خبر ⁄سياسي

عثمان ميرغني.. ناطق باسم الطرشان

عثمان ميرغني.. ناطق باسم الطرشان

أحمد عثمان جبريل

❝الكواكبي حاكم قلمه.. فهل يستطيع عثمان ميرغني أن يحاكم منصبه بقلمه؟❞

تقول الحكاية إن عبد الرحمن الكواكبي لم يكن كاتباً يراقب السلطة من شرفة بعيدة ثم يطلق أحكامه عليها.. كان صحفياً وموظفاً وقاضياً ورئيساً لبلدية حلب، وعرف دهاليز الإدارة من الداخل قبل أن يفتح عليها النار من الخارج.. أصدر صحيفة (الشهباء) سنة 1877، فصادمت السلطة مقالاته فلم تحتملها طويلا فأغلقتها بعد أعداد قليلة، ثم أصدر (الاعتدال) فلاحقته السلطة مرة أخرى.. ومع ذلك لم يبدّل الكواكبي جلده كلما تبدّل موقعه؛ ظل قلمه في الجهة نفسها.. مضى الى الفكرة التي آمن بها” مع الحرية وضد الاستبداد” حتى ترك لنا (طبائع الاستبداد) شاهداً على أن الكاتب الحقيقي لا يكتب شيئاً بيده ثم يمسحه بيده الأخرى حين تتغير مصلحته.

ومن الكواكبي نعود إلى السودان.. إلى عثمان ميرغني، الكاتب والصحفي الذي اختارته لجنة الحوار السوداني ناطقاً باسم مسار تقول اللجنة إنه يستهدف حواراً وطنياً شاملاً. والرجل ليس مجهولاً في السياسة، ولا يحتاج منا إلى تعريف.. له مقالاته، ومواقفه، وأرشيفه.. بل إن أرشيفه هو الذي يستدعينا اليوم.

نحن لا نحاكم عثمان بما قاله خصومه عنه.. نحاكمه بما قاله هو.

(1)

لنبدأ من السؤال الذي لا يستطيع الحوار القفز فوقه:( ما هذا الحوار؟ وإلى أين يقود؟) .. عثمان يقول إن الحوار السياسي هو الحل الأمثل لوقف الحرب، واللجنة تقول إنها منفتحة على القوى السياسية والمدنية، بما فيها المتحفظة والرافضة. كلام جميل.. لكن السودان لا يحتاج كلاماً جميلاً.. السودان يحتاج جواباً صريحاً: هل هذا الحوار طريق إلى سلطة مدنية يختارها السودانيون، أم مجرد محطة سياسية جديدة تضاف إلى محطات كثيرة انتهت بالسودانيين إلى النقطة نفسها؟

(2)

والآن.. إلى 25 أكتوبر 2021، حيث يصبح الأرشيف أكثر صراحة من الخطب.. عثمان ميرغني قالها يومها بلا لف ولا دوران:( ما حدث كان انقلاباً عسكرياً قطع فترة ديمقراطية متفقاً عليها بوثيقة دستورية، والمطلوب هو الخروج من الفترة الانقلابية إلى الفترة الانتقالية). هذه ليست قراءتنا.. هذه شهادة الرجل على نفسه.

(3)

وهنا نصل إلى السؤال الذي لا تنفع معه البلاغة:” ماذا تغيّر؟ عثمان الذي سمّى 25 أكتوبر انقلاباً، يقف اليوم ناطقاً باسم حوار ترعاه سلطة يقودها البرهان.. فهل تغيّر موقف عثمان؟ أم تغيّر موقع عثمان؟ سؤالان متشابهان في الكلمات، لكن بينهما مسافة وطن كامل.. إن كان قد راجع موقفه، فهذه حرية فكرية لا ننازعه فيها.. لكن أين المراجعة؟ ومتى حدثت؟ وما الذي أقنع الكاتب الذي سمّى الانقلاب انقلاباً بأن يصبح ناطقاً بمسار سياسي ولد في ظل سلطته؟

(4)

هنا لا نحتاج إلى قراءة النيات.. النيات ملك أصحابها، لكن الكلمات ملك التاريخ.. عثمان كتب بالأمس، ويتحدث اليوم. وبين الأمس واليوم يقف أرشيفه شاهداً. قال إن المطلوب الخروج من الفترة الانقلابية.. واليوم يشرح مساراً سياسياً في ظل السلطة التي قامت بعد ذلك الانقلاب.. فهل انتهت الفترة الانقلابية فعلاً؟ وإن كانت انتهت، فمتى انتهت؟ ومن أعلن نهايتها؟ وبأي وثيقة؟ أم أننا أمام تغيير في الأسماء بينما بقي السؤال نفسه جالساً في مكانه؟

(5)

ثم يقول عثمان إن استقلالية لجنة الحوار هي إحدى الضمانات الأساسية، وإنها تسعى إلى جمع المختلفين والمتفقين والرافضين. حسناً.. استقلالية اللجنة عن ماذا؟ ومن يملك مفاتيح الطريق إذا اختلفت مخرجات الحوار مع إرادة من يملك السلاح والقرار؟ وما قيمة مخرجات لا تملك آلية تنفيذ؟ وهل تستطيع لجنة سياسية أن تنتزع سلطة القرار من أصحاب القوة أم أنها ستكتفي بإنتاج بيان جديد، ثم تطلب من السودانيين أن يصفقوا له؟

(6)

وهنا يبلغ السؤال عثمان نفسه: أين عثمان الكاتب من عثمان الناطق؟ الأول كان يكتب عن الديمقراطية والانقلاب والانتقال المدني، والثاني يتحدث باسم حوار تفتح له السلطة أبوابها ومنابرها.. لا مشكلة أن يتغير الإنسان.. المشكلة أن يتغير موقعه ويبقى تفسير التغيير غائباً.. لا مشكلة أن يراجع الكاتب نفسه.. المشكلة أن يطلب من القارئ أن يقوم بالمراجعة نيابة عنه. قل لنا يا يا أستاذ عثمان: هل تغيّر رأيك؟ وإن تغيّر، لماذا؟ وإن لم يتغير، فكيف يستقيم الأمس مع اليوم؟

(7)

الكواكبي كان يعرف أن القلم امتحان.. ولذلك لم يجعل الوظيفة الرسمية قفلاً على فمه.. تقلد المناصب، ثم اصطدم بالسلطة، واستقال من بعضها، وواصل طريقه حتى صار كتابه في الاستبداد واحداً من أشهر النصوص العربية في نقد الحكم المطلق.. أما عثمان ميرغني، فامتحانه اليوم مختلف: ليس أمام السلطة.. بل أمام أرشيفه. وليس المطلوب منه أن يكون معارضاً، ولا أن يكون مؤيداً.. المطلوب فقط أن يكون متسقاً مع الكلمة التي كتبها بيده.

نحن لا نحاكم عثمان ميرغني لأنه غيّر رأيه.. نحاكم صمته عن التغيير إن كان قد تغيّر.. ولا نحاكمه لأنه قبل المنصب.. فالمنصب حقه، لكن المنصب لا يمحو الأرشيف.. ولا نطالبه بأن يكرر كلام الأمس إلى الأبد.. وإنما نطالبه بشيء أبسط وأصعب:” أن يشرح لنا كيف وصل من هناك إلى هنا”.

فالقلم الذي كان قادراً على تسمية 25 أكتوبر باسمه، ينبغي أن يكون قادراً اليوم على تسمية الأشياء بأسمائها.

لا نريد من عثمان ميرغني أن يكون ضد البرهان.. ولا معه.. نريده فقط أن يكون مع كلمته..

فإن كان قد تغيّر.. فليقل:( تغيّرت).

وإن كان موقفه كما هو.. فليشرح لنا كيف أصبح الحوار الذي يقوده اليوم متسقاً مع الموقف الذي كتبه بالأمس..

أما أن يتقدم المنصب ويُؤخَّر الأرشيف.. فهذه هي المسافة التي لا يستطيع القلم الحر أن يقطعها بالصمت.

ومضة:

الكواكبي لم يكن حراً لأنه كتب ضد السلطة فقط.. كان حراً لأن السلطة لم تستطع أن تكتب له ما يكتب.

أما عثمان اليوم.. فالسؤال ليس:”ماذا يقول الناطق؟” ..

السؤال الأشد قسوة: (ماذا بقي من الكاتب داخل الناطق؟).

توقيع أفق الحرف:

أفقٌ يترفق باتساعه ليقول..

لا نحاكم الرجال بما قيل عنهم.. نحاكمهم بما قالوه هم.. ولا نخاف تبدّل المواقف.. نخاف أن يتبدّل الموقع ثم يُطلب من الكلمات أن تتبدّل معه..

فالمنصب عابر.. والقلم شاهد.. والأرشيف لا يصمت.

إنا لله ياخ..

الله غالب.

altaghyeer.info