سرديات

سرديات
-الزاكي عبد الحميد أحمد-
أُقِرُّ شاكراً أن جلستَي مع رجل مسيحي في ذلك الأصيل، قرّبتني أكثر إلى سورة *أهل الكهف*، فبتُّ اواظب على قراءتها بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة كل أسبوع..قارنت بتروٍ ما قالته قصيدة الشاعر الألماني عن فتية الكهف مع ما يقوله الذكر الحكيم؛ فتبين لي بوضوح الفرق بين سرد وضعي يتحكم في وجهته الخيال؛ وسرد إلهي واقعي بعظاته وعبره؛ تؤطره دقة التصوير ودقة المعاني..
كان أصيلاً مفعماً بحرارةٍ، تنفثها تنهدات الرمال حين تتلاطم على حافتها الأمواج..الموج الأبيض يحاول لاهثاً الهروب إلى بر الأمان ولكن يا للمفارقة، ما أن يصل الموج إلى الشاطيء (بر الأمان) حتى يموت ويفنى!
كثيراً ما كنتُ أروِّض صهد الغربة وهجيرَها باللجوء إلى شاطيء بحر العرب الذي يربط عمان بمضيق هرمز..التأمل في البحر واسراره كان يريحني..
ثم كان هو..
نيجيري طويل القامة.
حيّاني ثم جلس إلى جواري على الشاطيء..كان يحمل كتاباً، فسألته عنه، بحثا عن مدخل للحديث مع هذا الرجل، الذي كان يلفت نظري إليه بطوله الفارع وضخامته متى التقيته، من على البعد؛ في الشركة التي نعمل فيها..
الكتاب حمل عنوانا يقول:
The Seven Sleepers of Ephesus..
أي: *نُوَّم إفيسس السبعة؛*
هو في الحقيقة قصيدة لشاعر ألماني اسمه:
Johann Wolfgang Von Goethe..
قال لي إنه زار هذا الموقع في الأردن وحين حكى لي عن تفاصيل زيارته تلك عرفت أنه يقصد كهف *الرقيم* الذي آوى إليه الفتية كما جاء في محكم التنزيل..عن أهل الكهف كانت قصيدة الشاعر الالماني ولكن بالتعويل على التفسير المسيحي..
كانت تلك بداية معرفتي بهذا النيجيري والتي تطورت لاحقاً إلى صداقة ..
*يجب أن نواجهَ الحياةَ كما هي، وأن نفهمَ أن التنوعَ هو أهمُّ سماتِها*..
We must face life as it is, and understand that, diversity is its most essential feature..
القائلة هي *ماري باركر فوليت*..Mary Parker Follet..
سيدة أمريكية تعد صاحبة أكثر نظرية فعالة في إدارة التنوع: التنوع في الحياة؛ اي كيف تنظر لمن كان يختلف عنك في لونه او عرقه او ميوله الجنسية او في شكله او في مستوى تعليمه، او في الممارسات الحياتية وغيرها..
من الثانية عشرة إلا ربعاً وحتى الواحدة إلا ربعا، ساعة حددتها الشركة لموظفيها لوجبة الغداء وصلاة الظهر قبل مباشرة العمل حتى الرابعة عصرا..
مطعم الشركة واسع ويستوعب اعدادا كبيرة من الموظفين..
جيمس اوغانغو James Ugango نيجيري، يشغل منصباً حساساً في شركة النفط التي اعمل فيها: مدير ضبط الجودة، أي أنه الرجل المسؤول عن التأكد من ان كل ما ينتج في الشركة لا بد أن يستوفي المعايير الدقيقة التي وضعها بالتنسيق مع مهندسين متخصصين من كل وحدات شركة شل العاملة في مناطق عدة من العالم..
ومع أنه مهندس متخصص في مجال هندسي نادر؛ إلا أن جيمس كثيراً ما كان يؤانسني عن الادب النيجيري إذا جلسنا ساعة الغداء على طاولة واحدة..
حدثني كثيرا عن أيقونة السرد الأفريقي *شينو أشيبي* الروائي النيجيري؛ صاحب *أشياء تتداعى* وهجومه على جوزيف كونراد في رواية *قلب الظلام* والتي درستها ضمن منهج الأدب الانجليزي في جامعة الخرطوم.
جيمس مهندس؛ كما قلت؛ ويحدثني عن الأدب حديث العارف وأنا أمامه أنزوي استخذاء من قلة حيلتي في مجال درسته!
توطدت العلاقة بيننا..
جيمس رجلٌ بدينٌ بشكلٍ لافت للأنظار، ما جعل بعض الموظفين، يتضايقون منه، إذا جلس معهم..كان الرجل يصدرُ صوتاً أشبه ما يكون بالحشرجة حين يتنفس..
في ذلك اليوم جاء إلى المطعم متأخرا، ربما بسبب اجتماع طال، حيّاني وتوجه نحو البوفيه..ولكن في الاثناء اصطدم بمقعد خال وهوى على الأرض..
ضحكٌ وهرجٌ..
عنجهيةٌ طاغيةٌ..
ساعدتُه على النهوض..
جيمس لم يتناول غداءه في ذلك اليوم..
*رياحُكم ماسخةٌ عجوز..*
*في بلدي نعطّر الهواءَ بالمديح..*
*روائحُ الطعامِ والضيوفِ من بيوتِنا تفوح..*
*والجارةُ التي يَرفُّ بالشباب وجهُها الصبوح..*
*يا عطرَها الشفيفِ ينشقُ النهارُ من شذاه..*
*أوّاهُ لو مرةً أشمُّه، أضمُّه، ألمسُه، أراه..*
*أوّاهُ لو تفيدُ النازحَ الغرببَ آه..*
هذا شاعرُنا الكبير *محمد المكي ابراهيم* يستدعي ذكرياتٍ وهو عن مصدرِها بعيدٌ…بعيدٌ…
ما ان استنشقَ ذلك العبيرَ الفواحَ، حتّى ينقلَني عقلي الباطني، من حيث أنا-مهما البونُ كان شاسعاً-إلى مشهدِ ذلك الصباحِ الخريفي الباذخ..
قال عنه *صاحب الطبقات* إنه من أعرق أحياء مدينة ود مدني..قال كانت غابات كثيفة تحفّه من كل جانب..وكان فيها فيلٌ يجوب تلك الأماكن طولاً وعرضاً، فاستمدّ الحيُّ العريقُ اسمَه من ذلك..
*جزيرة الفيل..*
لي أهلٌ كثرٌ هناك، نزحوا من قريتِنا في دنقلا، واستقروا هناك..
أذكر ذلك الصباحَ الخريفي الباذخَ البهاء جيّداً بكل تفاصيلِه..اخذني والدي، رحمه الله، إلى هناك لحضور مناسبة عُرس عند اهلي..مكثنا ثلاثة أيام، كانت مفعمات بحميميةٍ تعجَزُ الكلماتُ عن وصفها..
اطفالٌ من فئتي العمرية، طلبوا مني مرافقتَهم لصالون الحلاقة..احدهم من اهل العرس، يريدُ ان يحلقَ رأسَه استعداداً للمناسبة…رافقتُهم دون تردد، فالمناسبةُ زخمُها كان طاغياً..
الحلّاق كان يعطّرُ صالونَه بعود الند..ذلك النبات الطيّب الرائحة..في كل ركن من اركان الدكان، خلف المرايا وضع عودَ ند..استنشقت ذلك العبيرَ بعمق ..كانت المرة الاولى التي اشمُّ فيها رائحةَ عود الند..الحلاقُ؛ احساس ما، نفّرني منه..لا ادري ما هو..هل كان بسبب شكلِه؟ وجهُه طويلٌ وعينُه جاحظةٌ و احدى ساقيه كانت اقصر من الأخرى، هل ازدربتُه لذلك، دون أن ادري؟ لا ادري، وانا حينها، طفلٌ لم يتعدَّ الثامنةَ من عمره..
ثم مرت السنوات..
خلال فترة الاغتراب انضممتُ وأسرتي، ذات عام، لبرنامج سياحي نظمته احدى شركات الطيران..
كانت الوجهة الأولى العاصمة الهندية دلهي، وبعد ثلاثة ايام فيها، تتجه الرحلةُ إلى كشمير..
في مساء اليوم الذي وصلنا فيه إلى فندق كانيشكا Kanishka احتفت بنا ادارة الفندق في سياق البرنامج السياحي..في احدى صالات الفندق الفخمة كان الحفل..اغنياتٌ من التراث الهندي ورقصاتٌ..لم اهتمْ كثيراً بما يجري، لا الاغنيات ولا الرقصات التقليدية استرعت اهتمامي..كان هناك ما هو أهم في عقلي الباطني…
*رائحة عود الند..*
كانت تفوح بكثافة من كل ركن من اركان الصالة، فأخذتني لا ارادياً، إلى ذلك الصباح الخريفي في جزيرة الفيل..الفرقة الهندية تعزف وتغني والصبايا يرقصن وانا بعيدٌ..بعيدٌ عنها..تراءت لي، لسبب لا اعرفه، كل تفاصيل ذلك الصباح في صالون الحلاقة، وصاحبِه ذي الساق المعطوبة، هل ازدريتُه يا ترى؟
لا ادري!
أصواتُ الأطفال يرتلون القرآنَ حول نارٍ تتصاعد أدخنتُها في مكان ما، وصوتُ السواقي، والانغام الحزينة، التي يطلقها الصبيُّ الراعي من نايه المصنوع من سيقان القصب، لكي يؤنسَ وحشتَه، كل هذه المشاهد تنقلها ذاكرتُك، مهما كنت بعيداً عنها، إلى المكان الذي شاهدتها او سمعتُها فيه اول مرة، لسببٍ لا اعرفه!
وإلى جانب هذه المشاهد، وتلك الاصوات، هناك روائحٌ تهيّج الذكرياتِ وتولّدُ فينا حباً للمكان..منها رائحةُ بشائر امطار الخريفِ الساقطةِ على الارضِ المتعطشةِ لها ورائحةُ الحماريب ورائحةُ نيران الحطب، وان كان وقودُها من الروث، يوظِّفَها المبدعون في اعمالهم، كما فعل شاعرُ الاكتوبريات في أبياته الباذخات أعلاه…
الرّواقيون يقولون إن الطريق إلى الراحة الدائمة يكون بتقبل الحاضر، وكبحِ النفس من الانقياد، وراء اللذة او الخوف من الالم عبر مشورة العقل…
*Stalks of wheat bending under weight. The furrow brow of the lion. Flecks of foam on the boar’s mouth. And other things if you look at them in isolation there is nothing beautiful about them, and yet by supplementing nature, they enrich it, and draw us in. And anyone with a feeling for nature- a deeper sensitivity-will find it all gives pleasure..*
هذا رائد الفلسفة الرواقية Marcus Aurelius يقول:
*إن سنابل القمح المائلة، وجبينَ الأسد ذو الاخاديد، والزبدَ الذي يحفّ افواهَ الخنازير البرية واشياءَ أخرى كثيرة، قد تكون بعيدةً عن الجمال من بعض النواحي، ومع ذلك فإن وجودَها كجزء من الطبيعة، يضفي عليها جمالاً ويجعلها تروق للعقل. فالإنسان إذا كان لديه احساس عميق بالتعاطف مع كل ما هو مخلوق في الكون، فإن كل ما يراه كجزء من الطبيعة، سوف يولّد فيه ميلاً نحو الشعور بالبهجة..*
ذلك الحلاق ذو الساق المعطوبة هل ازدريتُه؟
ربما!
لم اكن ادري في تلك المرحلة العمرية أن الحقيقةَ امرٌ نسبي..
وان الجمالَ يشبه قوسَ قزح في تعدد الوانه..
وان الموسيقى مؤلفةٌ بين نغمات مختلفة..
وان العالم أخلاطٌ شتى من البشر.
وان التباينَ في الحياة والطبيعة، يولّد فينا احساساً بالنشوة وليس بالضيق او الضجر..
ذلك الحلاق ذو الوجه الطويل، جاحظ العينين، ذو الساق المعطوبة هل ازدريتُه دون أن ادري؟
نعم!
عرفتُ ذلك بعد أن كبرت واغتربت..
عرفته يوم سقط *جيمس* على الأرض محدثا جلبة في قاعة الطعام، في ذلك اليوم خلال سنوات الاغتراب..
فسقوطه وما أحدثه من استهجان كانا سببا في تبني الشركة التي تستوعب أكثر من ثمانية آلاف موظف، يمثلون ٦٤ جنسية، (بريطانيون وأمريكان وفرنسيون وفنزويليون وارجنتينيون ونيجيريون وعرب من تونس ومن الجزائر وافارقة كثر) سياسة التنوع والاندماج
Diversity & Inclusiveness..
وهي السياسة التي تتبناها الشركة لتذويب الاختلافات بين موظفيها من حيث الجنس او الجنسية او الشكل، او اللون، او الخلفيات الثقافية او المعتقدات الدينية او الاعاقات…والمرجع الاساسي لتفعيل هذه السياسة، وضمان نجاحها، هو ما وضعته *ماري باركر فوليت* من نظريات ومعايير، لادارة التنوع والاندماج في مؤسسات العمل التي تستهدف التميز في الاداء..
تحياتي؛
-الزاكي عبد الحميد احمد-
altaghyeer.info