البرهان.. من أبقى الفشل
البرهان.. من أبقى الفشل؟
أحمد عثمان جبريل
❝حشد البرهان الصحفيين ليحكي لهم عن حربٍ دخلت عامها الرابع، وأبقى الصحافة خارج اللقاء.. لكن العبارة التي بدت لي الجديد الوحيد فيما قيل كانت: «أنا غير راضٍ عن أداء حكومة كامل إدريس».. فإذا كان غير راضٍ عنها.. فمن أبقاها؟❞
تقول الحكاية إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يولي عُمير بن سعد على حمص، فاستثقل عُمير الولاية، وناشد عمر أن يعفيه منها.. لكن عمر أصر، لأنه رأى فيه رجلاً يخشى الأمانة ولا يطلب السلطة..
مضى عُمير إلى حمص، وأدى ما عليه، ثم عاد إلى عمر.. ولما أراد عمر أن يعيد عليه الولاية، قال عُمير: (هيهات.. فإن ذلك شيء لا أريده)..
كان الرجل يعرف أن الولاية حملٌ يُخشى حسابه.. لا مقعداً يُخشى فقده.
ومن عُمير بن سعد.. نعود من التاريخ البعيد إلى الخرطوم.
(1)
لم يحمل لقاء البرهان بالصحفيين في القيادة العامة جديداً يغيّر رواية الحرب كثيراً..
لا في بدايتها.. ولا في مسارها.. ولا في نهايتها..
لكن المفارقة أن اللقاء الذي حُشد له الصحفيون، بقيت فيه الصحافة خارج المشهد.. ومع ذلك خرجت منه جملة واحدة تستحق أن تُسمع جيداً:
(أنا غير راضٍ عن أداء حكومة كامل إدريس).
هنا يتغير السؤال..
لم يعد السؤال عن الصحفيين الذين حُشدوا.. ولا عن الصحافة التي بقيت خارج اللقاء..
السؤال صار عن الحكومة نفسها:
“إذا كان البرهان غير راضٍ عنها.. فمن أبقاها كل هذا الوقت؟”
(2)
كامل إدريس لم يأتِ إلى رئاسة الوزراء وحده..
البرهان هو الذي اختاره بعد أسماء عديدة اعتذرت.. وهو الذي منحه الثقة.. وهو الذي أبقى حكومته طوال هذه المدة..
فإذا كان الأداء لم يرضِه.. فالمسؤولية لا تبدأ عند إعلان عدم الرضا.
الاختيار مسؤولية..
والإبقاء مسؤولية..
والتغيير مسؤولية..
ومن يملك القرار، لا يستطيع أن يقف خارج نتائج القرار.
قد يكون اختيار الحكومة قد تم في ظرف استثنائي.. وقد تكون ظروف الحرب قد ضيقت عليها مساحة الحركة..
لكن إذا ظهر العجز، ثم طال بقاؤه، يصبح السؤال مشروعاً: (لماذا تأخر قرار التغيير؟).
(3)
ولنكن عادلين..
فشل الحكومة لا يمكن أن يُفصل عن الحرب وموبقاتها..
كيف تطلب من حكومة أن تنعش اقتصاداً والحرب تلتهم موارده؟
كيف تطلب منها إعادة الإنتاج والحقول والمصانع والأسواق تعيش تحت الخوف؟..
كيف تبني مستشفى والمدن تُستنزف؟..
كيف تعيد المدرسة إلى طفلٍ نزح من بيته؟..
كيف تستعيد العملة عافيتها بينما الاقتصاد ينكمش، ورأس المال يبحث عن طريق للخروج؟..
الحرب لا تترك للحكومة مساحة واسعة للنجاح..
لكنها في الوقت نفسه لا تمنحها حصانة من السؤال..
فالحكومة مطالبة بأن تفعل ما تستطيع..
والسلطة مطالبة بأن توفر لها ما تستطيع..
والدولة كلها مطالبة بأن تبحث عن الطريق الذي يجعل العمل ممكناً.
وهنا يصبح تحميل كامل إدريس وحده كل فشلٍ في البلاد.. ظلماً للواقع قبل أن يكون حكماً على الرجل.
(4)
المواطن السوداني لا يحتاج إلى لقاء صحفي كي يعرف ماذا فعلت الحكومة..
هو يعيش النتيجة.
يدخل السوق فيجد الأسعار..
يفتح هاتفه فيجد العملة..
يذهب إلى المستشفى فيجد نقص الخدمة..
يبحث عن راتبه.. وعن الكهرباء.. وعن الماء.. وعن الأمن..
ثم يسأل السؤال الذي لا يحتاج إلى وزير: (ماذا تغيّر؟)..
قد تكون هناك قرارات.. ولجان.. واجتماعات.. وبيانات..
لكن الدولة لا تُقاس بعدد الاجتماعات..(الدولة تُقاس بما يصل إلى يد المواطن)..
ولهذا، إذا كان البرهان غير راضٍ عن أداء الحكومة، فليقل للسودانيين أين أخفقت، وماذا كان يستطيع أن يفعل لتنجح ولم يفعله..
لأن رئيس الوزراء مسؤول عن حكومته..
لكن من يملك القرار الأكبر مسؤول أيضاً عن البيئة التي تعمل فيها.
(5)
وهنا نصل إلى السلام..
فالسلام ليس كلمة تُضاف إلى آخر البيانات، ولا استراحة بين معركتين..
(السلام هو الشرط الأول لنجاح أي حكومة)..
حين تتوقف الحرب، لا تتوقف البنادق وحدها..
يعود الإنتاج إلى الحقول..
وتعود التجارة إلى الأسواق..
وتتحرك الطرق..
وتفتح المدارس أبوابها..
وتعمل المستشفيات دون أن تكون الأولوية للنجاة من القصف..
ويجد المستثمر سبباً للبقاء بدلاً من الهرب..
ويبدأ الاقتصاد في التنفس.
السلام لا يحل كل مشكلات السودان.. لكنه يفتح الباب لحلها..
أما أن نبحث عن حكومة ناجحة، بينما تبقى البلاد في حرب، ثم نبدل رئيس الوزراء كلما تعثرت..
فذلك يشبه تغيير الطبيب بينما المرض لم يتوقف عن الانتشار.
(6)
والسؤال عن البديل هنا أخطر من السؤال عن الإقالة..
من سيأتي بعد كامل إدريس؟
ومن سيقبل بحمل دولة ممزقة، واقتصاد منهك، ومؤسسات مثقلة، وحرب مفتوحة؟..
ثم ماذا نريد من البديل؟..
أن ينجح في الاقتصاد والحرب مستمرة؟..
أن يعيد الخدمات والموارد تستنزف؟..
أن يعيد الإنتاج والمدن والطرق والأسواق تدفع ثمن الحرب؟
رجل واحد لا يصنع المعجزة..
والحكومة مهما كانت كفاءتها لن تستطيع أن تفعل ما لا تسمح لها الظروف بفعله..
لذلك، إذا كان البرهان يريد تغيير الحكومة.. فليغيّرها.
لكن إذا كان يريد حكومة تنجح.. فليصنع لها أولاً الطريق إلى النجاح.
(أوقفوا الحرب.. ثم حاسبوا الحكومة على ما تفعل).
فهناك فرق بين حكومة فشلت لأنها عجزت..
وحكومة أُنهكت لأن الحرب خنقتها.
(7)
وهنا تعود حكاية عُمير بن سعد..
وتدخل معها حكاية أبي حنيفة النعمان..
عُمير هرب من الولاية لأنه يعرف ثقل الأمانة..
وأبو حنيفة رفض ولاية بيت المال عند ابن هبيرة، فتعرض للضرب بسبب رفضه.. وكان يرى في المنصب تبعةً يخشى حسابها، فاختار ألم السوط على أن يحمل أمانة لا يطمئن إليها.
كان ذلك زمناً يخشى فيه الرجل السلطة لأنه يخشى السؤال عنها..
أما نحن، فالسؤال اليوم ليس عن رجلٍ يهرب من المنصب..
بل عن سلطة تختار حكومة، ثم تبقيها، ثم تقول إنها غير راضية عنها..
فإذا كانت حكومة كامل إدريس قد فشلت.. فحاسبوها..
وإذا كانت الحرب قد خنقتها.. فأوقفوا الحرب..
وإذا كان السلام هو الطريق إلى اقتصادٍ يعمل، ومدارسَ تفتح، ومستشفياتٍ تنهض، وعملةٍ تستعيد عافيتها، ومواطنٍ يفكر في الغد بدلاً من النجاة من اليوم..
فاجعلوا السلام بداية الحساب.. لا خاتمة الكلام..
ثم قولوا للسودانيين بوضوح:
من اختار الحكومة؟
ومن أبقاها؟
ومن أخّر تغييرها؟
ومن أبقى الحرب التي خنقتها؟
فبعد أربعة أعوام، لم يعد المواطن يحتمل انتظاراً جديداً..
ولا تبديل أسماءٍ جديدة..
ولا رواياتٍ جديدة..
إن كان الفشل قد ظهر..
فالإبقاء عليه قرار..
وإن كانت الحرب تمنع النجاح..
فإن استمرارها قرار أيضاً..
ومضة..
بئس لقاءٍ حُشد له الصحفيون ليُقال لهم ما يعرفونه.. ثم خرج منه الجديد الوحيد اعترافاً بفشلٍ طال بقاؤه.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول:
لا تحاسبوا حكومةً وحدها على خراب الحرب.. وحاسبوا من أبقى الحرب، كما تحاسبون من أبقى الفشل.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
altaghyeer.info