روسيا تنتخب على وقع الحرب.. ماذا يريد بوتين من صناديق الاقتراع

انطلقت في روسيا، اليوم الجمعة، عملية تصويت تستمر 3 أيام في أول انتخابات لمجلس الدوما منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في وقت باتت فيه تداعيات الحرب أكثر حضورا في الحياة اليومية، وسط ضغوط اقتصادية وقلق من خطوات قد تقدم عليها السلطات بعد انتهاء الاقتراع.
وترسم تقارير وتحليلات صحفية غربية صورة لانتخابات تبدو نتيجتها إلى حد بعيد محسومة سلفا، لكنها تظل مهمة للكرملين باعتبارها وسيلة لإظهار التأييد الشعبي للنظام ولسياساته خلال الحرب، بعدما تقلصت مساحة المنافسة السياسية داخل البلاد.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوفي المقابل، ترسم مواقف بعض الناخبين الروس تجاه الانتخابات صورة أكثر تعقيدا، تجمع بين اللامبالاة والقلق ومحاولات محدودة للتعبير عن الاعتراض عبر صناديق الاقتراع.
فلماذا يحتاج الكرملين إلى الانتخابات؟ وكيف يضمن النظام ألا تخرج النتيجة عن المسار المطلوب؟ وما الذي قد يتغير بعد إغلاق صناديق الاقتراع؟
شرعية الصناديق
ترى صحيفة نيويورك تايمز أن الكرملين "صاغ هذا الاقتراع بعناية ليعكس صورة عن وجود تأييد شعبي لاستمرار الحرب التي دخلت عامها الخامس، في وقت شهدت فيه روسيا تحولا سياسيا عميقا منذ انتخابات الدوما عام 2021، مع انحسار ما تبقى من مساحة للتسامح مع المعارضة".
ويكتسب التصويت أهمية خاصة بالنسبة للسلطة، إذ تنقل الصحيفة عن المحلل السياسي إيليا غراشينكوف أن الانتخابات توفر للكرملين ما وصفه بـ"المصدر الوحيد للشرعية"، إذ يمكن للحكومة الاستناد إلى نتائجها باعتبارها دليلا على "نجاحها" في تلبية احتياجات الروس، رغم القيود التي تحيط بحرية الاقتراع.
ولا تقتصر وظيفة الانتخابات على تعزيز شرعية النظام، إذ يشير التقرير إلى أنها تخدم أيضا رواية رسمية يكرر فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده تواصل إجراء الانتخابات رغم استمرار الحرب على أوكرانيا.
إعلانوفي هذا السياق، تلفت صحيفة غارديان إلى أن بوتين ربط -خلال خطاب متلفز قبيل التصويت- المشاركة في الانتخابات بالحرب على أوكرانيا، مقدما الاقتراع بوصفه تعبيرا عن وحدة المجتمع في مواجهة الضغوط الخارجية.
ويأتي الاقتراع البرلماني بعد عامين من فوز بوتين بولاية رئاسية جديدة مدتها 6 سنوات في انتخابات 2024، بما يمدد بقاءه في السلطة حتى عام 2030 على الأقل، وفق غارديان.
هندسة النتيجة
ومع توقع بقاء موازين القوى على حالها، ترجح "نيويورك تايمز" احتفاظ حزب "روسيا الموحدة" الموالي للكرملين بأغلبيته البرلمانية الساحقة، بينما تتقاسم 4 أحزاب معارضة "صورية" بقية المقاعد.
وبحسب الصحيفة، تُدار الانتخابات عبر نظام معقد ومتعدد المستويات تشرف عليه الأجهزة السياسية للكرملين، يبدأ باستبعاد المرشحين غير المرغوب فيهم مبكرا، قبل أن يحدد المسؤولون السياسيون في الحكومة المركزية التركيبة المستهدفة للدوما.
ثم تنتقل المهمة إلى السلطات الإقليمية، حيث يمارس المحافظون ومستشاروهم ضغوطا لدفع موظفي القطاع العام إلى المشاركة والتصويت لصالح الحكومة. وتأتي المرحلة الأخيرة عبر التصويت الإلكتروني المتاح في أكثر من ثلث مناطق روسيا، والذي يقول غراشينكوف إن الكرملين يستخدمه لـ"ضبط النتيجة" في صورتها النهائية.
وتقدم غارديان مثالا عمليا على تضييق المنافسة في مرحلة مبكرة، إذ منعت السلطات الشهر الماضي حزب "يابلوكو" الليبرالي المناهض للحرب من خوض الانتخابات بقائمته الحزبية، لتُخرج بذلك القوة السياسية الوحيدة المتبقية التي كانت تعارض علنا الحرب على أوكرانيا.
وبعد استبعاده، بقيت مجموعة محدودة من الأحزاب، من الحزب الشيوعي إلى الحزب الليبرالي الديمقراطي ذي التوجه القومي المتشدد، ضمن ما تصفه الصحيفة بـ"المعارضة النظامية"، وهي قوى يُسمح لها بانتقاد السلطات في حدود ضيقة، لكنها تصطف مع حزب روسيا الموحدة في القضايا التي تهم الكرملين.
ولا يقتصر ضبط المشهد على تحديد من يخوض السباق، إذ تنقل الصحيفة عن المحللة السياسية فريدة روستاموفا أن إبقاء المشهد الانتخابي خافتا يهدف إلى تقليص مشاركة الناخبين الساخطين والمستقلين، مع ضمان توجه مؤيدي السلطة إلى صناديق الاقتراع.
وفي الهامش المتاح للاعتراض، تذكر صحيفة آي بيبر أن بعض الروس يحاولون التعبير عن استيائهم عبر صناديق الاقتراع، بينما تدعو يوليا نافالنايا، أرملة المعارض أليكسي نافالني المقيمة في المنفى، معارضي بوتين إلى التصويت للمرشح الأقوى محليا والقادر على منافسة حزب "روسيا الموحدة".
لكنّ هذه الدعوة تقابلها شكوك لدى بعض الناخبين في قدرة المعارضة الموجودة في الخارج على إحداث تغيير، إذ تنقل الصحيفة عن إحدى الناخبات قولها إن نافالنايا "لا تستطيع أن تفعل شيئا من أجلنا".
ما بعد الانتخابات
وترسم "آي بيبر" معالم المشهد المترقب بعد الانتخابات، فرغم مساعي بوتين إلى إبقاء الحرب بعيدة عن حياة المدنيين، امتدت الضربات الأوكرانية مؤخرا إلى الداخل الروسي مخلفة أضرارا اقتصادية ملموسة، مضيفة أن بعض السائقين باتوا ينتظرون، ساعات، للحصول على الوقود، وسط مخاوف متزايدة من تعبئة عسكرية بعد الاقتراع.
إعلانولا تكمن أهمية التصويت في نتيجته المتوقعة بقدر ما تكمن فيما قد يأتي بعدها، إذ تنقل صحيفة تلغراف عن مراقبين قولهم إن بوتين لا يزال مقتنعا ليس فقط بقدرته على حسم الانتخابات، بل أيضا على مواصلة الحرب التي يقدمها بصورة متزايدة باعتبارها مواجهة مع الغرب أكثر من كونها صراعا مع أوكرانيا وحدها.
وتظهر استطلاعات حديثة ارتفاع القلق داخل روسيا من مسار الحرب واحتمال تجدد التعبئة، رغم نفي الكرملين وجود خطط من هذا النوع. ويتجلى هذا القلق -بحسب التقرير- في استدعاء بعض الشبان إلى مكاتب حكومية لـ"التحقق من البيانات"، فيما غادر آخرون البلاد.
لكنّ أي تعبئة جديدة قد لا تأخذ شكل استدعاء عام واسع، إذ تمنح القوانين التي أُقرت عام 2022 الكرملين هامشا واسعا لزيادة التجنيد من دون إعلان تعبئة وطنية جديدة، بما قد يسمح بتوسيع القوات المسلحة تدريجيا وبصورة أقل وضوحا.
وفي هذا السياق، يرى روبن ستيوارت، الباحث البارز في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، أن المبررات العسكرية للتعبئة تتزايد، لكنْ من المرجح أن يواصل بوتين في الوقت الراهن تجنب استدعاء واسع ومعلن، مع بقاء التعبئة المرحلية أو الانتقائية خيارا وسطا.
ولا يقتصر مفهوم التعبئة على تجنيد مزيد من الجنود، إذ تطرح صحيفة "تلغراف" احتمال أن تمتد أي تعبئة مستقبلية إلى الاقتصاد عبر إلزام الشركات الخاصة بخدمة المجهود الحربي، على غرار ما حدث في بريطانيا والاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية.
وقد تتجاوز تداعيات مثل هذه الإجراءات جبهة أوكرانيا، إذ يخلص التقرير إلى أنها قد تمنح روسيا مزيدا من القوى البشرية والقدرة الصناعية لمواصلة الحرب، مع بناء قوات استعدادا لمواجهة أوسع مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في وقت توسع فيه موسكو بنيتها العسكرية على الجناح الشرقي للحلف، بما في ذلك الثكنات ومراكز الخدمات اللوجستية قرب حدودها مع فنلندا.
aljazeera.net