خبر ⁄سياسي

إلى ياسر العطا : انتم في قفص الاتهام

إلى ياسر العطا : انتم في قفص الاتهام

 

إلى ياسر العطا : انتم في قفص الاتهام !

رشا عوض

اخر تجليات الفريق ياسر رئيس هيئة اركان الجيش تصريحاته لصحيفة مصرية بأن الجيش سيجبر البرهان على الاستمرار رئيسا لاربع دورات انتخابية! والسبب هو الخوف على الدولة من الانهيار!إذ قال “نخاف على بلدنا من الانهيار، ونخشى على كيان الدولة، سنجبر البرهان على السلطة، ليكون هو رأس السلطة لعدد من الدورات حتى نكون استطعنا تقوية ودعم أحزابنا لتكون أحزابًا وطنية”.

لم يأت العطا بجديد ، فحديثه مجرد تكرار وتأكيد لتمسك الجيش بالسلطة والوصاية على الشعب واحتقار الديمقراطية ، فقد سبق لياسر العطا ان قال بالحرف الواحد لو اتت الانتخابات بالخونة فانه سوف ينقلب عليهم !! وما لم يقله العطا هو ان العسكر قد انقلبوا بالفعل على كل الحكومات المنتخبة، ليس بسبب انها خائنة ، فتاريخنا يشهد بالوقائع والارقام ان اكبر خيانة وطنية لهذه البلاد هي خيانة العسكر كما سافصل لاحقا، ولكن سبب الانقلاب هو ان هناك خللا بنيويا في الجيش يشمل الخلل في العقيدة العسكرية التي انتجت ثقافة الجنرالات ، وهي عقيدة تستبطن فكرة ان الجيش مؤسسة حاكمة للدولة ووصية على الشعب القاصر ، وعلى هذا الاساس تم اختزال الوطنية في الخضوع لحكم العسكر والتطبيل للجيش كحزب سياسي حاكم مدى الحياة ، يتجلى ذلك بوضوح في عبارة ياسر العطا ” حتى نكون استطعنا تقوية ودعم احزابنا لتكون احزابا وطنية” وطبعا الاحزاب الوطنية في عرف العسكر هي الاحزاب المدجنة خفيضة الصوت والبصر في حضرة الطغيان وخرساء عمياء صماء في حضرة الفساد !! هذه هي الوطنية المطلوبة حتى لا يسرح احد بخياله!

والسؤال هنا ما علاقة المؤسسة العسكرية اصلا بتقوية ودعم الاحزاب السياسية لتكون وطنية او غير وطنية؟ ما مكان هذه الوظيفة التي استحدثها العطا من الاعراب في اي منطق دستوري او حتى في قانون القوات المسلحة نفسه؟ وما هي الحيثيات الموضوعية التي تجعل اي سوداني عاقل يقتنع بأن ياسر العطا واقرانه من جنرالات الجيش مؤهلين ليكونوا المرجعية المعتمدة لتعريف الوطنية وتوزيع صكوكها على احزاب وحجبها عن احزاب اخرى؟ ما الذي يجعل ياسر العطا مطمئنا ومتيقنا من انه هو ومؤسسته العسكرية خارج قفص الاتهام بالخيانة الوطنية ويعتلي بهذه الجرأة منصة القضاء ليصدر احكامه على الاحزاب ؟ ما مكان مثل هذا الحديث لرجل هو رئيس هيئة اركان الجيش من قواعد الضبط والربط المتعارف عليها في الجيوش؟ وبالمناسبة ما رأي لجنة تهيئة الحوار من احاديث الجنرالات الذين سينعقد الحوار المزمع تحت هيمنتهم السياسية والعسكرية؟ وما جدوى الحوار نفسه اذا كان الجنرالات يؤكدون بلسان حالهم ومقالهم ان الانتخابات نفسها لن تزحزحهم عن السلطة بل هم يستبقون نتائجها وينتزعون السلطة ببنادقهم لقائد الجيش لثلاث دورات انتخابية او اكثر !! ولو جاءت الانتخابات بمن لا يعجبهم سينقلبون على سلطته واضعين نتيجة الانتخابات تحت البوت العسكري!

تصريحات العطا ورفاقه تكشف المكشوف اصلا وهو ان هدف هذه الحرب الاجرامية هو احتكار السلطة ونهب الموارد ، واي مسرحية حوار او انتخابات لن تكون سوى ديكور مدني لتزيين سلطة عسكرية قابضة، وكما قال العطا في تصريحاته للصحيفة المصرية بعد ان اكد على الاحتفاظ برئاسة الدولة للبرهان انهم لا مانع لديهم من تسليم الجهاز التنفيذي لحكومة مدنية ( مثل حكومة كامل ادريس) ، وطبعا لا قيمة لحكومة مدنية عندما تكون المؤسسات السيادية والموارد الاقتصادية وادوات احتكار العنف وانفاذ القانون في قبضة العسكر ، هذا بالضبط ما يطرحه الجيش : حكومة مدنية لا تملك من امر الحكم شيئا !!

نأتي الى حديث الوطنية والحفاظ على الدولة من الانهيار ، هذه البلاد ظلت تحت قبضة الحكم العسكري قرابة الستين عاما من سنوات الاستقلال السبعين فما هي تجليات وطنية المؤسسة العسكرية؟ وما هو المنطق في الترديد اللزج لاسطوانة خيانة الاحزاب وعدم مسؤوليتها رغم ان الحكم العسكري هو الذي انفرد بحكم البلاد لعقود طويلة وليس حكم الاحزاب الذي لم يكمل ثلاثة عشرة عاما! تاريخنا يشهد ان الدكتاتورية العسكرية بقيادة الجيش فشلت في الحد الادني من انجازات الدكتاتوريات العسكرية الشبيهة في المنطقة رغم وفرة الموارد في السودان ، والنتيجة هي كل ما نعانيه من جوع وفقر وبنية تحتية ضعيفة وخدمات رديئة. الجيش فشل في الحكم كما فشل في العسكرية بدليل فشله في وظيفته المركزية وهي احتكار العنف! عشرات المليشيات بكامل عتادها وكامل اطماعها في السلطة والموارد !

اما حرب الخامس عشر من ابريل ٢٠٢٣ فهل تقف شاهدا على عدم مسؤولية الاحزاب ام على عدم مسؤولية المؤسسة العسكرية ورعونتها واستهتارها بالوطن والمواطنين؟ هل من عدم مسؤولية اكثر من القتال بالاسلحة الثقيلة وسط الاحياء السكنية في صراع سلطة بين فصيلين عسكريين خرج احدهما من رحم الاخر! هل صراع الاحزاب على السلطة اسقط الدانات على رؤوس المواطنين؟

ما هي الوطنية في تقديم ارواح المواطنين وممتلكاتهم قربانا في صراع سلطة بين اجنحة مؤسسة عسكرية واجبها حراسة حدود الوطن وحماية مواطنيه؟

اين وطنية المؤسسة العسكرية التي تحت سمعها وبصرها يتم تهريب عشرات الاطنان من الذهب عبر المطارات والموانيء البحرية ولا يعود دولار واحد من الثروة المهربة الى الخزينة العامة ؟ اين الوطنية والمخدرات تدخل البلاد بالحاويات الى ميناء البلاد الرئيس؟ اين الوطنية وقائد الجيش كي يمهد لانقلابه العسكري يتواطأ مع ناظر قبيلة مرتشي لاغلاق ميناء بورسودان والطريق القومي فتكون النتيجة هبوط قيمة الميناء وازدهار الموانئ المنافسة على حسابه؟ اين الوطنية عندما دخل طيران مصر الى داخل الاراضي السودانية وقصف المعدنين السودانيين في ولاية البحر الاحمر ولم نسمع بغم!!

يجب ان تدرك المؤسسة العسكرية انها في مقام الوطنية مكانها قفص الاتهام لا منصة القضاء وصحيفة الاتهام طويلة جدا .

altaghyeer.info