خبر ⁄سياسي

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة 2025 لأمين حامد زين العابدين نموذجا 99 جزء 5 ب 5 ج

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة 2025 لأمين حامد زين العابدين نموذجا 99 جزء 5 ب 5 ج

 

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (9-9)– جزء (5 ب- 5 ج)

 

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

 

 

الأحكام التقريرية للدكتور أمين في مواجهة شهادات بعض دارسي فكر محمود محمد طه

 

نواصل في هذه الحلقة استعراض شهادات عدد من المفكرين والباحثين الذين درسوا فكر محمود محمد طه، وهي شهادات تكشف تباينًا واضحًا مع الأحكام التقريرية التي أطلقها الدكتور أمين في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة. فبينما وصف الدكتور أمين فكر طه بالنزعة «التوفيقية والتلفيقية»، رأى فيه دارسون آخرون فكرًا أصيلًا وإسهامًا جادًا في إعادة قراءة الإسلام وربطه بقيم الحرية والحداثة والديمقراطية والاشتراكية والتسامح والسلام، والاستجابة لتحديات العصر واحتياجات الإنسان المعاصر. بل ذهب المفكر التونسي يوسف الصديق إلى اعتباره منقذًا للمسلمين وللإنسانية جمعاء.

 

علي مزروعي وأد أجاوي: محمود محمد طه أكثر المفكرين الإسلاميين أصالة في إفريقيا

 

كتب كل من البروفيسور علي مزروعي (1933- 2014) و البروفيسور ج. ف. أد أجاوي (1929- 2014)               Jacob Festus Ade Ajayi،  في دراستهما “الاتجاهات في الفلسفة والعلم في أفريقيا”، المنشورة ضمن التاريخ العام لأفريقيا: أفريقيا منذ عام 1935، المجلد الثامن، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 1993، عن محمود محمد طه، قائلين: “إن أكثر المفكرين الإسلاميين أصالة، في إفريقيا في النصف الثاني من القرن العشرين، كان هو اللاهوتي السوداني محمود محمد طه”. ويكشف هذا التوصيف عن المكانة التي احتلها طه في نظر اثنين من أبرز الباحثين في الفكر والتاريخ الأفريقي؛ فهما لا يقدمانه بوصفه مجرد مصلح ديني سوداني، وإنما يضعانه في سياق أوسع هو سياق التجديد الفكري الإسلامي في أفريقيا. كما يلفتان إلى أن مفهومه للرسالتين كان مفهومًا “عابرًا للزمان” أكثر منه عابرًا للثقافات، وأن طه انخرط في جهد فكري عميق للتوفيق بين مقتضيات القرن العشرين وروح عصر النبي محمد. ويشرح الباحثان أن طه رأى أن الرسالة الأولى من الإسلام كانت موجهة إلى مجتمع القرن السابع الميلادي، في حين أن الرسالة الثانية من الإسلام، التي يدعو لها، تتجاوز ذلك الإطار التاريخي لتخاطب الإنسان في مختلف العصور. ومن هنا، فإن جوهر طرحه التجديدي، في نظرهما، يكمن في القدرة على التمييز بين ما كان مرتبطًا بظروف المجتمع الإسلامي الأول، وما يحمل قيمة دائمة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن طه لم يتعامل مع التراث الإسلامي باعتباره كتلة تاريخية مغلقة، وإنما حاول إعادة قراءته بما يسمح باستيعاب التحولات التي طرأت على الإنسان والمجتمع. ولذلك ربط الباحثان بين طرحه الفكري وبين محاولة تأسيس فهم للإسلام قادر على الحوار مع العصر الحديث، دون أن يفقد صلته بالأصول الروحية والأخلاقية للدين. ولم يكن هذا التجديد الفكري، بحسب مزروعي وأجاوي، بلا ثمن؛ فقد أشارا إلى أن محمود محمد طه “دفع الثمن الأغلى لتجديداته الفكرية العابرة للزمان”، إذ أُعدم في السودان عام 1985 بتهمة الردة والهرطقة. وهكذا ربط الباحثان بين القيمة الفكرية لطرح طه وبين المصير الذي انتهى إليه، بما يعكس حجم التوتر الذي نشأ بين طرحه التجديدي والنظام الديني-السياسي السائد في ذلك الوقت.

وتكتسب شهادة مزروعي وأجاوي، بهذا المعنى، أهمية إضافية عند وضعها في سياق الشهادات الأكاديمية والفكرية الأخرى التي تناولت طرح محمود محمد طه؛ فهي تؤكد أن الاعتراف بأصالة طرحه لم يكن محصورًا في الكتابات الجمهورية أو السودانية، وإنما صدر أيضًا عن باحثين بارزين في الدراسات الأفريقية والفكر الإسلامي. وبالمقارنة بين ما أورده مزروعي وأجاوي من قراءة لطرح طه، وبين الأحكام التي أصدرها الدكتور أمين، تبرز فجوة واضحة في منهج التعامل مع فكر محمود محمد طه. فبينما يستند الباحثان إلى قراءة وتحليل لمقولاته الأساسية، ولا سيما مفهوم الرسالتين، ويضعانه في سياق تاريخي وفكري واسع، يبدو حكم الدكتور أمين أكثر تقريرية وأقل استنادًا إلى تحليل تفصيلي لنصوص طه ومصادره. ومن ثم، فإن هذه المقارنة لا تكشف فقط اختلافًا في التقييم، وإنما تثير سؤالًا أعمق حول مدى كفاية الاطلاع على المصادر الأصلية قبل إصدار الأحكام على طرح فكري بهذا التعقيد. فالمشكلة، في نهاية المطاف، ليست في اختلاف الباحثين حول طه، وإنما في الفارق بين حكم يُبنى على دراسة الطرح من داخله، وحكم يصدر عليه من خارجه دون استيفاء عناصره ومفاهيمه الأساسية، على نحو ما فعل الدكتور أمين حامد زين العابدين.

وفي الوقت الذي يصف فيه علي مزروعي وج. ف. أد أجاوي محمود محمد طه بأنه أكثر المفكرين الإسلاميين أصالة في أفريقيا، يصدر الدكتور أمين حكمًا معاكسًا تمامًا، واصفًا فكر طه بأنه طغت عليه “النزعة التوفيقية والتلفيقية”، وأنه استعار المفاهيم والقيم من الحضارة الغربية، دون أن يسند هذا الحكم إلى دراسة تفصيلية لمقولات طه ومصادره وأصوله الفكرية؛ الأمر الذي يثير، على المستوى المنهجي، سؤالًا جديًا حول مدى استيفاء هذا الحكم لمقتضيات البحث العلمي، فضلًا عن مقتضيات الإنصاف والوازع الأخلاقي في تقييم الأطروحات الفكرية.

 

الزبير عروس: محمود محمد طه كأنه كان مسيح عصره.. مسيح المستقبل.. مسيح الإنسان هو المخلص

 

“إننا بالتجربة الطويلة في ممارسة حمل الدعوة، لم نجد خصومنا في الرأي يعارضون محتوى ما نقول.. على النقيض من ذلك هم يعارضون آراءً توهموا أننا قد قلناها، ولو أنهم قد إستأنوا قليلاً لكان لهم موقف آخر، فإن علم الله واسع، وإن كلماته لا تنفد”.

محمود محمد طه، 1976

 

أما المفكر الجزائري البروفيسور الزبير عروس، مؤسس مخبر الدين والمجتمع بجامعة الجزائر 2، فقد درس فكر محمود محمد طه، وقدم بعض الأوراق والمداخلات، من بينها ورقة علمية بعنوان: “آيـــــــــــات السماح ومحــن أهـل العقـــل: محمود محمد طه نموذجاً”، وغيرها. وفي إحدى مداخلاته عبَّر البروفيسور عروس عن القيمة الفكرية لمحمود محمد طه، قائلاً: “محمود محمد طه كأنه كان مسيح عصره.. مسيح المستقبل.. مسيح الإنسان، هو المخلص” (31 يناير 2026). وتحمل هذه الاستعارة دلالة عميقة؛ فهي تشير إلى صورة المفكر الذي يتقدم عصره، ويدفع ثمناً شخصياً وفكرياً بسبب تمسكه برؤية إصلاحية تتجاوز المألوف والسائد. فالمفكر محمود محمد طه لم يطرح إصلاحاً جزئياً في بعض المسائل الدينية، بل سعى إلى إعادة بناء التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والدولة والحرية على أساس مغاير، وفي المصاف الإنساني، انطلاقا من الفهم الجديد للإسلام، واستناداً إلى مركزية الإنسان وكرامته في التجربة الدينية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم وصفه بـ “مسيح عصره” بوصفه إحالة إلى نموذج المصلح الذي يحمل طرحاً أخلاقياً يتجاوز حدود اللحظة السياسية والتاريخية التي عاش فيها، بينما يحيل وصفه بـ ” مسيح المستقبل.. مسيح الإنسان” إلى الاعتقاد بأن بعض أفكاره قد تكتسب مزيداً من الدلالة كلما تطورت المجتمعات الإنسانية نحو قيم الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. وعلى هذا الأساس، لا تنبع أهمية فكر محمود محمد طه، في نظر عروس، من كونه صاحب تجربة فكرية سودانية فحسب، بل من كون طرحه يطرح أسئلة تتجاوز السودان والعالم الإسلامي إلى علاقة الدين بالحداثة، والإيمان بالحرية، والتشريع بالتاريخ، والهوية بالإنسانية. ومن ثم تلتقي عبارتا “مسيح عصره” و” مسيح المستقبل.. مسيح الإنسان” في الإشارة إلى مفكر ظل، في حياته وبعد إعدامه، مرتبطاً بسؤال الإصلاح الديني والإنساني وبإمكان بناء خطاب ديني إنساني أكثر انفتاحاً على المستقبل.

 

سلمان البدور: خلق طه منهجاً جديداً في التأويل فأثر في كثير من المفكرين لكنهم للأسف لم يشيروا إليه

 

كذلك أكد سلمان البدور، الأستاذ بالجامعة الأردنية والمشرف على أطروحة الدكتوراه التي قدمتها عائشة نظيف بعنوان: محمود محمد طه: رؤية تجديدية في الإسلام، الجامعة الأردنية، 2017، على أصالة محمود محمد طه، حيث ابتكر منهجًا جديدًا في التأويل. ولاحظ البدور أن هذا المنهج المبتكر ظل حاضراً عند الكثير من المفكرين، دون أن يعترفوا بذلك. تحدث البدور، قائلًا: “خلق محمود محمد طه منهجاً جديداً في التأويل، جعله يؤثر في كثير من المفكرين، الذين مع كل أسف لم يشيروا إليه، وهذا موجود في كل كتابات الذين أولوا نظريتهم في الإسلام، على نحو جديد”. وشبّه البدور طه بسقراط، الذي دفع حياته ثمنًا لأفكاره، قائلاً: “كان محمود محمد طه ذلك الشخص، سقراط العصر، الذي دفع أيضاً حياته ثمناً لآرائه”.. كما أكد البدور على أن طه أثر في الكثير من المفكرين، ثم نبه البدور للمطلوب اليوم تجاه فكر محمود محمد طه، قائلاً: “مطلوب من الأكاديميين اليوم العناية بآراء محمود محمد طه، لأهميتها، ولأثرها الكبير، ولرؤيته في مستقبل الإسلام”. كما دعا الأكاديميين “أن يبحثوا في آرائه، وأن يمنحوه الأهمية التي يستحقها”.

وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من كونها صادرة عن مفكرين وباحثين متباينين في خلفياتهم الفكرية والجغرافية، ومع ذلك يلتقون في التأكيد على أن طرح محمود محمد طه لا يمكن اختزاله في أحكام تقريرية أو تصنيفات جاهزة. فدراسة مشروعه تقتضي، وفق هذه الشهادات، النظر إليه بوصفه طرحًا فكريًا وتأويليًا متكاملًا حاول إعادة بناء العلاقة بين الإسلام والحرية والتحرر والحداثة والديمقراطية.

ومن ثم، فإن هذه الشهادات لا تمثل مجرد آراء مؤيدة لمحمود محمد طه، وإنما تطرح، من الناحية المنهجية، سؤالًا حول مدى كفاية الأحكام التقريرية التي صدرت في حق طرحه، ومن بينها الأحكام التي أطلقها الدكتور أمين حامد زين العابدين، ومدى اتساقها مع نتائج الدراسات والشهادات الصادرة عن مفكرين وباحثين تناولوا فكره بالدرس والتحليل. ولذلك، فإن وضع هذه الشهادات في مواجهة تلك الأحكام يتيح للقارئ فرصة أوسع لتكوين حكمه على طرح محمود محمد طه، بعيدًا عن الاختزال والتوصيفات المسبقة، وعن الخلاصات التي لا تستند إلى قراءة مستوفية للمصادر ودراسة متأنية لأصول الطرح الفكري الذي تنقله.

 

فوزية مراد: طه أسس منهجًا تأويليًا تجديديًا.. وأفكاره تلتقي مع مطالب النسوية الإسلامية المعاصرة

 

“الحقيقة دكتورنا عبد الله أنني كلما قرأت لمحمود محمد طه شعرت أنني أقترب أكثر من ذاتي ومن المعنى الحقيقي للدين ففي كلماته حرية وفي فكره رحابة إنه وببساطة يقظة فكرية وروحية لا تنطفئ”.

فوزية مراد، 6 يوليو 2025

 

أعدت البروفيسور فوزية مراد، الأستاذة بكلية الآداب، جامعة المرقب، ليبيا، بعض الدراسات عن فكر محمود محمد طه، كما شاركت في عدد من المؤتمرات بتقديم أوراق علمية تناولت طرحه الفكري. فقد قدمت ورقة بعنوان: “العقل التأويلي في مواجهة التكفير: قراءة في مشروع محمود محمد طه”، في المؤتمر الثالث عشر: التفكير والفلسفة في مواجهة التكفير، الذي نظمته الجمعية الفلسفية الأردنية ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون، بمدينة عمّان، الأردن، خلال الفترة من 24 إلى 26 تموز/يوليو 2025، وقد نشرت الورقة ضمن أعمال المؤتمر. كما شاركت بورقة بعنوان: “من التفكيك النقدي إلى إعادة التأسيس التأويلي: النيهوم ومحمود محمد طه نموذجًا في مجال التجديد الديني»، في اليوم الدراسي: “التجديد والتنوير الديني من الطاهر الحداد إلى محمود محمد طه: الحصيلة والآفاق”، الذي نظمه مخبر المغرب العربي العمران المتعدد، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، بمشاركة مدرسة الدكتوراه للآداب والفنون والإنسانيات بجامعة صفاقس، صفاقس، في 22 أفريل/أبريل 2026م. وخلصت في ورقتها إلى القول: “أما المفكر محمود محمد طه فقد تجاوز النيهوم بخطوات؛ أي تجاوز النقد وأسس منهجًا تأويليًا تجديديًا”. وأعدت كذلك دراسة بعنوان: “الإسلام من أجل السلام: التأويل الفلسفي للتعايش الديني في فكر طه وراهنيته المعاصرة”، رأت فيها أن «مشروع محمود محمد طه يمثل انموذجًا قيميًا وعمليًا يمكن الاستناد عليه لمواجهة التحديات التي تقف عائقًا أمام تحقيق العيش المشترك في عالم اليوم”. وأضافت أن مشروع المفكر محمود محمد طه يبرز بوصفه مشروعًا إصلاحيًا ناجحًا ومتكاملًا قدمه في “الرسالة الثانية من الإسلام”، ويرتكز على ضرورة إعادة تأويل النصوص الدينية وصولًا إلى إسلام مبني على السلام والتسامح والاعتراف بالآخر دينيًا وثقافيًا.

كما نظرت إلى طه باعتباره سابقًا لعصره في تقديم قراءة تأويلية للنصوص الإسلامية، وذلك في دراستها المعنونة: “النسوية الإسلامية في فكر محمود محمد طه: بين التأصيل والتجديد”. وذكرت فوزية أنه، على الرغم من أن فكر طه لم ينتشر على نطاق واسع مقارنة بمفكرين آخرين في مجال النسوية الإسلامية، مثل فاطمة المرنيسي وآمنة ودود ونظيرة زين الدين، وغيرهم، بسبب القمع الذي واجه طرحه وحركته، والرفض الشديد من قبل المؤسسات الدينية التقليدية، التي اعتبرت أفكاره خروجًا عن الإسلام، فإن كثيرًا من المبادئ التي نادى بها، كما ترى فوزية، تتلاقى مع مطالب الحركات النسوية الإسلامية الحديثة التي تدعو إلى إعادة قراءة النصوص الدينية وفق منظور حقوق الإنسان والمساواة.

يكشف هذا التناول أن قراءة فوزية مراد لطرح محمود محمد طه لا تقف عند حدود عرض أفكاره، وإنما تضعها في سياق أوسع من التحولات التي شهدها الفكر الديني الحديث والمعاصر. فهي ترى أن القيمة الأساسية في مشروعه تتمثل في انتقاله من م&