خبر ⁄سياسي

انذار احمر من مجاعة قادمة في السودان ومطالبات بوقف الحرب واتخاذ تدابير استباقية لمنع الكارثة قبل فوات الأوان

دارفور : كردفان : الخرطوم : كمبالا : امستردام : راديو دبنقا

19 سبتمبر 2026 :راديو دبنقا – حذر الدكتور اديب يوسف الخبير في مجال الازمات وتحليل النزاعات وأخصائي برامج السلام، من خطورة الأوضاع الغذائية الراهنة في السودان، ولا سيما في إقليمي دارفور وكردفان، مشيراً إلى أن نقص المواد الغذائية يمثل مرحلة تسبق المجاعة وفق التصنيفات العلمية، وقد يتطور الوضع إلى تصنيف مناطق على أنها تعاني من المجاعة كما تبدو المؤشرات بوضوح في عموم السودان وعلى وجه الخصوص في اقليمي دارفور وكردفان

وكانت شبكة ، المجاعة الدولية قالت في اخر تحديث لها حول توقعات الأمن الغذائي في السودان للفترة من أغسطس 2026 إلى يناير 2027، إن “هناك خطرًا موثوقًا بحدوث مجاعة حتى يناير المقبل في 7 مناطق بشمال دارفور، وفي الدلنج وكادقلي بجنوب كردفان”.وأشارت إلى أن هذه المناطق تشهد عجزًا كبيرًا في استهلاك الغذاء وزيادة في مستويات سوء التغذية الحاد، فيما يؤدي تصاعد الصراع أو عودة عمليات الحصار، بالتزامن مع إنتاج هامشي أو انعدام المحاصيل تقريبًا، إلى وقوع مجاعة

وأضاف اديب الذي شغل سابقا منصب الوالي لولاية وسط دارفور خلال الفترة الانتقالية التي أطاح بها انقلاب 25 أكتوبر أن هذه الظروف أدت إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية، خصوصاً وسط الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات وكبار السن، إلى جانب ظهور حالات وفاة، وارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية، ونقص السيولة النقدية وصعوبة الحصول عليها، فضلاً عن التعقيدات المرتبطة بتطبيق بنكك والوسائل المصرفية الأخرى، وصعوبات وصول الإمدادات الغذائية إلى المتضررين. وقال “كل الأشياء دي وعوامل تانية من نتائج الحرب ساهمت في إن الوضع يصل للمرحلة الخطيرة دي”

دكتور أديب يوسف الخبير في مجال الازمات وتحليل النزاعات وأخصائي برامج السلام : الحرب ونقص الأمطار يدفعان السودان نحو مرحلة خطيرة من انعدام الغذاء : مصدر الصورة : راديو دبنقا

نقص الأمطار يضاعف الأزمة

وأشار دكتور أديب إلى أن العامل الثاني يتمثل في نقص الأمطار، مبيناً أن تأثيره لا يقتصر على الإنسان، وإنما يمتد إلى الثروة الحيوانية والغطاء الغابي والنباتي. وقال إن نقص معدلات الأمطار خلق أوضاعاً مقلقة للمزارعين والرعاة، مشيراً إلى بدء نفوق جزء من الثروة الحيوانية.
وأضاف: (إحنا عارفين إنه في شهر تمانية وتسعة ده بيكون الحيوانات والثروة الحيوانية في أحسن حالاتها الصحية، لكن الآن الوضع اختلف.) وأكد أن السببين الرئيسيين اللذين أوصلا الناس إلى الوضع الراهن هما (الحرب ونتائجها، ونقصان الأمطار وتوابعه).

وكانت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو”، حذرت الأسبوع الماضي ، من تراجع الإنتاج المحاصيل جراء نقص هطول الأمطار الذي أدى إلى جفاف شديد في مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بولايتي سنار والقضارف .وقالت الفاو، في تقرير، إن “مناطق الزراعة الرئيسية في جنوب شرق السودان سجلت عجزًا كبيرًا في هطول الأمطار، حيث بلغت الأمطار التراكمية بين يونيو ومنتصف أغسطس 2026 أقل من المتوسط طويل الأجل بنحو 20% في سنار و30% في القضارف”.وأشارت إلى أن نقص الرطوبة الناتج عن قلة الأمطار أثّر بشدة في أوضاع الغطاء النباتي، حيث أوضح مؤشر الإجهاد الزراعي التابع للمنظمة، في منتصف أغسطس، وجود ظروف جفاف شديدة في ما يصل إلى 40% و70% من الأراضي المزروعة في ولايتي سنار والقضارف، على التوالي.

( ارشيفية )ام تجلس أمام جثة طفلتها هاجر إسحاق عمرها عشر سنوات توفيت نتيجة الجوع والعطش أثناء خروجهم من داخل الفاشر باحثين عن مخرج لارواحهم في الطريق الى منطقة طويلة بشمال دارفور : وسائل التواصل الاجتماعي

اختلاف الوضع الراهن عن مجاعات سابقة

وفي مقارنته بين الأزمة الحالية والمجاعات التي شهدها السودان في العقود الماضية، قال الخبير في مجال تحليل النزاعات وأخصائي برامج السلام،الدكتور اديب يوسف في المقابلة مع دبنقا إن السودان شهد في الماضي القريب أزمات حادة مرتبطة بنقص الغذاء، من بينها مجاعة دارفور في الأعوام 1983 و1984 و1985، ومجاعة بحر الغزال عام 1998، إضافة إلى الأزمة التي امتدت في دارفور بين عامي 2003 و2005.

واستعاد أديب ما وصفه بذكرى التحذيرات المبكرة من مجاعة دارفور في ثمانينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أن أحمد إبراهيم دريج، الذي كان حاكماً لإقليم دارفور آنذاك، أثار مسألة نقص الغذاء خلال اجتماع مع الرئيس جعفر نميري ومسؤولي الأقاليم.

وقال إن حديث دريج كان بمثابة إنذار مبكر، لكنه قوبل بالرفض، وسط شعارات من بينها أن السودان يعيش عاماً من أعلى معدلات الإنتاج ولا يمكن للحكومة أن تعلن عن مجاعة في ذلك الوقت.

وأشار إلى أن دريج أعلن لاحقاً عن المجاعة من لندن، مؤكداً أن الأزمة لم تقتصر على دارفور وحدها، بل امتدت إلى مناطق أخرى، وأسهمت في نزوح أعداد كبيرة من السكان من دارفور وكردفان إلى مواقع مختلفة داخل السودان ودول الجوار.

وأوضح أن الاختلاف الأساسي بين تلك المجاعات والوضع الحالي يتمثل في أن السودان يواجه الآن حرباً شاملة في مناطق مختلفة من البلاد، بينما كانت الحروب خلال أزمات 1983 و1998 و2003-2005 أكثر ارتباطاً بمناطق محددة. وأضاف أن التغيرات البيئية ونقص الأمطار تمثل عاملاً إضافياً في الأزمة الحالية، إلى جانب اختلاف مستوى الاهتمام الدولي والإقليمي.

وقال إن مجاعة 1983 شهدت اهتماماً كبيراً من المجتمع الدولي والإقليمي بالحالة التي وصل إليها السودان، مشيراً إلى تدخلات دولية للمساعدة في مواجهة الأزمة. وأضاف لدبنقا “في فرق كبير، وأتمنى إنه الوضع ده الناس ياخدوه بعين الاعتبار وجدية حتى يساعد على بقاء الإنسان والحيوان والنبات”.

وكانت شبكة الإنذار المبكر أعلنت في اخر تحديث عن تجاوز انتشار سوء التغذية الحاد الشامل عتبة الطوارئ البالغة 15% في 12 من أصل 26 مسحًا حديثًا باستخدام منهجية SMART، حيث سجلت أعلى المعدلات في بيضة وسربا بغرب دارفور، وكتم والسريف بشمال دارفور، وعديلة وأبو كارنكا بشرق دارفور، وتلكوك بكسلا والرهد بالقضارف. ورجحت الشبكة أن تظل حالة الطوارئ، التي تواجه فيها الأسر نقصًا شديدًا في الغذاء، واسعة الانتشار خلال ذروة موسم الجفاف في أغسطس وسبتمبر في معظم مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق.وأفادت إن حالة الطوارئ، مع وجود بعض السكان في مرحلة الكارثة، ستستمر خلال موسم الحصاد الممتد من أكتوبر إلى يناير على طول خطوط القتال النشطة، نظرًا إلى الاضطرابات التي ألحقها الصراع بالنشاط الزراعي، إضافة إلى تأثير ظاهرة النينيو التي تقود إلى أمطار أقل بكثير من المتوسط وارتفاع درجات الحرارة.

مزارع مطرية اصابها الجفاف ونقص المطر في ولايات دارفور

الزراعة والرعي وسبل كسب العيش تحت الضغط

وحول تأثير الأزمة على الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية وسبل كسب العيش، قال أديب في المقابلة مع راديو دبنقا إن غالبية سكان الريف السوداني يعتمدون بصورة أساسية على حرفتي الزراعة والرعي، وبالتالي فإن أي تدهور في الظروف المناخية أو الأمنية ينعكس مباشرة على مصادر دخلهم.
وأوضح أن الحرب ونقص الأمطار يؤثران بصورة كبيرة على الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية، مشيراً إلى أن الإنسان قد يستطيع النزوح من مدينة إلى أخرى أو من قرية إلى مدينة، لكن الخسارة الأكبر قد تقع على الثروة الحيوانية التي يصعب نقلها أو حمايتها في ظروف الجفاف والحرب.
وأشار إلى أن نقص الأمطار لا يقتصر على السودان، بل تشهده أيضاً دول مجاورة، بينها تشاد، ما يزيد من الضغوط على الثروة الحيوانية وسبل كسب العيش في المنطقة. وقال “الحاجتين ديل مربوطات مع بعض بسبل كسب العيش، يعني مؤكد الموضوع ده هيأثر تأثير كبير على مستويات الناس وعلى سبل كسب عيشهم”.

أزمة السيولة تضيف أعباء جديدة

ولفت أديب إلى أن أزمة نقص السيولة النقدية أصبحت عاملاً إضافياً يضغط على المواطنين وسبل كسب عيشهم، خصوصاً في دارفور وكردفان. وقال إن نسبة من الأموال المحولة إلى المواطنين في تلك المناطق تُفقد بسبب الفوارق والخصومات المرتبطة بالحصول على النقد، مشيراً إلى أن النسب قد تتراوح، بحسب الحالات، بين 20 و35 بالمائة.
وأوضح أن بعض التجار أنفسهم لا يملكون السيولة الكافية، ما يدفعهم إلى مقايضة الأموال بالسلع. وقال: “مرات بيقول إن التاجر ده هو ذاته ما عنده كاش، فبخلي الزول ياخد مادة، يقول ليك أنا ما عندي قروش لكن ممكن أديك سكر بدله، أديك زيت بدله، أديك ملح بدله، أديك شاي، مقابل القروش، بالإضافة للنسبة المخصومة”
وأكد أن هذا الوضع يؤثر بصورة كبيرة على سبل كسب العيش وعلى القطاعات الثلاثة، وهي الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية وحياة الإنسان.

نازحون يصلون الى طويلة بشمال دارفور : مصدر الصورة : برنامج الغذاء العالمي WFP

دعوة لإجراءات عاجلة للأمن الغذائي

ودعا أديب إلى الاعتراف رسمياً بحجم الأزمة الراهنة، وإجراء عمليات سريعة وشاملة لتقييم وضع الأمن الغذائي في مختلف أنحاء السودان. وقال إن المطلوب هو وضع مؤشرات واضحة للإنذار المبكر، لرصد واقع السكان في المناطق التي يعيشون فيها، إلى جانب توسيع نطاق المساعدات الإنسانية وإزالة العقبات التي تحول دون وصول المواد الغذائية إلى المتضررين.
كما دعا إلى تقديم دعم عاجل للمزارعين والرعاة، بما يشمل المنتجات الزراعية والبيطرية، لمساعدتهم على تفادي تفاقم الأزمة. وشدد كذلك على ضرورة الاهتمام بالمياه، باعتبارها حاجة أساسية للإنسان والحيوان والثروة الحيوانية.
وطالب بإنشاء نظم لرصد أسعار المواد الغذائية وتوفرها، مشيراً إلى أن استطلاعاً أُجري في مناطق مختلفة من السودان، شمل فروبرنقا والجنينة وزالنجي ونيالا وكاس وكورما والفاشر وطويلة والطينة وكبكابية والمالحة والأبيض والخرطوم وأم درمان والجزيرة، أظهر تفاوتاً كبيراً في أسعار المواد الغذائية بين المناطق.
وقال إن التباين الكبير في الأسعار، إلى جانب نقص السيولة، يتطلب وجود أنظمة رصد توضح حركة الأسعار ومدى توفر المواد الغذائية. كما شدد على أهمية التنسيق المحكم بين المنظمات الإنسانية والسلطات المحلية في مختلف المناطق، معتبراً أن ذلك يمثل اختباراً للربط بين السياسة والعمل الإنساني.

الأزمة الغذائية ومدخل محتمل للسلام

وحول تأثير الأزمة الغذائية على عملية السلام، قال الخبير في مجال تحليل النزاعات وأخصائي برامج السلام، إن الوضع الإنساني يمكن أن يشكل مدخلاً للتنسيق بين الأطراف، إذا جرى التعامل معه باعتباره قضية إنسانية تتجاوز الخلافات السياسية والعسكرية.
وقال إن الإصرار على منع وصول المواد الغذائية أو التحكم في الجهات التي تقدم المساعدات قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة، معتبراً أن شبح المجاعة قد يكون مدخلاً لتنسيق إنساني يشمل الصحة والتعليم والغذاء وغيرها من الخدمات الأساسية.
وأشار إلى تجربة موزمبيق عام 1992، عندما تزامنت المجاعة مع الحرب الأهلية، وقال إن الأطراف المتحاربة وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة معها على مواصلة الحرب، وانتهى الأمر إلى تسوية سياسية.
وأضاف أن التجارب الإنسانية السابقة يمكن الاستفادة منها في الوضع السوداني، قائلاً “من السموم الناقعات في الحرب يمكن أن يحصل دواء، وهذا الدواء يجعل هناك استجابة إنسانية بالنسبة للناس”

اطفال مصابون بسوء التغذية الحاد بمعسكر كلمة للنازحين (ارشيف)

تحذير من خطورة الوضع في دارفور

وأكد أديب على خطورة الوضع الحالي، مشيراً إلى أن توقيت الأزمة يزيد من خطورتها، إذ إن شهر أغسطس وسبتمبر يمثلان ذروة موسم الخريف في دارفور، حيث يفترض أن تكون الوديان جارية والمحاصيل الزراعية في مرحلة النضرة.
وقال: “أنا أرى الوضع في غاية من الخطورة. نحن في دارفور شهر الثمانية والتسعة، وهذا عز الخريف والوديان جارية والمحاصيل الزراعية تكون في النضرة، لكن هذا ليس الوضع الآن. في الوديان الكثيرة في دارفور الوضع الآن جاف كأنه شهر اثنين في عز الصيف”
ودعا السلطات إلى أخذ النداءات الإنسانية بجدية، وطالب جميع الأطراف المسيطرة على المناطق الجغرافية بتسهيل العمليات الإنسانية ووصول المواد الغذائية إلى السكان.كما دعا إلى عدم عرقلة المساعدات الإنسانية، حتى لا تتحول القيود المحلية على العمل الإنساني إلى عائق أمام وصول المساعدات الدولية. وقال “أتمنى أن يكون فيه تسهيل للعمليات الإنسانية في ربوع السودان، وأنه يكون في غوث بالنسبة للمواطنين والثروة الحيوانية والغطاء النباتي”

تحذيرات ختامية مكملة من الفاو

وكانت منظمة الأغذية والزراعة العالمية الفاو قالت في تقريرها الأسبوع الماضي بأن موسم الأمطار، الممتد من يونيو إلى سبتمبر، اتسم حتى الآن بكميات تراكمية من الأمطار أقل من المتوسط في معظم مناطق الزراعة، ما أثر في إنبات المحاصيل واستقرارها في مراحلها الأولى.
وذكر أن التوقعات الجوية لبقية موسم الزراعة، الصادرة عن منتدى توقعات المناخ للقرن الأفريقي الكبير، تشير إلى احتمال كبير لهطول أمطار دون المتوسط في معظم مناطق الزراعة، ما يؤدي إلى تدهور أوضاع الغطاء النباتي وتراجع الإنتاج.

وتوقع أن يؤثر النزاع القائم على الأنشطة الزراعية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، خاصة أن انعدام الأمن يقيّد الوصول إلى الحقول، فيما ستؤدي محدودية المدخلات وارتفاع أسعارها وتراجع الوصول إلى الائتمان الزراعي إلى مزيد من عرقلة الإنتاج.
وتعمل 80% من القوة العاملة في البلاد في قطاع الزراعة والرعي، الذي يسهم بنسبة 31.8% من إجمالي الناتج المحلي، بحسب بنك السودان المركزي.
ويؤدي شح الأمطار إلى تقلص المراعي الطبيعية التي يعتمد عليها الرعاة في إطعام الماشية، التي يُقدَّر عددها في السودان بنحو 115.4 مليون رأس، مما يزيد التوترات بين الرعاة والمزراعين.

وقالت الفاو إن أسعار الذرة الرفيعة ارت&