خبر ⁄سياسي

السفير والمنهج والمدارس: منتج كيزاني

 

السفير والمنهج والمدارس: منتج كيزاني
بثينة تروس

غضبة مدير مؤسسة الإسناد الأكاديمي بكمبالا، إدريس الفاضلابي، ومهاجمته لسفير السودان أحمد جردة والقنصل، والانتقادات القوية والشجاعة في مواجهته، نالت استحسان الرأي العام واحتفاءه. وردت في مخاطبته، فاضحاً السفير أن (لديه مدرسة خاصة مصدّق لها مركز امتحانات خاص بها، ومديرتها هي نفس مديرة المدرسة، وكذلك المراقبون هم أساتذة المدرسة) واستوقفتني عبارته: (إن هذا لا يحصل إلا في عهد السفير أحمد جردة). لكن الأصح في تقديري، إن هذا لا يحدث إلا في عهد الإخوان المسلمين، ذلك العهد الذي اتسم بالفساد واستشرائه في جميع مؤسسات الدولة حتى فتّ في عضدها. وأكبر مظاهر هذا الفساد تجلت في التعليم، حيث استبيحت حرمته باستغلال النفوذ للمصلحة الخاصة لمُلاك المدارس، تلك القلة التي صارت مافيا التعليم، ومصت دماء المواطنين المتعبين، لا تخاف عواقب الثراء الحرام، وكل منهم يزين جبهته بثفنة الصلاة، والاستشهاد بالتسبيح وكثرة التكبير، ويروج لمدارسه بمشايخ تحفيظ القرآن والتجويد، وبكل الوسائل الملتوية في خديعة الأسر، وسرقة عرق جبين السنين من أجل تعليم أبنائهم. فالقضية، إذن، ليست سفيراً كوزًا أو قنصلًا بعينه منهم، ولا مدرسةً من مدارسهم، وإنما منهجهم في التعليم وفي استغلاله لمصلحة الجماعة ومن يدور في فلكها.
طوال عهد الكيزان كان التعليم الجيد والمتعلمون مستهدفين. فلقد ظهرت آلاف المؤسسات التعليمية الخاصة التي يمتلكها ويستثمر فيها قادة الحركة الإسلامية، وكتبت عقودات بعضها بأسماء الزوجات والأبناء والأصهار، كي تصب في برنامج السيطرة على عقول الشعب عبر بوابة التعليم (إعادة صياغة الإنسان السوداني) كانوا، بل لا يزالون يخشون وعي الشعب الثقافي واستنارة أجياله الشبابية، لذلك حجبوا منافذه بأثواب الهوس الديني واستدرار العواطف الدينية، وعسكرة التعليم عبر حملات الجهاد والدفاع الشعبي، ومحاولة تجسيد مخيلة القرن السابع في عقول طلاب ومتعلمي القرن العشرين، فصارت المدارس دعوية في المقام الأول، تخلصوا من المعلمين والمعلمات الأكفاء بقانون التمكين والصالح الخاص للجماعة والمسترزقين من المدارس والتعليم الخاص. فأصبح السوق لا ينافس إلا بالرشاوى والعلاقات والمصاهرة، كحال القنصل أيمن (زوج ابنة السفير)! ولقد شهدنا في هذه الحرب كيف يتنافس أصحاب المدارس الخاصة في إرضاء الكيزان وتأييد ما اسموه حرب الكرامة. فلقد شهدنا رياض أطفال تقيم احتفالات تخريجهم وهم يرتدون الأزياء العسكرية، حاملين بنادق ومسدسات خشبية وما شابه، وينشدون أهازيج الكيزان الجهادية.
لا أحد من المالكين يعبأ بمعنى أن تجيش طفلاً منذ نعومة أظافره، وماذا سوف يكون مستقبله، ولم يتحسب أحد منهم لخطورة العواقب النفسية، ولتربية وتأصيل العنف المجتمعي في نفوس هؤلاء الأبرياء، وهكذا أصبح التعليم، بدلًا من أن يكون وسيلة لبناء الإنسان، أداة لإعادة إنتاج ذات العقلية الإخوانية. فالإخوان المسلمون قط لم يكونوا معنيين بغير برنامج تنظيمهم والربح والتجارة، لذلك تم تدمير مجانية التعليم، وإهمال المنهج المرتبط بالتربية والأخلاق، فأنتجوا مناهج دراسية خاوية تعتمد على الحفظ والتلقين، وحجبت المواد التي تطور المواهب الفكرية وتحفز الإبداع، وترسخ قيمة الإنسان والمواطنة المتساوية والحرية والعدالة والفكر الحر. واستُخدمت بوابة لخلق الفتن والعنصرية وتزكية الكراهية بين الطلاب في بلد متعدد الأعراق والإثنيات والعقائد، واداة لتصفية الحسابات العسكرية في حروباتهم، وتمددت لصناعة العداء مع الغرب الذي يتعلم ويعيش فيه ابناؤهم.
والجميع يذكر ضراوة معركة تغيير المناهج ومجانية التعليم والكتب في ثورة ديسمبر التي أرعبت مافيا المدارس الخاصة، بسبب دعوتها للحد من تلك المدارس المملوكة للدولة العميقة، والخطط لاستعادة هيبة التعليم والمتعلمين، وتنقيح المناهج بما يتناسب وأهداف الثوار الذين قاموا بالثورة من أجل تعليم لا يتماهى مع شهوات الحكام واستغلال الحركة الإسلامية. وشهدنا اصطفاف الكيزان المستثمرين والملاك وأصحاب المطابع ورجال الدين ومشايخهم، وكل الذين تخيفهم ثورة المناهج، ضد إدارة مدير المناهج دكتور عمر القراي، ومن خلفه اللجان التي وضعت تلك المناهج. ولقد أثبتت الأيام أهمية الحد من فوضى المدارس الخاصة وفساد ملاكها ومعلميها. ففي خلال سنوات الحرب حرم ملايين الطلاب من التعليم، ودمرت البنية التحتية، بما فيها مباني المدارس التي صارت مأوى للنازحين والفارين من الحرب في جميع ولايات السودان الآمنة نسبيا، بالرغم من انعدام المياه والكهرباء فيها، ونزوح الآلاف من المعلمين.
إلا أن كيزان حكومة بورتسودان عمدوا إلى تغيير مناهج ثورة ديسمبر، كما حدث في ولاية كسلا، بإزالة كل ما يشير إلى الثورة. واتضح جليًا أن أصحاب تلك المدارس هم فوق القانون، بل من يضعون القوانين في المبتدأ. وسفير كمبالا جردة ليس بحالة شاذة، بل فرد ضمن منظومة فساد أقامت حرباً شاملة على البلاد، خوف فقدان تلك الثروات الحرام، لذا غضبة إدريس الفاضلابي على ما يحدث في كمبالا، نافذة تكشف منهجا ظل التعليم السوداني يدفع ثمنه، وما زال.

altaghyeer.info