المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الثانية: المحاماة مهنة يعرفها الناس ولا يعرفونها
المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق
الحلقة الثانية: المحاماة… مهنة يعرفها الناس ولا يعرفونها
ميرغني الحبر/ المحامي
ربما لا توجد مهنة يحيط بها من الصور النمطية بقدر ما تحيط بمهنة المحاماة.
فإذا قيل: «محامٍ»، ذهبت أذهان كثيرين مباشرة إلى قاعة المحكمة، وإلى محامٍ يقف أمام القاضي، يترافع عن متهم أو يطالب بحق موكله في خصومة.
وهذه، بلا شك، صورة حقيقية من صور عمل المحامي.
لكنها ليست المحاماة كلها.
بل ربما كانت أقل صورها حضوراً في حياة الناس اليومية.
فالمحامي قد يعمل سنوات طويلة دون أن يقف في قضية جنائية واحدة، ومع ذلك يكون قد أدى خلال تلك السنوات عملاً قانونياً واسعاً ومهماً: راجع عقداً قبل توقيعه، قدم مشورة قبل اتخاذ قرار، أسس شركة، نظم شراكة، راجع معاملة عقارية، تابع إجراءات إرث، تفاوض لإنهاء نزاع، صاغ اتفاقاً، أو نبه موكله إلى خطر قانوني كان يمكن أن يكلفه كثيراً من المال والوقت.
هنا تظهر المحاماة في صورتها التي لا يراها الناس كثيراً:
المحامي لا يأتي دائماً بعد وقوع المشكلة؛ كثيراً ما تكون قيمته الحقيقية في مساعدتك على ألا تقع المشكلة أصلاً.
وهذه واحدة من أهم الحقائق التي تحتاج المحاماة السودانية إلى أن تشرحها للمجتمع.
المحامي ليس رجل المحكمة فقط
ليست المحكمة هي المكان الوحيد الذي يعمل فيه المحامي، كما أن الخصومة ليست الغاية الوحيدة من وجوده.
فالقانون يدخل في تفاصيل الحياة أكثر مما نتخيل.
في البيت، وفي العمل، وفي التجارة، وفي الشركات، وفي الملكية، وفي العقود، وفي التركات، وفي الشراكات، وفي الاستثمار، وفي علاقات العمل، وفي التعاملات المالية.
وفي كل هذه المساحات يمكن أن يظهر دور المحامي قبل أن يتحول الخلاف إلى قضية.
قد يكون سطر واحد في عقد سبباً في حماية حق، وقد يكون سطر آخر سبباً في نزاع يستمر سنوات.
وقد تكون مشورة قانونية قصيرة قبل إتمام معاملة أكثر قيمة من مرافعة طويلة بعد أن يصبح النزاع أمراً واقعاً.
ولهذا فإن المحامي الناجح ليس فقط من يستطيع أن يترافع جيداً أمام المحكمة، وإنما من يستطيع أيضاً أن يرى الخطر القانوني قبل أن يراه صاحبه.
المحاماة في أفضل صورها ليست مهنة إطفاء الحرائق فقط؛ إنها أيضاً مهنة الوقاية منها.
ولماذا يحتاج الناس إلى هذه الخبرة؟
لأن الإنسان العادي لا يمكن أن يكون خبيراً في كل شيء.
كما أنه لا يذهب إلى الطبيب لأنه عاجز عن التفكير، ولا يستعين بالمهندس لأنه لا يستطيع أن يبني بيديه، فإنه لا يحتاج إلى المحامي لأنه أقل ذكاءً أو قدرة.
إنما يحتاج إليه لأن القانون، مثل الطب والهندسة وغيرهما من مجالات المعرفة، أصبح علماً وتخصصاً له قواعده وإجراءاته وتفاصيله.
وقد يعرف الإنسان حقه، لكنه لا يعرف الطريق الصحيح للمطالبة به.
وقد يعرف ما يريد، لكنه لا يعرف كيف يحميه قانوناً.
وقد يوقع عقداً يراه بسيطاً، ثم يكتشف بعد سنوات أن كلمة واحدة فيه كانت تحمل أثراً لم ينتبه إليه.
وهنا لا تكون الاستعانة بالمحامي ترفاً.
إنها استعانة بالمعرفة قبل أن تصبح الجهالة خسارة.
المحامي يوفر أكثر مما يطلب من أتعاب
وهناك جانب آخر لا يحظى بما يكفي من الانتباه.
حين يستعين الإنسان بمحامٍ، فهو لا يدفع فقط مقابل ورقة أو جلسة أو مرافعة.
إنه يستعين بالمعرفة والخبرة والوقت والجهد.
المحامي الذي يختصر على موكله أسابيع من البحث، أو يمنعه من توقيع عقد يحمل عليه التزاماً خطيراً، أو يساعده على الوصول إلى تسوية بدلاً من سنوات التقاضي، قد يكون قد وفر عليه أموالاً وجهداً أكبر بكثير من أتعابه.
ولهذا فإن النظر إلى أتعاب المحامي باعتبارها «مالاً يُدفع للمحامي» فقط، يغفل الجانب الآخر من المعادلة:
إنها في كثير من الأحيان تكلفة لحماية مال أكبر، ووقت أثمن، وحق أكثر أهمية.
وماذا عن الشركات والمؤسسات؟
الأمر أوضح في عالم الأعمال.
فالمؤسسة التي لا تستعين بالمشورة القانونية إلا بعد وقوع النزاع، تشبه من لا يستعين بالطبيب إلا بعد تفاقم المرض.
الشركة تحتاج إلى القانون وهي تؤسس نفسها، وتبرم عقودها، وتوظف العاملين، وتتعامل مع الموردين والعملاء، وتدخل في شراكات، وتشتري وتبيع، وتوسع نشاطها، وتحمي أصولها وحقوقها.
ولهذا أصبحت الاستشارة القانونية في المؤسسات الحديثة جزءاً من الإدارة الرشيدة، لا مجرد خدمة تستدعى عند الخصومة.
وكلما كان القرار الاقتصادي كبيراً، كان من الحكمة أن يسبقه سؤال قانوني:
ما المخاطر؟ وما الحقوق؟ وما الالتزامات؟ وما الذي ينبغي أن نفعله قبل أن نوقع؟
وهنا يتحول المحامي من «رجل قضية» إلى شريك في حماية القرار.
وحين تقع المشكلة؟
نعم، قد تقع المشكلة رغم كل الاحتياطات.
وقد يتحول الخلاف إلى نزاع، والنزاع إلى دعوى، والدعوى إلى محاكمة.
عندها يظهر الوجه الآخر للمحاماة.
يقف المحامي أمام القضاء ليعرض حق موكله، ويجادل في القانون، ويفحص البينات، ويناقش الإجراءات، ويدافع عن مركز موكله في حدود القانون.
وهنا أيضاً ينبغي أن نفهم شيئاً مهماً:
المحامي لا يملك الحكم.
لا يستطيع أن يضمن لموكله حكماً معيناً، ولا يملك أن يمنح البراءة، ولا أن يلزم المحكمة بما يريد.
هو يملك شيئاً آخر:
أن يبذل علمه وخبرته ووقته وجهده في أداء واجبه المهني على الوجه الصحيح.
وهذا هو ما يدفع الموكل أتعابه من أجله.
فالمحامي لا يبيع حكماً، ولا يبيع براءة، ولا يبيع نتيجة مضمونة.
المحامي يبيع معرفةً وخبرةً ووقتاً وجهداً.
وهذه حقيقة تستحق أن تُفهم جيداً.
والمحاماة ليست خصومة دائمة
ومن الأخطاء الشائعة أن يظن البعض أن نجاح المحامي يعني أن يربح كل معركة وأن يذهب بكل خلاف إلى المحكمة.
ليس الأمر كذلك.
فقد يكون أفضل عمل يقوم به المحامي هو أن يمنع موكله من الدخول في معركة لا يحتاج إليها.
وقد تكون التسوية العادلة أفضل من خصومة طويلة.
وقد يكون التفاوض أكثر فائدة من التقاضي.
وقد يكون الاعتراف بحق ثابت وتسوية النزاع حوله أكثر حكمة من إنفاق سنوات في محاولة إنكاره.
المحامي الجيد لا يبحث عن الخصومة لمجرد الخصومة.
إنما يبحث عن أفضل طريق قانوني يحفظ حق موكله ويقلل خسائره ومخاطره.
لماذا نحتاج إلى محاماة قوية؟
هنا تتجاوز المسألة مصلحة الفرد.
فالمجتمع الذي يحترم القانون يحتاج إلى محامين قادرين على فهمه وتطبيقه والدفاع عنه.
والمواطن الذي يدخل في خصومة مع شخص آخر يحتاج إلى من يساعده على معرفة حقوقه وواجباته.
والشخص المتهم يحتاج إلى دفاع مهني يضمن أن تتم معاملته وفق القانون.
والمستثمر يحتاج إلى من يحمي معاملاته.
والعامل يحتاج إلى من يعرف حقوقه.
والأسرة تحتاج إلى من يساعدها في مسائل الملكية والتركات والعقود.
والمؤسسة تحتاج إلى من ينبهها إلى المخاطر قبل أن تتحول إلى نزاع.
ومن هنا فإن مكانة المحاماة ليست امتيازاً للمحامين وحدهم.
إنها مصلحة للمجتمع كله.
ولهذا فإن احترام المحاماة لا ينبغي أن يكون احتراماً لأشخاص يمارسون مهنة معينة فحسب، وإنما احتراماً للوظيفة التي تؤديها هذه المهنة في حماية الحقوق وسيادة القانون.
لكن الاعتزاز بالمهنة لا يعني أن نعفيها من النقد
وهنا نصل إلى الجانب الذي لا ينبغي أن نخشاه أو نتهيبه.
نحن نعتز بالمحاماة، ولذلك لا نريد لها أن تكون فوق النقد.
ونؤمن بقيمتها، ولذلك نريد من أهلها أن يكونوا في مستوى هذه القيمة.
للمحامي حقوق، نعم.
وعليه واجبات، نعم.
وله حصانة مهنية في حدود ما يقرره القانون، لكن عليه أيضاً مسؤولية.
وله حق في الأتعاب، لكن ليس له أن يحول المهنة إلى استغلال.
وله حق في الدفاع عن موكله، لكن ليس له أن يخرق القانون أو يخون أمانته المهنية.
وله أن يختلف مع خصمه، لكن ليس له أن يهين خصمه أو يسيء إلى المحكمة أو زملائه.
حماية المهنة لا تكون بالتساهل مع من يسيء إليها، كما أن حماية المحامي لا تكون بحمايته من المساءلة.
وهنا تحديداً نريد أن نقول شيئاً واضحاً:
لا تمجيد للمحامي لمجرد أنه محامٍ، ولا تقليل من شأنه لمجرد أن بعض الممارسات قد أساءت إلى صورة المهنة.
نريد إنصاف المحاماة.
وفي زمن الاضطراب، تصبح الحاجة إليها أكبر
حين تضعف المؤسسات، وتشتد الخصومات، وتختلط المشاعر بالوقائع، ويصبح الحكم على الأشخاص أسهل من البحث عن الحقيقة، تصبح الحاجة إلى القانون أكثر إلحاحاً.
وفي مثل هذه الظروف، قد يبدو الالتزام بالإجراءات القانونية للبعض أمراً ثانوياً أمام سرعة الأحداث.
لكنه في الحقيقة يصبح أكثر أهمية.
فالقانون لا تكون قيمته فقط عندما تسير الأمور بصورة طبيعية.
تظهر قيمته الحقيقية عندما تصبح الظروف صعبة، وعندما يكون تطبيقه أكثر كلفة، وعندما يحتاج الإنسان إلى من يذكر بأن الحق لا يتغير بتغير المزاج، وأن الخصومة لا تلغي الحقوق، وأن الاختلاف لا يسقط الإنسان من دائرة الحماية القانونية.
وهنا تظهر المحاماة في واحدة من أعمق وظائفها:
أن تبقى إلى جانب الإنسان حين يصبح الاحتكام إلى القانون أصعب ما يكون.
هذه هي المحاماة التي نريد أن نعيد تقديمها
لسنا بصدد صناعة صورة مثالية للمحامي.
ولسنا بصدد إنكار ما في المهنة من مشكلات أو ما يقع من بعض منتسبيها من أخطاء.
لكننا، في المقابل، لا نقبل أن تختزل مهنة كاملة في بعض الصور أو التجارب أو الخصومات.
المحاماة أوسع من ذلك.
هي علم وخبرة.
وهي مهنة يعيش منها أصحابها بعملهم.
وهي في الوقت نفسه رسالة تتصل بالحقوق والعدالة.
وهي مسؤولية أخلاقية ومهنية.
وهي في النهاية واحدة من الأدوات التي يحتاج إليها المجتمع حتى لا يصبح الحق مجرد كلمة بلا وسيلة لحمايته.
ولذلك فإن حديثنا عن المحاماة في هذه السلسلة ليس دفاعاً عن أشخاص بعينهم.
إنه محاولة لأن نضع المهنة أمام المجتمع كما ينبغي أن تكون:
مهنةً تقوم على المعرفة والخبرة، ورسالةً في خدمة العدالة، ومسؤوليةً في حماية الحقوق.
ولعل السؤال الذي يفتح لنا باب الحلقة القادمة هو:
إذا كانت المحاماة بهذه الأهمية، فكيف ينبغي أن يتصرف المحامي عندما يصبح الإنسان نفسه، وحريته، وكرامته، في مواجهة الاتهام؟
هناك، تحديداً، تبدأ واحدة من أكثر صور المحاماة إثارة للجدل وسوء الفهم:
الدفاع الجنائي.
المحاماة… رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الأولى: لماذا يحتاج الإنسان إلى محامٍ؟
altaghyeer.info