الحركة الإسلامية: تحرير الفكرة من الدولة
الحركة الإسلامية: تحرير الفكرة من الدولة
ماجد عرمان
أصعب مراجعة يمكن أن تجريها الحركة الإسلامية السودانية اليوم متعلقة بالمصدر الذي جاءت منه قوتها، فقد استولت على السلطة عبر انقلاب عسكري، مستندة الي مشروع سياسي وفكري، ثم أمضت ثلاثة عقود في إعادة تشكيل مؤسساتها ومراكز قوتها، ضمن مسار تشابك فيه تاريخ الحركة مع تكوين الدولة. يطال التقييم الصلة بين المشروع والدولة، وبين القوة التي تستمدها الفكرة من المجتمع والقوة التي تستمدها السياسة من المؤسسة، إلى جانب سياسات الإنقاذ ونتائجها. بدأت التجربة من تصور يرى الدولة فضاءا مركزيا لتحقيق المشروع، لم تعد الدولة جهازا تنفذ من خلاله الحركة برنامجها. باتت بيئة أعادت فيها إنتاج نخبتها، ووسعت شبكاتها، وطورت أدواتها، وربطت مصالح قطاعات من المجتمع بمسارها السياسي. مع الزمن تشابكت حدود التنظيم مع حدود الدولة، وتعقد الفصل بين ما هو عام وما هو سياسي. كان تغيير بنية المؤسسة العسكرية واحدا من أبرز المنعطفات في هذه التجربة، لأن الجيش يمثل في الدولة الحديثة مؤسسة ذات طبيعة مختلفة عن الحزب والتنظيم. حين تمتد يد المشروع السياسي إلى تركيب المؤسسة العسكرية وعقيدتها وقياداتها وشبكاتها الداخلية، يتغير معنى الدولة نفسها، إذ تنتقل العلاقة بين الحركة والدولة من السياسة إلى البنية التي يفترض أن تحمي الدولة من اختزالها في ملكية جماعة. وترتبط القوة المسلحة بهندسة النظام السياسي، فيما ترتبط المؤسسة التي يفترض أن تبقى للدولة بصورة أعمق بمشروع الحكم. وامتدت عملية إعادة التشكيل إلى مؤسسات الدولة الأخرى، لتشمل الإدارة والاقتصاد والأمن والإعلام والتعليم كساحات لإعادة إنتاج النخبة السياسية والاجتماعية التي تَخَلَّقَت في ظل النظام. وبرزت مصالح جديدة، وتَبلورت شبكات جديدة داخل مؤسسات الدولة خلال زمن الإنقاذ وحين سقط النظام السياسي في أبريل 2019، بقيت هذه التراكمات حاضرة داخل المجتمع والدولة. غادرت القيادة، وظلت البنية التي أنتجتها سنوات الحكم حاضرة بدرجات مختلفة. لا تكفي قراءة أبريل 2019 باعتباره سقوط حكومة. كانت اللحظة انتقالا من دولة أعيد تشكيل أجزاء واسعة منها خلال ثلاثة عقود إلى محاولة لإقامة نظام سياسي جديد فوق مؤسسات تستبطن إرث النظام السابق. كانت الثورة تواجه سلطة انتهت ومؤسسات لم تنته، وشبكات فقدت مركزها السياسي من دون أن تختفي، ورأسمالا بشريا صاغته مرحلة مغايرة، ومصالح ارتبطت بالبنية التي أقامتها الحركة الإسلامية. يتعقد فهم هذه التجربة عند استحضار موقع المؤسسة العسكرية في تكوين الدولة وتاريخ السلطة فيها. فقد ورث السودان، منذ الاستقلال، جيشا اضطلع بدور مركزي في بنية الدولة، وأعادت الانقلابات والحروب تنظيم علاقته بمراكز القرار السياسي، وتحديد وظائفه ونفوذه المؤسسي. ومع صعود الحركة الإسلامية، أعادت السلطة ترتيب بنية المؤسسة العسكرية وتوزيع النفوذ داخلها، وكونت قوى مسلحة الي جوار المؤسسة العسكرية، جرى توظيفها في الدفاع عن مشروعها السياسي، ومع اتساع موارد هذه القوى، أخذت تطور شبكاتها ومصالحها، وتوسّع حضورها في الاقتصاد والسياسة ومجال القوة المسلحة. وأسفر هذا التداخل البنيوي عن تعدد البنى التي تملك موارد القوة داخل الدولة، وتفاوت صلاتها بالمؤسسات الرسمية ومصادر نفوذها ومجالات تأثيرها. وتُفهم بنية الدولة، في ضوء ذلك، من خلال توزيع القوة بين هذه البنى، والشبكات والمصالح التي تحدد قدرتها على الحركة والتأثير. الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 كشفت هذه الحقيقة بأقسى صورها. وجد السودان نفسه أمام تعدد في مراكز القوة المسلحة والاقتصادية والسياسية، مع انتقال التنافس إلى الدولة وحقولها: الأرض، والموارد، والمؤسسات، والشرعية. واتصلت أزمة الدولة ببنية تاريخية تتخطى ضعف الإدارة واضطراب الانتقال السياسي، بنية أعادت توزيع القوة في المجتمع، ورسم مواقعها في مؤسسات الدولة. وتفرعت مصالح وشبكات وقوى احتفظت بمواردها الخاصة، وأسهمت في تحديد موازين النفوذ وحدود السلطة وطرائق ممارسته. المفارقة التي تستحق أن تكون في قلب المراجعة الإسلامية السودانية: كلما نجح المشروع في التغلغل داخل الدولة، ازدادت قدرته على تنفيذ رؤيته، وازداد في الوقت نفسه اعتماده على الدولة كمصدرا للقوة. وحين يصبح المشروع معتمدا على مؤسسات الدولة، يكون من الصعب خروجه منها واختبارا حقيقياً له. هل تستطيع الحركة الإسلامية أن تحتفظ بقيمتها السياسية والفكرية والاجتماعية خارج الحكم؟؟؟! ينطوي التمكين، في جوهره، على مفارقة الاعتماد: فكلما اتسع حضور المشروع في مؤسسات الدولة، ازدادت قدرته على الفعل المؤسسي، وتزايد في المقابل اعتماده على المواقع والموارد التي توفرها تلك المؤسسات. وتنتقل القوة من كونها أداة لتحقيق المشروع إلى كونها شرطا لاستمراره، في تجربة الحركة الإسلامية، أعاد التمكين تعريف القوة التي يستند إليها المشروع. فالموقع في الدولة منح التنظيم موارد ونفوذا وقدرة على ضبط القرار، ثم صار الحفاظ على هذه المواقع جزءا من حسابات البقاء السياسي. ومع امتداد الحضور المؤسسي، أخذت علاقات التنظيم بالمجتمع تمر عبر ما توفره الدولة من سلطة وموارد وشبكات، وأصبح وزن الفكرة مقترنا بقدرتها على حضورها الفكري إلى نفوذ قابل للإدارة والحماية. وتبدلت وظيفة المشروع تدريجيا: من إنتاج الولاء حول فكرة إلى تنظيم الولاء عبر مؤسسة، ومن استمداد الشرعية من الفضاء الاجتماعي إلى إعادة إنتاجها من موقع السلطة. وان أعمق إشكالات تجربة الحركة الإسلامية؛ إذ أنتج التمكين قوة واسعة في إدارة الدولة، وفي الوقت نفسه جعل استمرار المشروع أكثر اتصالا بالبنية المؤسسية التي وفرت له تلك القوة. لذلك فإن خروج الحركة الإسلامية من الدولة يمكن أن يكون اختبارا تاريخيا نادرا لقوتها الحقيقية. بعد ثلاثة عقود من الحضور العميق في مؤسسات الحكم، ويكون المجتمع هو الفضاء الذي يمكن فيه قياس ما بقي من المشروع بعد انفصاله عن أدوات السلطة. حيث تتضح قدرة الفكرة على إقناع الناس من دون وظيفة تمنحها، وقدرة التنظيم على بناء أعضائه من دون جهاز دولة يسنده، وقدرة الحزب على المنافسة من دون موارد عامة، وقدرة النخبة على إنتاج نفسها خارج المؤسسات التي صنعت مسارها. يحتاج هذا الاختبار إلى شجاعة تفوق الدفاع عن الماضي أو التنصل منه. فالمراجعة الفكرية العميقة تصل إلى الفرضية التي جعلت الدولة مركز القوة.والدولة السودانية دفعت ثمنا كبيرا من اختلاط المشروع بالمؤسسة. وربما تكون هذه هي اللحظة التي تستطيع فيها الحركة الإسلامية أن تكتشف معنى جديدا للتمكين. الدولة السودانية تحتاج إلى أن تستعيد المسافة بينها وبين كل المشاريع السياسية، حتى تستطيع أن تكون فضاءا مشتركا لأصحاب المشاريع المختلفة. ويحتاج الجميع إلى مؤسسات تستطيع أن تستمر بعد تغير الحكومات، وإلى جيش ينتمي إلى الدولة، وإلى اقتصاد لا يرتبط بالحماية السياسية، وإلى خدمة عامة تحكمها المهنة، وإلى قضاء يحمي الحقوق، وإلى نظام سياسي يسمح بالخروج من السلطة والعودة إلى المجتمع. تلك المسافة هي التي تمنح الدولة عموميتها وتمنح الحركة استقلالها. كلما استطاعت الحركة أن تعيش خارج الدولة، استطاعت الدولة أن تتحرر من الحركة. وكلما استطاعت الدولة أن تتحرر من الحركة، استطاعت الحركة أن تختبر قوتها الحقيقية. تنشأ علاقة أكثر نضجا بين الفكرة والمجتمع والمؤسسة حين يتوقف المشروع عن احتياج الدولة إلى ضمان وجوده. الحركة التي تستطيع خسارة الحكم من دون أن تفقد وجودها تستطيع أن تقبل التداول. والحزب الذي يستطيع العودة إلى المجتمع يستطيع أن ينتظر. والنخبة التي تستطيع بناء مكانتها بعيدا عن الوظيفة العامة تستطيع أن تفصل بين مصلحتها ومصلحة الدولة. والمؤسسة العسكرية التي لا تحتاج إلى حماية مشروع سياسي تستطيع أن تعود إلى وظيفتها الأصلية. قد تكون هذه إحدى أهم الفرص الفكرية التي تتيحها التجربة الإسلامية السودانية بعد ثلاثة عقود من الحكم: أن تنتقل من سؤال السيطرة إلى سؤال الاستقلال، ومن امتلاك المؤسسات إلى بناء المجتمع، ومن حماية المشروع بالدولة إلى اختبار المشروع في المجتمع. فالحركة التي تستطيع أن تحيا خارج السلطة تمتلك فرصة لإعادة اكتشاف نفسها بعيدا عن ثقل المؤسسة، وتستطيع أن تعرف أي جزء من قوتها كان نابعا من الفكرة وأي جزء كان نابعا من الدولة.
تضع الحرب الوجه الأكثر كلفة في علاقة الحركة الإسلامية بالدولة. فقد جعل التمكين الدولة مركزاً لإنتاج القوة السياسية، وامتدت آثاره إلى الجيش والأمن والإدارة والاقتصاد وشبكات المصالح. وبعد سقوط النظام، احتفظت هذه البنية بنفوذها. ومع اقتراب الانتقال المدني، وجدت الحركة في التحالف مع مراكز القوة العسكرية وسيلة لحماية نفوذها واستعادة موقعها، ثم نقلت الحرب هذا الصراع إلى مستوى أكثر دموية. وتشير تقارير إلى مشاركة شبكات إسلامية في دعم العمليات العسكرية وتعبئة المقاتلين، وإلى تصور داخل الحركة لمرحلة ما بعد الحرب تتيح عودتها السياسية. تبدو المراجعة الأعمق مرتبطة بثمن الفكرة وارتباطها بالدولة ووسيلتها الرئيسية. فالحركة تواجه إرثا صنعته خلال ثلاثة عقود، والحرب تضع هذا الإرث أمام نتائجه السياسية والمادية. وقد يكون مستقبل الحركة معلقا على قدرتها على فهم هذه التجربة، فيما يبقى مستقبل السودان متصلا بإعادة بناء دولة تستعيد مؤسساتها من تاريخ طويل جعلها جزءا من الصراع على السلطة.
altaghyeer.info