إعلاميو نظام الأمر الواقع.. يحاكمون من حاول إطفاء الحريق
إعلاميو نظام الأمر الواقع.. يحاكمون من حاول إطفاء الحريق
خالد أبو أحمد
قبل يومين جلس أربعة من الإعلاميين الإسلامويين المؤيدين للحرب في برنامج تلفزيوني على (قناة السودان) وخامسهم مقدم البرنامج نفسه، وتحدثوا أكثر من ساعة كاملة لم يخرج حديثهم عن خطٍّ واحد: شتم المعارضين، ووصفهم بالعمالة والخيانة، وتحميلهم وزر كل ما جرى، وفي تلك الساعة كلها لم يرد ذكرٌ واحد لمليشيا الدعم السريع، ولا لزعيمها، ولا لما ارتكبته في الخرطوم والجزيرة ودارفور، غابت المليشيا عن الشاشة كأنها لم تكن، وحضر المكون المدني كأنه جيشٌ عرمرمٌ زحف على البلاد بالمدرعات والطيران، وعاث فيها قتلًا وتشريدًا، وكان المهندس خالد سلك حاضرًا كالعادة في كل مهرجانات الردح التي اعتادوا عليها.
ومقدم البرنامج لم يكن طرفًا محايدًا يدير حوارًا بين متحدثين كان واحدًا منهم، يشاركهم اللغة والاتهامات والخلاصات، ويضيف إليها ما عنده، المذيع الذي تقتضي مهنته أن يعترض ويستوقف ويطالب بالدليل ويضع أمام ضيوفه ما أغفلوه، اختار أن يكون الصوت الخامس في الجوقة، ولأن موقعه يمنحه ما لا يملكه الضيف، من توجيهٍ للأسئلة وضبطٍ لمسار الحديث وترتيبٍ لما يُقال وما يُسكت عنه، فإن حصته من تغييب الحقيقة في تلك الحلقة أكبر من حصة كلٍّ منهم، خمسة في استوديو واحد، ورأيٌ واحد، وحقيقةٌ واحدة مطموسة، هذا لا يحدث بالمصادفة ولا بتشابه الآراء، بل بخطٍّ متفقٍ عليه سلفًا وأدوارٍ موزعة كما وُزّعت من قبل في غرف الطوارئ الإعلامية.
هذه المفارقة وحدها تكفي لفهم ما يجري، من يجلس أمام كاميرا ليتحدث عن حربٍ التهمت البلاد، ثم لا يجد في لسانه كلمة واحدة عن الطرف الذي دمّر المدن ونهب البيوت وانتهك الأعراض، وينفق ساعته كلها على خصومه السياسيين، فهو لا يمارس مهنة الصحافة، ولا يؤدي واجبًا وطنيًا. هو يؤدي وظيفة محددة: صرف الأنظار عن الجناة، وصناعة متهمٍ بديل.
الغياب عن المشهد..
الأكاذيب التي أطلقوها فاضحة إلى درجة لا تحتاج إلى جهدٍ في تفنيدها، المكون المدني لا يملك جنديًا واحدًا، ولا بندقية، ولا معسكرًا، ولا ميزانية تسليح، ولا قناة اتصالٍ بقيادات عسكرية، ما ملكه كان الكلام والتفاوض والمبادرات، وقد أنفق شهوره الأخيرة قبل أبريل 2023م في محاولة انتزاع اتفاقٍ يمنع الانفجار، في المقابل كانت الليالي الحماسية تُقام على المنابر، والتعبئة الجهادية تجري على قدمٍ وساق، والأناشيد تُرفع بالوعود والعودة، والتصريحات النارية تُصوَّر وتُنشر قبل الحرب بأيام، وبعضها قبل ساعات من الطلقة الأولى، وفيها من قال صراحة إنهم في انتظار ساعة الصفر، هذه المقاطع ليست رواية أحد، بل موادّ منشورة شاهدها السودانيون جميعًا، ولا يزال أرشيفها متاحًا لمن أراد.
والصحفيون الأربعة الذين تحدثوا في البرنامج، ومعهم مقدمه الذي كان خامسهم لا حكمًا بينهم، لم يكونوا غائبين عن ذلك المشهد، كانوا جزءًا من المنظومة الإعلامية التي مهّدت للحرب وروّجت لها وجعلتها الخيار الأفضل من يومها الأول، غرف الطوارئ الإعلامية التي أُديرت من تركيا ومصر وقطر وبورتسودان ومن بلاد أخرى لم تكن اجتهادًا فرديًا، بل عملًا محكمًا منسقًا، رُسم فيه لكل شخصٍ دوره، وأُنفقت عليه ملايين العملات الحرة لإقناع الناس بضرورة إشعال الحرب، لكن السؤال يبقى معلقًا: من الذي أقنع هؤلاء الشباب بأن الحرب نزهة؟ ومن الذي رسم لهم صورة نصرٍ قريب؟ وهل كان أحد يظن أن الحرب تُنبت قمحًا ووردًا وفاكهة؟.
الدور الذي لعبه الإعلام في هذه الحرب أخطر من كل الأسلحة الفتاكة، ولا يزال مستمرًا حتى اليوم في تغذية الكراهية بين فئات الشعب وقبائله وأقاليمه. السلاح يقتل من يصيبه، والخطاب الإعلامي المسموم يُعِدّ الأجيال كلها للقتل، ويجعل الدم مشروعًا، والقاتل بطلًا، والضحية عميلًا.
عندما انتشر الفساد الذي دمر الدولة، ألم يكن هؤلاء الإعلاميون على رأس عملهم الصحفي والإعلامي؟ هذا هو الجزء الذي يهربون منه أكثر من غيره، لأنه يسبق وجود خصومهم الحاليين بعقود. إن تدمير السودان وإضعاف اقتصاده وسرقة مؤسساته وشركاته الكبرى لم يبدأ مع (الحرية والتغيير)، ولا مع تحالف (صمود)، ولا مع الدكتور عبدالله حمدوك، بدأ ذلك في يونيو 1989م، ومضى ثلاثين عامًا يتمدد في مفاصل الدولة كلها، بيعت الخطوط الجوية الوطنية والبحرية وشركات القطاع العام، وتصرّفوا في بيوت السودان في المملكة المتحدة وفرنسا، ودُمّرت الخدمة المدنية التي كانت فخر السودان وأعرق ما فيه، وفُصل عشرات الآلاف من الموظفين باسم (التمكين)، وجرى إحلال الأقارب والأصهار في المواقع الحساسة. وفي دارفور جرى ما جرى، ولا تزال ملفاته مفتوحة أمام العالم، كل هذا وقع قبل أن يظهر في الساحة أيٌّ من الذين يشتمونهم اليوم على الشاشة.
الحقيقة المُرة
والأخطر أن الشهادات على هذا الخراب خرجت من داخل بيتهم لا من خارجه، الدكتور محمد محيي الدين الجميعابي القيادي في حركتهم ومدير دار المايقوما لرعاية الأطفال مجهولي الوالدين، هو من قال “إن الدار تستقبل سنويًا ما يزيد على ثمانمائة طفل لقيط، وإن أضعاف هذا العدد تلتهمهم الكلاب في العراء أو يُقتلون خنقًا ودفنًا في النفايات”.
الدكتورة سعاد الفاتح، وهي من كبار رموز الحركة، صرخت في أكثر من محفل محذّرة من التفلت الأخلاقي الذي اجتاح المجتمع، وقالت “إن ما يجري في السودان لا يجري في أي بلدٍ أوروبي، وإنه خزيٌ وعارٌ لا يُغتفر”، وهي نفسها التي أقرّت أمام البرلمان، بحسب صحيفة (اليوم التالي)، بأنهم يقفون موقف الناقد وهم سبب الفساد والفقر.
المهندس طارق محجوب القيادي في الحركة الإسلاموية، اعترف في فيديو موثّق بتاريخ 3 يونيو 2022م بأن “نظام الإنقاذ ألغى الدولة نفسها وألغى المؤسسية وكرّس الحُكم الفردي المطلق، وأنهم لم يرثوا دولة، وأن الحاكم كان يعيّن كل شيء بنفسه من الغفير إلى رئيس القضاء”.
هذه اعترافاتهم هم، لا اتهامات خصومهم، فبأي منطقٍ يصف صحفيٌّ منهم من يورد هذه الوقائع بالكذب والافتراء؟ والمفارقة أن كل هذا الفساد المدمر والممنهج جرى وهم حاضرون في الساحة حضورًا فاعلًا، فلم يتحدثوا عن فساد، ولم يتهموا أحدًا بالخيانة والعمالة.
وهنا يتضح الرابط الذي يحاولون إخفاءه بين الفساد والحرب، الإعلامي الذي قضى ثلاثين عامًا يغطي على النهب، ويسكت عن التمكين، ويبرر الفصل والمصادرة، ويصنع لكل فضيحة تفسيرًا، هو الذي مهّد الأرض لما جرى بعد ذلك، الفساد لا يعيش في الظلام وحده، بل يحتاج إلى من يضيء له طريقًا آمنًا ويحمي ظهره، ولهذا أحمّل هؤلاء الإعلاميين، سواء كانوا في بورتسودان أو القاهرة أو الدوحة أو إسطنبول، أو أمدرمان المسؤولية الكاملة عن الدمار الذي حلّ بالسودان، لا لأنهم أطلقوا رصاصة، بل لأنهم صنعوا المناخ الذي جعل الرصاصة ممكنة، ثم صنعوا بعدها الرواية التي تبرئ من أطلقها.
(ألحسوا كوعكم)
ثم إن الكذب لا يبني وطنًا، ولا يصنع لأصحابه نهاية سعيدة مهما طالت به الأيام. هو مادة سريعة العطب، تصمد ما دام أصحابها يملكون الشاشة والمنبر والمال، فإذا انكشف الغطاء تحوّلت كل كلمة قالوها إلى شهادة عليهم. والتاريخ في السودان جرّب هذا الدرس مرة، وسجّله بالصوت والصورة. قبل اندلاع ثورة ديسمبر كان القيادي الكبير في تنظيمهم الدكتور نافع علي نافع يقف واثقًا من بقائه، يخاطب الشعب بلغة الاستخفاف ويقول لهم عبارته المشهورة: (ألحسوا كوعكم). قالها وهو يظن أن السلطة وديعة أبدية في يده، وأن الناس أضعف من أن يزيحوه. ثم جاء ديسمبر 2018م، وخرج من كان يسخر منهم إلى الشوارع، فسقط النظام وسقط معه هو وصحبه، وذهبوا جميعًا إلى حيث يذهب كل من ظنّ أن الشعوب تُدار بالاحتقار.
وما جرى بالأمس سيجري غدًا. هؤلاء الذين جلسوا على الشاشة يشتمون المعارضين ويصمونهم بالعمالة والخيانة، ويصرفون ساعاتهم في تلفيق التهم بدل مواجهة الحقيقة، إنما يكرّرون الخطأ ذاته بثقة الجاهل بعواقب الأمور. وستأتي لهم أيام نذكّرهم فيها بكل كلمة قالوها، وبكل حقيقة أخفوها، وبكل دمٍ سالَ وهم يبررونه. إرادة الله غالبة لا محالة، ودعوات ملايين السودانيين الذين فقدوا أبناءهم وبيوتهم وأوطانهم لا تُردّ خائبة. الشعب السوداني الذي انتصر مرة قادر على الانتصار مرة أخرى، والذي أسقط نظامهم وهو أعزل، لن يعجزه أن يسقط أكاذيبهم وهي عارية.
وأنا لا أكتب هذا لأجل رضاهم ولا خوفًا من شتائمهم. أكتبه لأن جيلًا قادمًا سيسأل عمّا جرى، ولأن آلاف الأسر التي فقدت أبناءها تستحق أن تعرف من أوصل البلاد إلى هذا الحد. الحقيقة لا تتغير بكثرة من يصرخون في وجهها، والوثائق باقية، والمقاطع المصوّرة باقية، والاعترافات باقية بأصوات أصحابها. وسيأتي اليوم الذي يُسأل فيه كل من شارك في هذا الخراب، سياسيًا كان أو عسكريًا أو أمنيًا أو إعلاميًا، عمّا فعله بالسودان وأهله.
صباح الثلاثاء 15 سبتمبر 2026م
altaghyeer.info