السودان.. شظف العيش يقتل حياة الناس
السودان.. شظف العيش يقتل حياة الناس
أحمد عثمان جبريل
❝الحرب تقتل بسرعة الرصاص.. وشظف العيش يقتل بالبطيء؛ وبين القذيفة والجوع والمرض، تتساقط حياة السودانيين من الجهتين.❞
تقول الحكاية إن مصر عرفت في عهد المستنصر بالله الفاطمي واحدة من أقسى أزماتها، عُرفت في كتب التاريخ بـ(الشدة المستنصرية).. قحطٌ واضطرابٌ في الحكم، وتعطلت الزراعة، وشحّ الطعام، واشتد الغلاء حتى أصبح الخبز نفسه امتحاناً لقدرة الناس على البقاء..
لم تكن المأساة يومها في الرغيف وحده.. كانت في أن الحياة نفسها أصبحت أغلى من قدرة الناس عليها.
ومن هناك نعود بالحكاية إلى حكايتنا السودانية..
(1)
السودان اليوم لا يعيش أزمة سعر سلعة واحدة.. إنه يعيش أزمة حياة كاملة..
الحرب عطلت الإنتاج، وأربكت طرق التجارة، وأصابت الخدمات، وأضعفت القدرة الشرائية، بينما ظل المواطن يطارد سلعة ترتفع أسرع من دخله.. وكلما تراجع الجنيه، اتسعت المسافة بين ما يكسبه الناس وما يحتاجون إليه..
وقد وثق البنك الدولي حجم الضربة الاقتصادية:”انكمش الناتج الحقيقي بشدة منذ اندلاع الحرب، وقفز التضخم إلى مستويات هائلة، فيما تسببت اضطرابات النقل والإمداد في ارتفاع تكاليف الغذاء والخدمات.. وحين يصبح سعر الضروري مجهولاً.. يصبح الغد نفسه مجهولاً.
(2)
والتاجر أيضاً لم ينجُ من دائرة الخوف.. يشتري بضاعة بسعر، ثم لا يعرف بأي سعر يستطيع تعويضها غداً.. إن باع اليوم، فقد يجد نفسه غداً عاجزاً عن شراء الكمية نفسها..
فيقلل المخزون.. ويتردد في البيع.. ويراقب السوق قبل أن يضع يده في جيبه..
وهكذا يصبح المواطن والتاجر وجهين لأزمة واحدة:”الأول يخشى أن يشتري.. والثاني يخشى أن يبيع..
وحين يخاف الطرفان من السوق.. تختنق السوق ومعه الحياة.
(3)
لكن أقسى ما يفعله الغلاء أنه لا يبقى في السوق.. يدخل البيوت..
كيف يضع رب الأسرة ميزانية أسبوع، والأسعار تتحرك أمامه؟.. كيف يشتري حاجات الشهر، وهو لا يعرف ماذا سيحدث للعملة غداً؟.. وكيف يدخر، إذا كان المال الذي يحتفظ به اليوم يفقد من قدرته الشرائية قبل أن يأتي موعد إنفاقه؟..
هنا يتحول الانهيار الاقتصادي من خبر يسمعه الناس إلى واقع وحساب يومي على مائدة الأسرة..
ماذا نشتري؟.. ماذا نؤجل؟.. ماذا نستغني عنه؟.. ومن يأخذ نصيبه حين لا يكفي الدخل للجميع؟
(4)
حتى الهاتف دخل معركة البقاء..
الخدمات المصرفية والتحويلات الإلكترونية أصبحت بالنسبة لكثير من الناس طريقاً للوصول إلى المال ودفع ثمن الطعام والوقود والمواصلات والدواء..
وعندما يتعطل هذا الطريق.. لا يتعطل تطبيق وحسب.. تتعطل معه لحظة من الحياة..
قد يكون المال في الحساب، لكن صاحبه لا يستطيع الوصول إليه حين يحتاجه.. وقد تكون السلعة أمامه، لكن عملية الشراء تتوقف عند الشاشة..
في بلدٍ مزقته الحرب، حتى الوصول إلى المال صار أحياناً جزءاً من معركة البقاء.
(5)
والوقود لا يأتي وحده..
حين ترتفع كلفته، تتحرك معها كلفة النقل.. ثم نقل الغذاء.. ثم تشغيل المولدات.. ثم كل سلعة تحتاج إلى طريق حتى تصل إلى المواطن..
وهكذا يدفع السوداني الثمن أكثر من مرة: “في الوقود.. وفي المواصلات.. وفي السلعة التي حملتها الشاحنة.. ثم يدفع مرة أخرى حين يصل الغلاء إلى آخر ما تبقى في جيبه”.
(6)
والذين نجوا من الرصاص ليسوا جميعاً قد نجوا من المأساة..
فالإنسان لا يعيش بالنجاة وحدها..
يحتاج إلى طعام يأكله، ودواء حين يمرض، ومستشفى حين تشتد حالته، وماء وكهرباء ووقود، وعمل يستطيع به أن يوفر كل ذلك..
لهذا قد يخرج الإنسان من منطقة الحرب حياً.. ثم يجد نفسه في معركة أخرى:”معركة أن يبقى حياً”.
وهنا يبلغ شظف العيش أقسى معانيه.. حين يتحول السؤال داخل البيت من: (ماذا سنفعل غداً؟)..
إلى: (ماذا سنأكل اليوم؟).
(7)
لهذا، فإن تغيير كامل إدريس أو الإبقاء عليه لا ينبغي أن يتحول إلى (وهم) بأن الأزمة ستنتهي بتغيير الاسم..
من يأتي بعده لن يدخل السودان وفي يده عصا موسى.. لن يشق بها بحر الغلاء، ولن يعيد للجنيه قيمته بمجرد قرار، ولن يملأ الأسواق ببيان، ولن يصنع دواءً لمستشفى أنهكته الحرب.
يمكن تغيير الحكومة.. لكن لا يمكن تغيير واقع كامل بقرار إداري..
المشكلة أكبر من رئيس الوزراء، وأكبر من الوزراء، وأكبر من بيان جديد..
والعلاج الناجع يبدأ من أصل الكارثة وهو:(إيقاف هذه الحرب العبثية التي أهلكت الحرث والنسل، وأكلت الأخضر واليابس، واستنزفت الاقتصاد، وضيّقت على الناس أبواب الرزق، ودفعت الحياة نفسها إلى حافة العجز)..
فالسلام ليس مجرد توقف للرصاص..
السلام هو أن تعود الأرض إلى الزراعة، والأسواق إلى الحركة، والمصانع إلى العمل، والطرق إلى التجارة، والمستشفيات إلى الخدمة، والناس إلى أعمالهم، وأن يصبح للدخل معنى وللغد موعد.
يمكن تغيير الوجوه.. لكن لا يمكن بناء حياة مستقرة فوق أنقاض حرب مستمرة.
ومن أراد إنقاذ المواطن من شظف العيش، فعليه أن يوقف الحرب التي جعلت شظف العيش وجهاً آخر للموت.
فالحرب لا تقتل الناس حين تسقط القذيفة فقط..
إنها قد تترك وراءها اقتصاداً يواصل قتلهم بعد أن يصمت صوت المدافع..
ومن لم تقتله الحرب.. لا تتركوه يموت بالجوع والمرض.
ومضة..
في (الشدة المستنصرية) لم يعد الخبز قضية سوق.. صار قضية حياة..
واليوم، حين يصبح الجنيه أضعف من حاجات صاحبه، والسلعة أسرع من دخله، والدواء أبعد من قدرته.. لا يكون السؤال: (كم بلغ السعر؟)
بل: (كم بقي من حياة الناس؟).
توقيع أفق الحرف:
أفق يترفق باتساعه ليقول:”من نجا من رصاصة الحرب وقذيفتها.. لا تتركوه يموت بشظف العيش جوعاً ومرضاً؛ فالوطن الذي ينجو فيه الناس من الحرب ثم يعجزون عن شراء أسباب الحياة.. ما زال ينزف.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
altaghyeer.info