خالد عمر يوسف: المأساة لم تهبط من السماء
خالد عمر يوسف: المأساة لم تهبط من السماء
اختار من أشعل هذه الحرب وأعاق إيقافها أن يحيل حياة أهل السودان إلى جحيم. فمن لم يمت بدانات المدافع وقذائف المسيّرات مات بالجوع وقلة الغذاء، ومن لم يمت بالجوع مات بالفقر والمرض، ومن غادر البلاد تجنباً لهذه المشاق، مات حسرةً على حياة اقتُلع منها ومستقبل لا يعرف كيف سيكون.
تتحدث لغة الأرقام لتكشف بشاعة الواقع الذي خلفته الحرب. فبرنامج الغذاء العالمي أعلن أنه على وشك العجز عن مواجهة ما وصفه بأكبر كارثة جوع في العالم، فأكثر من 20 مليون سوداني لا يجدون قوت يومهم. ومؤشرات الاقتصاد تكشف هول الفجيعة .. الجنيه يتهاوى بسرعة الصاروخ، وأسعار السلع الأساسية -إن وُجدت- تتصاعد بجنون، وكافة القطاعات الخدمية تشارف على الانهيار.
هذا الواقع المأساوي لم يهبط من السماء. فمنذ انقلاب 25 أكتوبر، الذي قاد إلى حرب الإجرام المكتمل هذه، لم تذق البلاد طعم العافية. وقد غطى على حقيقة هذا المسار جوقة من الكذابين الذين ضللوا الناس وصوروا لهم أن هذا الطريق سيقود إلى خير البلاد وكرامتها. ولم يكتفوا بذلك فحسب، فها هم ينخرطون مجدداً في حملة تضليل تريد أن تنسب هذا الضنك الذي يعيشه الناس إلى حكومة “خيالات المآتة” التي نصبوها عبثاً واستخفافاً بحياة الناس ومعاشهم.
الحقيقة واضحة لا لبس فيها .. سبب عذابات الناس الحالية هو الحرب، ولن ينصلح الحال أو تخف وطأة المعاناة دون إيقافها.
فالبنية الإنتاجية المنهارة التي توفر الموارد لن تُستعاد دون وقف الحرب. والموارد الشحيحة المتوفرة التي توجه لتمويل القتال لن تتحول إلى غذاء الناس ودوائهم دون وقف الحرب. والصرف على المليشيات التي تتناسل كل يوم لن ينتهي دون وقف الحرب. ولن تتوفر استثمارات حقيقية لإعادة إعمار البلاد، ولن تُغلق بوابات نهب ثرواتها والفساد، دون وقف الحرب.
وقف الحرب هو غاية وحلم غالب أهل السودان. والذي يحول بينهم وبين تحقيقه عصبة من الجنرالات وكارتيلات الفساد وعناصر النظام البائد الذين يتكسبون من استمرار هذه المقتلة الإجرامية، ولا يقيمون وزناً لدماء الناس وحياتهم. ويساعدهم في ذلك جماعة من المطبلين وحارقي البخور الذين امتهنوا التضليل حرفةً يسترزقون بها.
لن يقود المسار الحالي إلا إلى مزيد من المعاناة والفشل، وقادته هم من يتحملون المسؤولية، لا من أتوا بهم من موظفين. ستنتهي معاناة الناس عند انتهاء الحرب، وعند خلاص البلاد من رموز الفشل الذين حطموها وجلسوا على تلة خرابها. ولا يجب مكافأتهم على ذلك .. فالحساب ضروري وآت لا محالة.
altaghyeer.info