خبر ⁄سياسي

كندا تدير ظهرها.. من مقاطعة بضائع أمريكا إلى طرق أبواب أوروبا

كندا تدير ظهرها.. من مقاطعة بضائع أمريكا إلى طرق أبواب أوروبا

لم يعد الخلاف التجاري بين كندا والولايات المتحدة محصورا في الرسوم الجمركية والمفاوضات التجارية المتعثرة، إذ بدأت تداعياته تمتد إلى طبيعة العلاقة التي ربطت البلدين لعقود، وسط مؤشرات على ابتعاد كندي يتخذ أشكالا اقتصادية وشعبية وإستراتيجية.

وترصد صحف وتقارير أمريكية انتقال الاستياء من سياسات إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى الحياة اليومية للكنديين، بالتوازي مع تحركات حكومية لتقليص الاعتماد على أكبر شريك تجاري للبلاد، والبحث عن بدائل خارج السوق الأمريكية.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وبين رغبة الكنديين في تقليل ارتباطهم بالولايات المتحدة وصعوبة فك تشابك اقتصادي ترسخ على مدى عقود، بدأت أوتاوا تدير وجهها نحو شركاء آخرين، وفي مقدمتهم أوروبا، فاتحة الباب أمام تحول قد يعيد رسم موقع كندا الاقتصادي والإستراتيجي.

مستهلكون كنديون يكثفون البحث عن المنتجات المحلية ويتجنب بعضهم السلع الأمريكية وسط تصاعد الخلاف التجاري (رويترز)

مقاطعة شعبية

لكن ما بدا تعثرا في المفاوضات على الطاولات الرسمية انتقل سريعا إلى موائد الكنديين وقراراتهم اليومية، إذ ترصد صحيفة واشنطن بوست كيف تحول التسوق لدى بعضهم إلى فعل ذي طابع وطني، مع تزايد تجنب المنتجات الأمريكية.

وتقول الصحيفة إن عددا متزايدا من الكنديين في أنحاء البلاد يحاولون تقليص ارتباطهم بجارتهم الجنوبية، مستخدمين قراراتهم المتعلقة بالسفر والتسوق للتعبير عن "استيائهم" من السياسات التجارية لإدارة ترمب وخطابها التصعيدي.

وفي هذا الصدد، أشاد رئيس الوزراء مارك كارني بالكنديين الذين عدّلوا عادات إنفاقهم، قائلا "أقوى التحركات جاءت منكم، بشرائكم المنتجات الكندية وسفركم داخل كندا".

وكشفت البيانات أن هذا التوجه تجاوز المواقف الرمزية، إذ انخفضت رحلات الكنديين إلى الولايات المتحدة في يونيو/حزيران بنسبة 25% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2024، أي قبل عودة ترمب إلى البيت الأبيض. كما ظهر تراجع الإقبال على المنتجات الأمريكية في بيانات حللها بنك كندا، الذي وصف الاتجاه بأنه "محدود لكنه واضح بجلاء".

إعلان

وكانت الموجة الأولى من عزوف الكنديين عن المنتجات الأمريكية والسفر إلى الولايات المتحدة قد بدأت العام الماضي، قبل أن تتصاعد هذه السلوكيات مجددا مع تجدد التوترات التجارية، وفق التقرير.

ويربط أفيري شينفيلد -كبير الاقتصاديين في شركة "سي آي بي سي كابيتال ماركتس" التابعة لبنك "سي آي بي سي" الكندي- هذه التحركات بما خلّفته قرارات الحكومة الأمريكية من شعور بالاستياء لدى الكنديين، قائلا إنه حين تتاح لهم الخيارات، فإن كثيرا منهم يتصرفون بدافع "الإحساس بالواجب الوطني".

ولم تعد المقاطعة تقتصر على السفر والبقالة، إذ امتدت لدى بعض الكنديين إلى التكنولوجيا. وتشير الصحيفة إلى أن الخبيرة في ريادة الأعمال بترا كاسون-ماتش بدأت البحث عن بدائل كندية وأوروبية لمنصات تقنية أمريكية، معتبرة أن تقليل الاعتماد عليها "يتطلب بعض الجهد، لكنه ممكن".

سارغن: انهيار المفاوضات التجارية الثنائية أدى إلى تصعيد الخلاف بشأن الرسوم الجمركية بين البلدين (الفرنسية)

كلفة الابتعاد عن أمريكا

وتضع صحيفة "واشنطن بوست" هذا الاتجاه في سياق أوسع، مشيرة إلى أن خيارات المستهلكين تعكس التحدي الأكبر الذي تواجهه كندا في سعيها إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، بعد عقود من التجارة شبه الحرة التي جعلت اقتصادي البلدين شديدي التشابك.

وفي هذا السياق، يسلط مقال للكاتب نيكولاس سارغن في صحيفة "هيل" الضوء على الكلفة الاقتصادية والسياسية لهذا التباعد، موضحا أن انهيار المفاوضات التجارية الثنائية في أواخر أغسطس/آب الماضي أدى إلى تصعيد خلاف بشأن الرسوم الجمركية، قد يصعب التوصل إلى تسوية له.

فبعدما فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية بنسبة 50% على قائمة طويلة من السلع الكندية، ردت أوتاوا برسوم مضادة تتراوح بين 15% و50% على واردات أمريكية بالقيمة الإجمالية نفسها.

ويربط الكاتب خلفية الأزمة بالمفاوضات بشأن اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي دخلت منعطفا جديدا بعدما رفضت إدارة ترمب في الأول من يوليو/تموز تجديد الاتفاق بصيغته الحالية لمدة 16 عاما أخرى. لكنه ظل نافذا، مع دخوله مسار مراجعات سنوية يستمر حتى منتصف عام 2036، حين ينتهي إذا لم تتفق الدول الثلاث على تمديده.

 

وفي معرض تفسيره لتحركات ترمب، يرجح سارغن أن أحد دوافعه يتمثل في دفع كندا إلى تشديد القيود التجارية على الصين ودول آسيوية أخرى، بهدف ردع شركاتها عن إقامة منشآت إنتاج في نصف الكرة الغربي، على غرار ما فعلته المكسيك العام الماضي. ويقول سارغن إن كارني رأى في ذلك مساسا بسيادة بلاده، وهو ما دفعه إلى الرد بالمثل.

وتبدو كندا الأكثر تأثرا بالتصعيد، إذ يشير المقال إلى أن أكثر من 70% من صادراتها تتجه إلى الولايات المتحدة، وهو ما يجعل اقتصادها أكثر عرضة لتداعيات الرسوم الأمريكية المرتفعة.

وفي المقابل، يوضح سارغن أن أحد الأساليب التي تستخدمها كندا في زيادة الرسوم الجمركية هو استهداف سلع تُنتَج في ولايات أمريكية حدودية مثل ميشيغان وأوهايو وآيوا ومين، التي تعتمد قطاعات فيها على الصادرات إلى كندا.

إعلان

وفي ختام تحليله، يلفت الكاتب إلى أن مسار القطيعة التجارية بين البلدين لا يزال غير محسوم، في وقت يأمل فيه بعض المراقبين أن يكون الطرفان قد اقتربا من مرحلة يبلغ فيها التصعيد ذروته قبل أن تبدأ التهدئة.

نيوزويك: رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يبحث إقامة شراكة غير مسبوقة مع الاتحاد الأوروبي (الفرنسية)

رهان أوروبي

ومع تعثر العلاقة مع واشنطن، بدأت أوتاوا تبحث بجدية أكبر عن بدائل خارج السوق الأمريكية، إذ تشير مجلة نيوزويك إلى أن رئيس الوزراء الكندي يبحث إقامة شراكة غير مسبوقة مع الاتحاد الأوروبي، سعيا لتقليل اعتماد بلاده الاقتصادي الكبير على الولايات المتحدة.

ونقلت نيوزويك عن وول ستريت جورنال أن كارني ناقش احتمال حصول كندا على صيغة "عضو منتسب" في الاتحاد الأوروبي، وهي صيغة غير موجودة حاليا، لكن مسؤولين أوروبيين يدرسون إمكانية استحداثها.

ووفق التقرير، قد يمثل التقارب الأوثق مع أوروبا أحد أكبر التحولات في السياسة الخارجية والاقتصادية الكندية منذ عقود، بعدما ظلت الولايات المتحدة تاريخيا السوق الرئيسية للصادرات الكندية.

ولا تقتصر المحادثات بين أوتاوا والاتحاد الأوروبي على التجارة التقليدية، بل تمتد إلى قطاعات إستراتيجية مثل الطاقة والذكاء الاصطناعي والدفاع والمعادن الحرجة، بما يشمل تسهيل حركة السلع والخدمات والعمال، إلى جانب مبادرات مشتركة في مراكز البيانات والبنية السحابية وشبكات الأقمار الصناعية وكابلات الاتصالات البحرية، فضلا عن إيجاد مسارات تصدير جديدة للطاقة الكندية إلى أوروبا.

ويُتوقع أن يواصل كارني الدفع بهذا التوجه خلال زيارته إلى أوروبا هذا الأسبوع، حيث من المقرر أن يلقي كلمة أمام البرلمان الأوروبي ويلتقي عددا من أعضائه، ضمن مسعى أوسع لتعزيز علاقات كندا مع الاتحاد.

لكن الطريق لا يبدو سهلا، إذ تنقل نيوزويك عن وكالة رويترز أن الاتحاد الأوروبي ظل متحفظا تاريخيا تجاه إنشاء ترتيبات عضوية مرنة، كما أن اتفاقية التجارة الاقتصادية الشاملة بين كندا والاتحاد الأوروبي لم تحصل بعد على تصديق جميع الدول الأعضاء، رغم تطبيق بعض بنودها مؤقتا منذ عام 2017.

وتخلص المجلة إلى أن أي صيغة للعضوية المنتسبة ستتطلب على الأرجح مفاوضات طويلة وموافقات سياسية داخل أوروبا.

aljazeera.net