلى تهجير الفلسطينيين.

مدرسة كوك

تعود الجذور الفكرية للحردلية إلى المدرسة التي شُكلت حول الحاخام تسفي يهودا كوك، الرئيس السابق لمدرسة "مركاز هراف" الدينية ونجل الحاخام أبراهام يتسحاق كوك، والتي منحت قيام إسرائيل والسيطرة على "أرض إسرائيل" معنى دينيا يتجاوز الحسابات السياسية والأمنية.

ثم تبلور جناح أكثر تشددا حول الحاخام تسفي يسرائيل تاو، مؤسس ورئيس مدرسة "هار همور" الدينية، بعد انفصاله عن "مركاز هراف" في تسعينيات القرن الماضي.

اتساع التأييد في إسرائيل لتعزيز السيطرة على الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات والنظر في تفكيك السلطة الفلسطينية والضم (الجيش الإسرائيلي)

ومن هذه البيئة خرج آفي ماعوز، رئيس حزب نوعام. وذكر الصحفي كوبي نخشوني -في تقرير نشرته "يديعوت أحرونوت" في 9 ديسمبر/كانون الأول 2022- أن ماعوز أصبح من المقربين إلى تاو، وأن مرشحي "نوعام" ارتبطوا بـ"هار همور" والمدارس التابعة لتيارها الفكري، وشاركوا في حملات ضد الخدمة العسكرية المختلطة للرجال والنساء وقضايا المثليين والتسويات الدينية.

أما بتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب الصهيونية الدينية ووزير المالية، فيمثل مجالا قوميا دينيا أوسع، وإن تقاطع بقوة مع البيئة الحردلية. وأشار شيلغ -في مقاله الصادر عام 2020- إلى أن الحردليين مالوا سياسيا إلى "الاتحاد القومي" الذي أصبح سموتريتش أبرز ورثته السياسيين.

قداسة الأرض

تمنح الحردلية السيطرة على الأرض بعدا عقديا، فالضفة الغربية ليست في هذه الرؤية مساحة تخضع فقط للموازنة بين الأمن والسياسة، وإنما جزء من "أرض إسرائيل"، وترتبط السيادة عليها بمسار ديني وتاريخي.

إعلان

ولهذا شكَّل الانسحاب من غزة عام 2005 صدمة لهذه البيئة، وعزز توجها يدعو الصهيونية الدينية إلى زيادة تأثيرها في مؤسسات الدولة. ورصد شيلغ -في دراسة المعهد الإسرائيلي للديمقراطية- انتقال النشاط الحردلي من محاولة التأثير في القطاع الديني نفسه إلى محاولة التأثير في الجيش ونظام التعليم والمجتمع الإسرائيلي الأوسع.

لكن الميل إلى السيطرة على الأرض أصبح أوسع من الحردلية، فقد أظهر "مؤشر المجتمع الإسرائيلي" -الذي نشره معهد سياسة الشعب اليهودي في أغسطس/آب 2026- ارتفاع نسبة اليهود المؤيدين لتعزيز السيطرة على الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات والنظر في تفكيك السلطة الفلسطينية وربما الضم من 38% عام 2024 إلى 48% في مارس/آذار 2026.

صناعة المقاتلين

تظهر أهمية البيئة الدينية القومية بصورة أكبر عند الانتقال إلى الجيش، وهنا يلزم الفصل بين الحردليين وعموم الصهيونية الدينية، إذ لا توجد إحصائية عسكرية حديثة تفصل الجنود والضباط الحردليين، ولذلك لا يجوز اعتبار كل ضابط متدين قوميا حردليا.

الحردليم تيار داخل الصهيونية الدينية يجمع الالتزام القومي بالدولة بتشدد ديني قريب من الحريدية (الفرنسية)

وتشير بيانات وزارة الدفاع إلى وجود 77 مدرسة دينية من نوع "هسدير" التي تجمع بين الدراسة الدينية والخدمة العسكرية، ويلتحق عبرها بالجيش نحو 1500 جندي سنويا. وقدّرت بيانات عُرضت أمام الكنيست عدد طلاب "هسدير" عام 2024 بنحو 5500 طالب.

ومع امتداد الحرب ازداد الإقبال عليها، إذ كشفت بيانات اتحاد مدارس "هسدير" ارتفاع عدد الملتحقين الجدد من 2478 طالبا عام 2025 إلى 2808 طلاب عام 2026، بزيادة 13%.

ولا تعني هذه الأرقام أن مدارس "هسدير" حردلية، لكنها تكشف جانبا من البنية المؤسسية التي يرتبط بها الحضور المتزايد للصهيونية الدينية داخل الجيش. فقد بلغ خريجو التعليم الديني الرسمي 34.8% من خريجي دورة ضباط المشاة عام 2018، بينما كانت نسبتهم بين الرجال المجندين نحو 17%-18%.

ومن هنا ينتقل النقاش من عدد الجنود المتدينين إلى القيم والأفكار التي تدخل معهم المؤسسة العسكرية. ففي تقرير بثته القناة 13 الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2025، حذر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق دان حالوتس من اختلاط الدين بالمؤسسة العسكرية، منتقدا ظهور شارات تحمل كلمة "المسيح". ونقل التقرير عن بعض العسكريين السابقين الذين أبدوا قلقا من تصاعد الخطاب الديني قولهم "لسنا مبعوثي الله، بل نحن مبعوثو الدولة".

برز المتدينون القوميون في طبقات القيادة الوسطى والدنيا داخل الجيش الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة (الفرنسية)

شعارات دينية

ويظهر هذا النقاش بصورة أكثر مباشرة في الشعارات والممارسات داخل ساحات القتال. ففي مقال نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في أغسطس/آب 2024، وثّق آسا كاشير -أستاذ الفلسفة وأحد واضعي مدونة الأخلاق للجيش الإسرائيلي-  مظاهر لانتقال الخطاب الديني والاستيطاني إلى ساحة القتال.

وأشار كاشير إلى كتابات تركها جنود على مبان في غزة "تبشر باستيطان يهودي"، وإلى تصريحات لجنود وقادة تحمل "طابعا دينيا علنيا وبارزا". وأضاف أنه شاهد ملصقات تحمل كلمة "المسيح" على زي جنود في القطاع، وقال إن القادة لو أدوا دورهم كما ينبغي لما ظهرت هذه الشعارات على الزي.

دراسات إسرائيلية تحذر من تآكل الانضباط والتعبير الأيديولوجي داخل الجيش (الجيش الإسرائيلي)

وتطور النقاش بعد عامين. ففي دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي في 20 أغسطس/آب 2026، وأعدتها إديث شفران غيتلمان ويردين أسراف وعنات شابيرا ودانا كرنيالي، حذر الباحثون من تصاعد الصراع على "طابع الخدمة" داخل الجيش، في ظل ضغوط من أوساط محافظة لتغيير "روح الجيش" وإدخال مضامين دينية.

إعلان

ورأت الدراسة أن التعبير عن المواقف الأيديولوجية بالزي العسكري، إلى جانب حوادث عملياتية مرتبطة بتآكل الانضباط، يكشف تصدعات في الالتزام بالتسلسل القيادي، وينطوي على احتمال إحداث "ضرر إستراتيجي" والإضرار بإسرائيل في الساحة القانونية والسياسية الدولية.

غزة نموذجا

وفرت حرب غزة المجال الأوضح لظهور التداخل بين الدين والقومية واستخدام القوة.

ويجسد الحاخام أبراهام زيربيف -القاضي في محكمة دينية والجندي الاحتياطي الذي عمل مشغلا لجرافة عسكرية من طراز "دي 9" في غزة- أحد أوجه هذا التحول. فقد نشر مقاطع أثناء هدم مبان في القطاع، حتى شاع تعبير مشتق من اسمه للإشارة إلى هدم غزة أو تسويتها بالأرض.

وذكرت "يديعوت أحرونوت" في أبريل/نيسان 2026 أن زيربيف اختير لإشعال شعلة في احتفال الاستقلال بعد أن تحول إلى رمز لدى قطاعات من الصهيونية الدينية. ووثقت الصحيفة إنهاءه بعض مقاطعه بعبارة "حتى النهاية، حتى النصر، حتى الاستيطان"، بينما قال مفوض شكاوى القضاة إن دعواته إلى الاستيطان، بصفته قاضيا دينيا، تخالف قواعد الأخلاق.

تتخذ الحكومة وقيادة الجيش الإسرائيلي القرارات العسكرية، بينما ينفذها جنود ينتمون إلى قطاعات اجتماعية وفكرية مختلفة (غيتي)

ولا تعني حالة زيربيف أنه يمثل كل الصهيونية الدينية أو الحردليين، لكنها تكشف انتقال خطاب كان محدودا إلى المجال العام. فقد كرمت الدولة رجلا يهدم مباني في غزة ويدعو إلى الاستيطان فيها. وقالت وزيرة المواصلات ورئيسة لجنة المراسم ميري ريغيف -في أبريل/نيسان 2026- إن اختياره يجسد الصلة بين "شعب إسرائيل وتوراة إسرائيل وأرض إسرائيل".

كما نشر مراسل الشؤون الدينية في القناة 12 يائير شاركي -في يوليو/تموز 2024- رسالة لحاخامات بارزين في الصهيونية الدينية، بينهم يعقوب أريئيل ودوف ليئور وشموئيل إلياهو، عارضوا فيها صفقة تبادل تتضمن وقف إطلاق النار والانسحاب من غزة، معتبرين أن الثمن يعرّض الإسرائيليين للخطر.

نفوذ متراكم

لا تفسر الحردلية وحدها الدمار في غزة أو عنف المستوطنين أو قرارات الحكومة والجيش، كما لا يجوز تحويل كل صهيوني ديني أو جندي متدين إلى حردلي أو كهاني، فالقرارات العسكرية تتخذها الحكومة وقيادة الجيش، وينفذها جنود من قطاعات مختلفة.

لكن أهمية الحردلية تكمن في قدرتها المؤسسية على إنتاج الأفكار والنخب، فهي تتحرك داخل مجتمع ديني قومي يمتلك مدارس دينية وشبكات تعليمية وحضورا بارزا في الوحدات القتالية والاحتياط والضباط، إضافة إلى ثقله في المستوطنات والسياسة.

وهنا تختلف عن الكهانية التي هي أكثر صراحة في خطابها تجاه العرب والفلسطينيين والتهجير والسيادة اليهودية، بينما تتميز البيئة الحردلية بقدرة أكبر على التأثير الطويل المدى عبر الحاخامات والتعليم والجيش.

وكشفت حرب غزة أحد أوجه هذا المسار، إذ تقلصت المسافة بين أفكار كانت محصورة في المدرسة الدينية والمستوطنة وبين &#